الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


خرف

محمد البوعيادي

2012 / 8 / 26
الادب والفن



كنت دائما أحمل معي هدية صغيرة إلى طبيبتي النفسية كلما دارت دورة القمر و حان موعد إجراء الاختبارات المعقدة لمعرفة مدى تطور عقدي النفسية وتخبل مُخّي وارتجاج مُخيخي واصطكاك جمجمتي.
حين تراني تحس بأن مريضا خاصا قد جاءها ، فأنا - كما تقول و "التقليد على رقبتْها أو صدرها المكتنز" - لست ككل المرضى ، لأنني" مْرِيضْ" فعلا أكثر مما يجب ربما ، لا أتحدث هنا عن المرض العضوي الذي ينخر هيكلي و لكن عن نوع مجازي من المرض، فعندما يقول لك شخص بالدارجة المغربية: " أنت مريض" ، يقصد أنك عقلية "خامجة" تفوح منها روائح الروث أو أن رأيك لا يتغير أبدا لأنك عنيد ورأسك صلب كالمطرقة...
عموما و خصوصا ، و بعد و قبل و تحت و فوق ويمينا وشمالا وجنوبا وغربا وشرقا ويسارا، كانت طبيبتي تفوح أنوثة ورونقا، امرأة بكل ما تحمل الكلمة من معنى عكس زوجتي (سامحه الله )، بيضاء البشرة طويلة القد بعيدة مهوى القرط، ذات عينين سوداوتين كبيرتين ، نهداها والعياذ بالله كانا نافرين نحو الأعلى وكأنهما - أستغفر الله - يسبّحان في خشوع ، عند مفترق فخديها المرتفعين كساريتين من الرخام الثمين اكتناز غير عادي أبدا، شيء منتفخ كبالون صغير أو قنفذ شوكي متوجس، طويلة القد في متناول اليد، ومؤخرتها (سامحها الله) دائرية ومتناسقة الأطراف تجعلك - غفر الله لك - ترغب في عضها أو ضربها بباطن الكف حتى تحمرُّ وتصفرُّ وتزرقّ قّ قّ،كانت ككثلة من الاستدارات البديعة التي تجعل قضيبك - سامحكما الله- ينتفض في حركة لا إرادة فيها ولا دنب، كانت ككل الأطباء مُهتمة بمرضاها إلى درجة الهوس ، و كنت أحب فيها تلك الميزة، لأنني أستمتع بالكلام مع المُهتمين، فهي فرصة لا تعوض للضحك و السخرية والتمعن في ما وهبها الله من ثروات معدنية وبترولية، خصوصا حين تنحني نحوي بصدرها النافر بين فتحة الصدر البارزة..
صعدت الطابقين المظلمين إلى مقر العيادة الصغيرة. الدرج الواحد لا يتعدى أربعين سنتمترا عرضا، تجد منكبيك يمسحان صباغة الحائط الضيق كمكنسة علوية متحركة، كنت أحب أول صورة تقابل الداخلين من المرضى، مزهرية بديعة تشبه بطنا منتفخا و بعض ورود اللوتس البيضاء كالثلج، كنت دائما ما أشبه بينها وبين زهرة اللوتس، خصوصا ما خصّ قضية النواة، فدرجة انفتاحهما متشابهة في نقطة المركز تماما هذا بالإضافة إلى ذلك البياض الذي يذكرك بالبوظة اللذيذة في حرّ الصيف وأنت عطشان، وللأمانة كلاهما يجعلك - إن غفر الله لك - تُسيل ريقا وتشتعل حريقا وتشعر بنفسك غريقا غريقا غريقا قاً قاً قاً...
انتظرت نصف ساعة و دخلت بعد أن دعتني ممرضة مكتنزة، يتراقص تحت سترتها البيضاء فخذان كفخدي بقرة، الواضح أنها لم تجد زيا رسميا يناسب مقاسها.
أول ما تواجهني به طبيبتي الهادئة، ابتسامة عريضة كمقدمة حافلة، بادلتها الابتسامة و استعددت لوجبة من النصائح المهترئة...
- كيف حال صديقنا العنيد...أرجو أن تخبرني كيف تشعر الآن، و هل تعرضت لأي نكسة نفسية أو عصبية طوال هذا الشهر ..تفضل و تحدث بارتياح فنحن أصدقاء..
- مساء الخير طبيبتي الحبيبة جعلك الله سندا للمرضى و المعاقين و التافهين و التافهات من المُعقدين و المُعقدات و أجزل لك العطاء من دكور الجنة وأُيُورِ العُجول الضخمة على ما تفعلينه من خير لكل مُشوَّهِي النُّفُوس...- في الحقيقة - و لا توجد أية حقيقة- يا زكتورة ( هكذا يقولوها المصريون سامحهم الله) نحن لسنا أصدقاء، أما عن حالي فأحس بتحسن قليل، يبدو أن هناك شيئا سيئا قادما في الطريق، فما بعد الهدوء سوى العاصفة كما قالوا..
أكثر شيء أحبه في هذه اللعبة المُسلية أن لي حرية في قول أي شيء بأي طريقة، فأنا في نهاية المطاف مريض نفسي، و لا يؤخذ كلام المرضى بحساسية غير المرضى، لذلك أستغل وضعي الخاص لأتحدث بصراحة و وقاحة أحيانا....و أُمارس عادتي السيئة في الكلام كثيرا..
- جيد ، جيد جدا ، يبدو أن الحالة بدأت تتحسن، فأن يمر شهر دون ظهور أي أعراض معناه أن حالتك تجنح نحو استقرار كلي إنشاء الله وهذا قد يجنبك ضرورة الذهاب إلى المصحة.. حسنا أريدك كبداية أن تحدثني عن الأشياء التي حركت مشاعرك طوال هذا الشهر ، أريدك أن تترك لنفسك حرية الكلام، لا تحاول أن تستحضر أي شيء أو قيد يمنعك من التعبير...تفضل.
- هل أنت متأكدة يا دكتورة، لا قيد؟ أقول كل ما شعرت به؟ بلا تردد؟ أأنت متأكدة؟
- طبعا طبعا....تفضل فأنا هنا لأستمع إليك..ألست هنا لأننا أصدقاء و لأننا نتحدث بصراحة إلى بعضنا البعض...
كنت أراقب وجهها الرائع المتوهج اللذيذ المستدير الصغيرالمنافق و هي تقول ذلك...و داخلي شهوة تضطرم وصوت يحفزني على الاستهزاء لكني قلت وقد بدت لي فكرة بديعة، لما لا أتكلم بكل صراحة فأنا مريض و هي طبيبتي الخاصة وهناك أشياء حرّكت مشاعري فعلا فلا ضير في أن أسردها بالتفصيل الممل ، أشبع رغبتي في الكلام وأساعدها كي تحلل حزمة النقود التي تسرقها من جيب زوجتي البلهاء.
بالمناسبة زوجتي هي صاحبة فكرة زيارة طبيبة نفسية، وبما أنها لا تجد ثقة في أي طبيبة أخرى( مخافة الخيانة) أو طبيب حتى، قررت أن صديقتها هي أكثر من يمكنه مساعدتنا، فهي تعرف كل شيء عنا تقريبا من ليلة الدخلة إلى لون التُّبّان الذي أرتديه حين آتي إلى المقابلة.
كانت زوجتي - هداهُ الله- امرأة طبيعية جدا قبل الزواج، لكن أصابها سعار لا أرى له تفسيرا منذ اليوم الذي وجدتني أساعد كلبنا المحترم بوبي على ارتداء ربطة عنق أنيقة، وحده بوبي كان يفهمني في البيت والعمل والشارع والمدينة والدولة والكوكب، والكل دون بوبي فشار وحمص مقلي.
في آخر أيام العطلة الصيفية قالت زوجتي أنني بدأت أميل إلى الخرف فأنا كما تزعم أنسى كل شيء تقريبا ولا أكلم أحدا باستثناء بوبي وجوجو، كما أنها تريد أن تقنعني أن تصرفاتي أصبحت غريبة خصوصا ما تعلق بالكلام مع الحيوانات والإدمان على اللعب بالقط جوجو الظريف.
كما أنها تضيف إلى ذلك شعوري بالقرف منها والإعراض عن الجماع وما جاوره من التلمظ والتنهيد والملاطفة والاستمتاع مأكدة أنها امرأة مقبولة وأن المشكل في بنيتي العصبية و ميولي التي تحولت إلى حب الحيوانات عوض النساء. وكنت للحق لا أطيق زوجتي الجميلة بسبب غبائها المفرط وكلامها المقيت الذي نصفه خرافات وأساطير والنصف الآخر عن آلة التصبين وزيارة الجيران، المسلسلات الهجينة ووصفات الفول والعدس والحلويات المقرمشة، أما بوبي فأقل ما يمكن أن أقوله عنه هو أنه أذكى من زوجتي وأكثر تفاهما وطاعة .
بوبي هذا للإشارة كان إنسانا هادئا جدا يقضي معظم وقته في التودد إلى جروة جارنا القاصر، وكنت أشعره بالحرج كلما ذكرت اسمها أمامه فترى شدقيه قد تدلّيا وأيره وذيله قد انتفضا و أذنيه ارتفعتا إلى فوق، فيبدي ابتسامة في خفر وكأنه يتودد إلي أن أخبره بجديدها، وطالما مررت الرسائل بينهما، بعضها بالإنجليزية والآخر بالصينية كي لا يفهم مالك الجروة الأمي شيئا إذا ما وقعت الراسلة بين يديه.
أما جوجو القط، فوحده كان يحب الموسيقى، كانت زوجتي تقضي وقتها في الاستماع إلى شرائط الوعظ والإرشاد وكلما دعوتها إلى جلسة هادئة أمام الغراموفون للاستماع إلى باخ أو تشايكوفسكي كانت تنظر إلي في تعجب وتقول أن الموسيقى حرام، فلا أجد إلا جوجو متحفزا للموسيقى، كلما رآني متجها إلى جهاز الموسيقى يرفع ذيله في حيوية ويرخي أدنيه الصغيريتين وهو جالس فوق ركبتي يستمتع بالنغمات الهادئة في استرخاء تام.آه يا لها من لحظات عظيمة،رحمك الله يا جوجو برحمة القطط وأدخلك فسيح جنانه حيث السمك يجري أنهارا ووديانا من الفئران والحور العين من القطط العذراء التي لم يمسسها هرٌّ قبل ولا جان.
بوبي أيضا لا يحب موسيقاي، لكن ليس لأنه كان متدينا بل قل لأننا كنّا نختلف في الذوق الموسيقي فقط، أما كيف اكتشفت ذلك، فالحكاية تطول وسردها قد يأخذ منا وقتا طويلا والطبيبة المسكينة تنتظر أجوبتي فما العمل؟
عموما وباختصار اكتشفت ذوق بوبي المتطرف ذات صباح أحد، وأنا أستمع إلى الأخبار بالفرنسية كان بوبي بجانبي يرقب الجروة من بعيد في نزهتها الصباحية، كان مركزا لا يتحرك خيشومه لا شمالا ولا يمينا، حتى أنفاسه اللاهثة توقفت (سبحان الله) وما إن انتهت الأخبار وانطلقت فسحة موسيقية غربية حتى بدأ رأس بوبي بالتمايل يمنة ويسرة في تناغم عجيب ونظره مركز على مؤخرة الجروة التي علمت فيما بعد أن اسمها توتي، كان بوبي يتحرك في حماس سرعان ما تحول إلى جنون ونباح عال من النشوة والمتعة، ومن يومها علمت أنه مهووس بالهارد روك وموسيقى الميتال المخيفة، لذلك اشتريت له بعض الاسطوانات الصاخبة وكنت أقفل عليه باب الغرفة وأتركه يقفز في جنون فلا أفتح الباب حتى يتعب ويسقط مغشى عليه.
قد تسألون عن موت جوجو أيضا، وهي قصة أطول لكني سأختصرها درءا للملل وإيقاظ الجروح، كان جوجو يحب تشايكوفسكي كثيرا كما يحب السمك، لدرجة أنه قد يتخلى عن فأر أو سمكة ليجلس بقربي مستمتعا بالموسيقى، وهذا خاصية راقية في جوجو لم تكن في زوجتي الجميلة، ذلك أنها تفضل تعلم الطبخ معظم الوقت ولا تهتم للموسيقى أو الكتب إلى ما وافق الوعظ والإرشاد، أما جوجو فكان خير خلق الله وأكثرهم اهتماما بالثقافة، كنت حين ننتهي من الاستماع إلى اسطوانة جيدة، أفتح رواية أو ديوان شعر وأنده بوبي وجوجو ليقتربا، فأقرأ عليهما ما تيسر من الكتاب، وأحيانا كنت أتجرأ - بعد تردد وحيرة - في إطلاعهما على محاولاتي الأدبية التي كانت زوجتي تعتبرها مضيعة للوقت والكهرباء فيتجاوبان بالنباح والمواء الذي يقابل التصفيق عند البشر.
عموما وخصوصا ، جوجو مات بسبب مقطوعة "بحيرة البجع" لتشايكوفسكي، يبدو الأمر غريبا لكنه حقيقي، كنا نسير معا إلى مركز التسوق وندردش في الطريق حين سمع الصوت منبعثا من الجهة المقابلة للشارع الكبير، انتفض جوجو وقطع الطريق المزدحم بالسيارات المسرعة، فما إن توسّطها حتى دهستهه سيارة رونو4 فرنسية الصنع، وللأسف كان الأمر مخجلا أن يموت رجل عظيم كجوجو بسبب إر4 قديمة .
بكيت ليلتها حتى الفجر، أحسست بسكين يطعن قلبي ويمزق أحشائي ويفتت البنكرياس والمعدة، واستمرت الميلونخوليا شهرا كاملا من الحداد بعد ذلك، وقدمت شكاية قضائية ضد صاحب السيارة الخردة، لم أربح منها فلسا، حين أشرقت شمس اليوم الموالي لاستشهاد جوجو كنت قد استسغت حقيقة موت أعز رفيق بعد بوبي ، حفرت قبرا في خلفية الحديقة وأودعت جثمانه الثرى وكلي حسرة وتألم، ثم قرأت عليه بعضا من قرآن القطط، وهو نوع من المواء الخفيف الحزين الذي لا يفقهه أحد من البشر غيري أنا.
توفي المرحوم جوجو، و دخل بوبي في حالة اكتئاب طويلة، أما أنا فلم أكلم زوجتي القبيحة شهرا كاملا، كنت معترضا على موت جوجو فلم يعد لي أحد أقاسمه اختياراتي الموسيقية، حتى بوبي شعر بفراغ البيت بعد جوجو المرح، وحدها زوجتي كانت تجثم على قلبينا بخطب الدعاة المقرفة فأتذكر أيام جوجو الزاهية وأتذكر معها تشايكوفسكي الذي أصبحت أكرهه واقسمت ألا أستمع إلى بحيرة البجع مرة أخرى.
أخذنا الكلام بعيدا عن جلسة الدكتورة لكن لابأس فما رويته له علاقة مباشرة بسبب زيارتي للطبيبة، إذ بسبب اكتئابي قررت زوجتي أن تساعدني عند طبيبة نفسية.
حين سألتني الطبيبة عن مشاعري طيلة الشهر الذي مر متأزما، نظرت إليها وقد بدت مرتاحة ومهتمة وابتسامة البقرة الضحوك لا تفارق محياها الغبي:
+ حسنا يا دكتورتي العزيزة رأيت أشياء مهولة وكثيرة أثرت في وشقلبت كياني تبّث الله كيانك الظريف وأنعم عليك بالاستقرار والطمأنينة.
+ تكلم تكلم فقط عن كل ما يدور في خاطرك وبهدوء وثقة فأنا لست كالناس أنا صديقتك الحميمة أخبرني عن كلّ ما يقلقك أو يدور بذهنك ولا تحترز.
و لا أخبركم عن تلك الضحكة الخبيثة والماكرة التي قمعتها داخلي وأنا أستعد في تسخينات نفسية لكلام وكلام أختبر به مدى صدق أقوال دكتورتي المنافقة، لربما كان حزني على جوجو هو دافع ذلك الكره اتجاه كل الناس حتى الجميلات كالدكتورة.
+ حسنا يا سيدتي العزيزة ( مبديا حالة ضعف مثيرة للشفقة والخجل) أريد أن أقول لكني أخجل من بعض الأشياء التي حركت مشاعري، أخاف أنها غير لائقة أو ربما منحلة قليلا أو كثيرا.
بثقة المحترفين بدت المسكينة أكيدة ومتأكدة من أنها تريد سماعي كي تشخص حالتي كما يزعمون:
+ قلت تكلم فقط ، أنا أعطيك الضوء الأخضر والأهم أن يكون كل ما تقوله نابعا من داخلك من أحاسيسك الصميمة والحميمية جدا، اعتبرني غير موجودة وكأنك تتحدث مع نفسك في المرآة، ارتحت الآن هيا.
فكرت قليلا، ما هي المشاعر التي يمكن أن أعبر عنها والحال أنني منذ شهر لم أشعر بشيء سوى ألم حاد جراء فقد رفيق العمر جوجو، بأي شيء تماما وكأن أحدهم حقنني بمخدر دائم المفعول، قلت لنرى مدى احترافية طبيبتي الجميلة والمكتنزة، فرصة مواتية لاختبار مدى تحملها وصبرها:
+ حسنا يا سيدتي هناك أشياء كثيرة كثيرة جدا، لكني أتذكر الأهم فقط، فأنا مثلا عافاك الله شعرت بالقرف حين اضطررت إلى قلع قشرة دمالة مقيّحة لجدتي العجوز، كانت دمّالة خضراء ممتلئة من الداخل وتحفّها دائرة أو حلقة صغيرة من الدّم المتجلّط، وضعت عليها أصبعي أولا تحسستها فإذا بها إسفنجية ورطبة جدا، فقأتها وغمست أصبعي في المادة الخضراء النتنة، شممتها فإذا هي مقفرفة كرائحة الخراء تماما..
نظرت بزاوية عيني إلى تعابير الطبيبة لأستجلي تأثير مستملحاتي على مزاجها المنشرح، لكنها لم تبد شيئا بعد، كانت كمن يبتسم لكنه لا يبتسم، استمريت في افترائي مزودا حقدي على زوجتي المغفلة:
+ أما حين حين كنت عند صديقي الجزار، فلم أشعر بشيء سوى في رغبة بذبح الجميع وسلخ جلودهم كالماعز المتراص على طاولة البيع، كنت أفكر في تفاصيل الذبح مثلا، سكين كبير ومشحوذ جيدا، أمسك بزوجتي (صديقتك) أرفع شعرها قليلا عن نحرها الغليظ، أركز عينيها في عيني وأضع السكين على حواف الحنجرة ثم أمرره يمينا ويسارا وكأني أعزف الفالس بهدوء وروية، فأنا لا أخفيك مشاعري أرغب في ذبحها رويدا رويدا حتى تتأخر روحها في الخروج، بعد ذلك آخذ جثتها الضخمة، أضعها على قرطة الخشب الكبيرة التي يستعملها صديقي الجزار، أبدأ من فخذيها اقطعهما قطعا صغيرة و متساوية ثم أعلقهما على حبل لينشف اللحم، أعكس الرأس بقوة حتى ينكسر ثم أقسمه بالساطور نصفين فيسيل المخ، وحين أنتهي أقطع باقي الأطراف وأجوف البطن من المسارين والكبد والرئة ، ثم أقطع الجسد من أطرافه وأعلق الوركين أمام الجميع معلنا عن كون اللحم مجانا لمدة يوم كامل، هذا أول إحساس راودني وأنا عند صديقي. بصدق أنت قلت بصدق فتحملي أحاسيسي الصادقة...
كانت تنظر إلي في حنق واندهاش، الطبيبة بدت خائفة ومرتعبة، أنا أتحدث عن صديقتها، لكنها طبيبة الآن وليست صديقة لأحد، تهديداتي كانت مخيفة ولو أنها مجرد استيهامات وتخيلات لا يمكن أن تصبح حقيقة على أي حال,
حين شعرت بخوفها،بادرتها بالكلام - وأنا فرح مغتبط بما فعلت-:
+ ما قلته الآن يا دكتورة لا علاقة له بالواقع أو برغبتي، هي مجرد أحاسيس وتخيلات تهاجمني وأنا على كل لا أحبذها، بل تأتيني دون إرادتي، كل ما أريده منك (أنجاك الله من تخيلاتي) هو أن تفسري لي.
كانت تبتلع ريقها بصعوبة وقد خافت، وكنت وللصراحة سعيدا بما فعلت، الدكتورة التي تعتبر نفسها فوق المريض ربّما تكون بالت على تُبّانها بولة خفيفة لا تشعر بها إلا شعيراتها الداخلية الحساسة.
كي أغير من جو الفزع والتراجيديا التي تكاد تسيطر على الجلسة قلت أنوع جنوني في اتجاه آخر، ولو لاحظتم قليلا فأنا المسيطر في الجلسة وليست الدكتورة الجميلة، قلت أخبرها عن أحاسيس من نوعية أخرى، و عن مضض كانت تمسك أعاصبها، بدا ذلك في محياها المنبهر و ركبتيها المرتجفتين:
+ أما عن أحاسيسي الأخرى.
بدت مركزة في خوف و تنبؤ غريب، كمن ينتظر حكما مهما في تهمة بجريمة.
+ أما عن أحاسيسي الأخرى فلا تساوي شيئا أمام آخر إحساس راودني، لقد مات قطّي جوجو ( وكنت أعترف بصدق)، مات أعز أصدقائي وأكثرهم وفاء، ولولا أني إنسان مؤمن لكنت قطعت شريان يدي، لولا خوفي على بوبي ألا يجد من يعيله ويحضر أكله لكنت رميت بنفسي من الطابق الثالث لعيادتك المحترمة ( بدت خائفة مرة أخرى)، أشعر بحنق على الكل بعد موت جوجو الوفي، وكأن شيئا كالفطريات الضخمة ينمو في داخل صدري، أكاد أفقد الأمل في كل شيء...
قاطعتني ساعتها مبدية حزنا وألما على حالي، وكنت ساعتها أبكي بصدق والمخاط يسيل بقوة وتدفق من أنفي الكبير:
+ لابأس يا صديقي كل القطط ستموت يوما ما، هكذا مشيئة الله مع القطط، لا تنس أن جوجو مات ميتة شريفة في سبيل الفن، وهو أمر لا يتاح لكل القطط، معظمها يموت بالسم أو بأنياب كلب حقود.
كانت تحاول الترفيه عني، ولولا زوجتي التي تقف عائقا بيننا لكانت حضنتني وربما قبلتني حتى،شعرت بالأمان والدفء في كلماتها الحنونة وتفهمها لموقفي العاطفي والنفسي بعد فقد رفيقي جوجو.
ولتزيد اطمأناني وهدوئي، أتاحت لي الضوء الأخضر كي أتحدث من جديد عما خالجني من أحاسيس قوية بالإضافة إلى ما حكيت، وهنا كان وجهها يفيض بابتسامة شبقية حتى بوبي ما كان ليصمد أمام بريقها وحنوها المجنون.
تدفق الكلام من شدقي دون شعور:
+ آخر إحساس قوي راودني كان قبل بحظات فقط، حين رأيت إنسانة رائعة الجمال، لطيفة القد، بهية الطلعة، مشرئبة العنق، شفاهها مطرزة بالشهوة والرقة كالدانتيلا، ثدياها - يا ستّار - فتنة ما بعدها فتنة، خصرها ممشوق و منساب كموج البحر المتراشق، وفي عينيها بريق أسطوري يذكرني بحكايا ألف ليلة وليلة، أسنانها بيضاء كالرضيع و أنفها صغير كأرنب أسترالي صغير، رمانتا كتفيها منكمشتين في دلال ونعومة وكأنها القطن المُصفّى، ابتسامتها تهد سور الصين العظيم، وكلامها شهد يقطر على الشفاه الحمراء الممتلئة، شعرت برغبة في ضمها وتقبيلها حتى تتقطع شفاهها البديعة...
كنت قد أغمضت عيني وضحكة خفيفة تناوب شفاهي وأنا أتلمظ الخواء أمام دكتورتي الجميلة التي تورد خدّاها خجلا ونطقت:
+ أنت شاعر حين يتعلق الأمر بالنساء، من تكون هذه السيدة المحظوظة.
قبل أن أجيبها قلت أن الأمر شاذ أكثر مما ذكرت غير أني أخجل من رغبتي الدفينة نحو تلك المرأة الغريبة.
وهنا - كعادتها - شجعتني على ذكر كل أحاسيسي، وليكن قلت، تريد أحاسيسي سأفجر أحاسيسي وليحدث ما يحدث فأنا مريض والمرضى مرضى لا شيء لآخر:
+ رغبت في ضمها قلت، في مداعبة شامتها السمراء وتنشق عطرها المخملي عن قرب، ثم رفع ثوب الدانتيلا عن حواف صدرها المنطلق نحو الكوكب التاسع في المجرة، رغبت في رفع الثوب عن صدرها ورضاعة حلمتيها البديعتين، ثم تقبيل عنقها البض الرطيب كغصن البان، ورفع تنورتها البيضاء القصيرة حتى تقابل سرتها المثقوبة بعناية فأخمش فخذيها بأظفاري وأتعمق في ما بين الفخذين بأصابعي الطويلة، رغبت في عض شحمة أذنيها الرطبتين وتخليصها من ثقل الرداء الأبيض، ثم لحس صدرها حتى السرة، وتمشيط عنقها بشفتي شبرا شبرا ومليمترا وراء ميليمتر، ثم أقلبها بين يدي وأضغط إسفنجتي مؤخرتها برفق وأضمها إلي حتى يتكسر قفصها الصدري، ساعتها أداعب خارج ذراعيها وأرشف شفتيها برفق ورفق ورفق، وحين تنحل أقشرها كموزة إفريقية ناضجة وأوغل فيها بهدوء..
هنا بدت الدكتورة متحمسة تماما وقد سال لعابها من شدة الوصف، ذكرتني ببوبي وهو يراقب الجروة، كان لعابه يسيل بغزارة وعيناه ترمشان في حنو وحيرة، آنها انتبهت إلى ضحكتي الخفيفة فتمتمت مستدركة انذهالها:
+ أكمل أكمل أنا أستمع، هذه أمور أدونها، مهمة مهمة لمرحلة التحليل..
قلت مع نفسي، طبعا مهمة وهل أهم من هذا شيء آخر في الوجود:
+ ثم أغمس بدي في ساقية ظهرها الغارقة وأستمر في المسار الهابط إلى أن أضغط إسفنجتين مرة أخرى، أضعه فيها - والعياذ بالله - فينزلق بهدوء وروية وأهمس في أذنيها بكلام رقيق عن الحب وجوجو..
ساعتها انفجرت الطبيبة المستمنية ضحكا، وما كان أماها إلا أن تقلع رداءها الأبيض وتنبطح فوقي، غير أنها صديقة زوجتي الشمطاء وكان هذا سببا كافيا في حرماني من لحظة ماتعة كتلك، تصر زوجتي على الحضور دائما و تعكير حظي حتى حين لا تكون جانبي.
استمريت في الأوصاف المتحررة، فأنا على كل حال مجرد مريض نفسي لا غير:
+ فتحت رجليها برفق وصرت أبلغ منها كل لطيف وظريف وهي تخمش كتفي - سامحها الله- وتتأوه كقطة شامية مدللة، فلا أزيد إلا سعارا وقسوة حتى نفرغ معا بإذن الله ويأتي كلنا نشوته القصوى، فما رايك دكتورتي، هل
هنا بدى ان الدكتورة صديقتي قد غابت قليلا عن الوعي، وكأن كلامي مارس عليها نوعا من التنويم المغناطيسي، فما كان منها إلا أن أعادت سؤالي بلهفة وحرارة:
+ من تكون هذه المرأة، من تكون هذه المرأة؟؟.
فأجبتها بطلاقة وارتياح:
+ إنها توتي، جروة بوبي وحبيبته








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. السودان.. الفنانون الملتزمون يحاولون إحياء روح الثورة • فران


.. تفاعلكم الحلقة كاملة: خبير يكشف سبب زلزال تركيا وسوريا وهجوم




.. مليون مواطن في جنازة أم كلثوم يتقدمهم رئيس الوزراء وهدير الأ


.. تفاعلكم : هجوم عالمي على شارلي ايبدو لنشرها كاريكاتيرا يسخر




.. فنان مهاجر يضفي لمسة ملونة على جدران الأحياء الفقيرة في موري