الحوار المتمدن - موبايل


الثورة و الثورية و الثوار

جمال الدين أحمد عزام

2012 / 9 / 11
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


الثورة و الثورية و الثوار

(1)

إن أهم ما يميز ثورة يناير، و ربما ما سيحدد بشكل كبير طبيعة تحركها على أرض الواقع مستقبلا، هو أنها ثورة شعبية بامتياز. فهي ليست ثورة مؤيدة من قبل الشعب بل ثورة قام بها الشعب حرفيا. مما يخرج هذه الثورة بالذات من إطار الثورة الشعبية التقليدية التي يدعمها شعب ما أو يباركها أو يختار الرضوخ لها.
و الفارق و إن بدا ظاهريا أنه ضئيل؛ ففي النهاية الشعب هو الفيصل، إلا أنه في الحقيقة أشد عمقا مما قد نتخيل. و هذا الفارق يتلخص فيما يعرف بـ "القيادة"، و يكون السؤال،"من هو القائد؟"، سؤالا محوريا.
ففي تاريخ الثورات و التي حظيت بشعبية واسعة كانت هناك دائما قيادة؛ قائد ما على رأس كيان منظم، إما حزب أو تنظيم أو مؤسسة. و قد يكون هذا الكيان راسخ و قديم سابق على قيام الثورة أو جديد أنشئ لإشعالها أو حتى تشكل في خضمها. و في كل هذه الحالات القيادة هي التي تتصدر مشهد الثورة متحملة عبء المجازفة عن شعبها و متكبدة كلفة المواجهة المباشرة التي قد تصل إلى حد مفارقة الحياة.
و هذه القيادة تتعدى كونها مجرد قيادة ميدانية لفعاليات الثورة إذ أنها في الغالب ما تكون مؤدلجة؛ تتبنى من وجهة نظرها العقائدية و البرامجية حزمة من التصورات التي تعتقد أنها ستنهض بالمجتمع. و يكون الوصول للسلطة، و الذي تعذر لأسباب قمعية، يكون هذا الوصول الثوري هو الذي سيمكنها من فرض أفكارها على الأرض لتحقيق الوعد المنشود الذي دأبت تؤكده لدى الشعب من خلال الشحن الثوري، سواء كان ذلك الشحن أثناء التمهيد للثورة أو حتى بعد اندلاعها، أي سواء كانت هذه القيادة هي التي أشعلت الثورة أو هي التي استولت عليها. و قد تتأجل عملية الشحن الجماهيري لما بعد الاستيلاء على السلطة، كما يحدث في الثورات المبنية على انقلابات عسكرية لأن حاجتها لذلك في انتصار الانقلاب منعدمة بحكم أنها تمتلك القوة، و لكنها قطعا ستحتاجه بعد أن يدين لها الأمر إذا أرادت أن يتحول الانقلاب إلى ثورة شعبية.
و في تاريخنا مثالين على ثورتين كانت القيادة في الأولى لحزب كبير تشكل في خضمها و على رأسه الزعيم سعد زغلول و هي ثورة 1919 بينما كانت القيادة في الثانية لتنظيم من المؤسسة العسكرية و على رأسه (فعليا) الزعيم جمال عبد الناصر و هي ثورة 1952. و في كلتا الحالتين كانت الثورة سابقة التجهيز. بمعنى أن الشعب تلقى مبادئها من صانعيها و تبناها بشكل يكاد يكون اضطراريا للخروج من الأزمات الخانقة التي أوصلت الأمور إلى حد جعل لسان حال هذا الشعب يلهج بالسؤال: من ينقذني؟ من يتشجع و سأدعمه؟
و سواء في الثورة الأولى أو الثانية كانت هناك خاصية أساسية؛ السلطة جاهزة و أدواتها معها. بمعنى أن القائد الفرد جاهز و تنظيمه برؤاه و أفكاره و نفوذه على الأرض مستعد و لا مجال لبدائل. مما يتسبب في انتقال للسلطة و حلول للإستقرار بل و حصاد للثمار في وقت وجيز للغاية.
إذن نحن مررنا بالفعل بثورتين شعبيتين لهما خاصية مميزة و هي أن دور الفرد و التنظيم القائدين دور حاكم، بل و قد يأتي دور التنظيم في المرتبة الثانية. و هذه الخاصية تحكمت بشكل كبير في مسار الثورتين بل و حسمت تقريبا كل نجاحاتهما و إخفاقتهما، و لا أكاد أبالغ إن إدعيت أنها أنهتهما.
إن ميزة وجود القيادة في الثورة هي أنها تجعل الإنتقال إلى النظام الجديد أمر هين. فكل شيء جاهز و المنهج واضح و الشعب سيتقبل الحلول القادمة على يد المنقذ و تصبح المسألة مسألة وقت قبل أن يؤدلج الشعب و يتم التخلص من الأعداء و يبدأ الحلم في التحقق.
هذا ما حدث في كلتا الثورتين. فقد تقدم المجتمع سياسيا (ربما في الأولى فقط) و اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا و علميا بعدهما و في وقت وجيز. فارتفع مستوى معيشة الفرد و تحسنت الخدمات بل و دخلت مصر عصر المشروعات الكبرى. و لعل منجزات طلعت حرب و بناء السد العالي علامات فارقة دالة على الإنطلاق نحو أفاق جديدة.
و لكن لم تستمر كلتا الثورتين كثيرا بل و استلمت الثانية من الأولى بأسرع مما يتصور و استلمت الثالثة الحالية من الثانية بسرعة أيضا. و كأن هناك علة ما؛ أمر ما يهدم جنبا إلى جنب مع البناء؛ أمر يخفي نفسه أو يخفى علينا بشكل جيد حتى إذا حدث الإنهيار قفز حينها كطفيل ملعون في جسد الثورة الجديدة.

(2)

قد يقول البعض إن هذا الطفيل ربما يكون عدم حدوث إصلاح سياسي حقيقي خاصة بالنسبة لثورة يوليو و إن كانت ثورة 1919 قد شهدت تطورا ديموقراطيا تم إفساده على يد الإحتلال و القصر. و هذا صحيح و لكنه مجرد سبب مباشر و في رأيي أنه هو نفسه ناجم عن سبب أعمق. فبملاحظة الثورتين نجدهما تلاشتا تقريبا و أصبحتا تاريخا باختفاء الزعامات. فبموت سعد زغلول و حتى مع تولي النحاس بدأ الأمر في الانحسار و بموت عبد الناصر انتهت الثورة تماما و تحولت مصر إلى النقيض. هذا هو السبب الحقيقي؛ تعلق الثورة و بالتالي الشعب ببطلها بقائدها الذي سيموت كل شيء بموته. و عمق هذا السبب، رغم بساطته و وضوحه، يكمن في أن عقلنا الجمعي في أزمة فهو يصر على الأبطال المنقذين. ربما نحن لسنا استثناء عن شعوب العالم، خاصة و أن القرن الفائت كان قرن الزعامات، إلا أن الفارق بالنسبة لنا كمصريين و كعرب أن بطلنا أقوى بكثير من أي مؤسسة و هو محور الثورة و السلطة. و هذا هو الفارق بين أبطالهم و أبطالنا، أبطالهم يتغيرون على مؤسسات راسخة و أبطالنا لا يجعلون أية مؤسسة راسخة.
إن هذا الطفيل، و الذي بدا لنا في ثورة يناير جليا و قتله الثائرون بشكل يكاد يكون غريزيا كلما حاول التسلل إلى جسد الثورة الجميل، و على عكس ما يعتقد المحللون في إيجابيته، هو وجود القيادة.
و قد خدم الثورة في ذلك النظام البائد نفسه الذي قتل الثقة في كل و أي قيادة بل و الأمل في وجودها أصلا مما جعلها ثورة غير تقليدية بالمرة؛ ثورة بلا قيادة و لأول مرة الشعب نفسه هو القائد بمبادئ إنسانية كونية غير مؤدلجة لمقاصد عامة حددها بإرادته تتحقق بأساليب تركها مفتوحة، لا يدين بفضل لأحد أو تنظيم و مطلقا للثورة من قيد أي زعامة وقتية أو سلطة زمنية ليحولها فور اندلاعها من ثورة إلى ثورية؛ من لحظة في التاريخ مكونة من ثمانية عشرة يوما؛ من ومضة سحرية نورانية مبهجة إلى حال ضاغطة مستمرة الفعل وضعت الجميع و كشفت الجميع أمام أنفسهم.
وضعت هذه الثورة كل واحد منا أمام حالة لا يمكنه تجاهلها أو الهروب منها و تحد لابد أن يخوضه. فالمثل أمامه تجلت واضحة فيمن ذبحوا نظاما بسكين السلام و ضحوا بزهرة شبابهم و أعينهم و أطرافهم طوعا لنحيا نحن. فأين نذهب أو يذهب أينا من ذلك؟!
إنها ثورة بحق. ليست لأنها نزعت الملك لشعبها و لكن لأنها ثورة حضارية توغلت في النفوس لتنشد إصلاحا حقيقيا من الداخل. إنها نور ألقي في ظلمة كل منا أشعل الصراع مع الدناءة و الحقارة؛ نور حولنا من التبلد اللذيذ إلى القلق المؤلم الذي لابد أن نعانيه لنحيا بحق.

(3)

إن من يتأمل ما حدث خلال الثمانية عشرة يوما سيلحظ بجلاء فشل كل محاولة لتحديد قيادة. بل إن التشرذم كان بديلا كاسحا لأن الثوار أدركوا إراديا أو لا إراديا أن القيادة تعني حبس الثورة في أشخاص و بالتالي في أفكار بعينها ستعيدنا إلى الدوامة القديمة.
و أنا أعني بالثوار هنا فئة منهم و هي الطليعة الثورية الشبابية التي أشعلت الأمر كله. و قد بدا واضحا، بالنسبة لي على الأقل، أن من لحق بهم، من ثوار لهم ماض في النضال و تمنوا الثورة و لم يقدر لهم صنعها، هم اللذين كانوا يلحون بشدة على فكرة وجود قيادة تكون ممثلة للثورة لتفاوض النظام القديم و تتسلم من النظام الانتقالي. كانوا يرون أن ذلك ضروري حتى لا يتلاعب النظام بالثورة متحججا بتشرذمها فيفاوض فئة دون أخرى و يجبر البقية على اتفاقات جزئية تنقذ وجوده.
و بالرغم من وجاهة الفكرة إلا أن الشباب تمادوا في إنكار تمثيل أي أحد منهم للثورة و كان يرد كل تفاوض أو إتفاق إلى أصحابه. و هذا أدى على عكس المتوقع إلى التعجيل بنجاح الثورة. لأن النظام لم يجد من يفاوضه و كل من فاوضهم لم يثنوا المحتشدين في الميادين قيد أنملة عن هدفهم الوحيد: زوال النظام بلا قيد أو شرط. و كان النظام المترنح يبحث بضراوة عن القط الذي سيعلق في رقبته الجرس ليمارس ما اعتدته تلك النظم عند الثورة عليها "التخدير بالمفاوضة" حتى يتم التخلص من القيادة التي أصبحت معروفة فتصبح الثورة بلا عقل و تبدأ في التخبط و الانحسار.
و قد يرى البعض أن هذا كان فعلا إراديا من الثوار، و الشباب منهم بالذات، سببه ما رسخه النظام من الكفر بالقيادة و الزعامة. ربما هذا صحيح لكنه ليس السبب الأعمق و المتعلق بطبيعة تلك الطليعة الشبابية و طرق تواصلها. فنحن أمام كتلة شبابية غير متجانسة بعضهم مسيس و بعضهم ليس كذلك. الانتماءات الفكرية متعددة و المرتبة الإجتماعية متفاوته، و إن كانت تتحرك في جوار الطبقة الوسطى (لوحظ أن الكثيرين منهم كانوا متحققين في الحياة العملية و الإجتماعية). هذا الجيل رغم تنوعه تصادف وجوده في قلب ثورة الاتصال و وجد منبرا للتعبير عن أفكاره بحرية في واقع افتراضي هو مواقع التواصل الإجتماعي على الإنترنت بعدما أغلق النظام الواقع الفعلي تماما. و هذه نقطة محورية فطبيعة الاتصال حددت طبيعة الثورة. فالأفكار و النقاشات المتداولة عبر هذه المواقع تجعل المتعامل معها لا يتعامل مع شخوص ماثلة و إنما أفكار متداولة. و لأن هذه الوسيلة الاتصالية بطبيعتها متجاوزة للقيود الجغرافية و الانتماءات العرقية و السياسية فقد جعل ذلك الأفكار متعالية على الجهوية و القبلية و التحزبية لتصبح مع الوقت أفكارا إنسانية عامة تمثل أرضية فكرية واسعة تنتظم جميع الفئات الفكرية الأخرى أي تصبح أفكارا منتمية للإنسان و للكون و لا تنتمي لمجتمع بعينه أو جماعة بشرية بعينها. و لعل هذا ما جعل العالم ينبهر بالثورة لأنها خاطبته بلغة يفهمها و بمطالب يسعى إليها، فمن لا يريد الحرية و الكرامة و العدالة.
الخلاصة أن وسيلة الاتصال جعلت الثورة مرتبطة بالأفكار و لأن أي نقاش أو حوار سينتهي، إن كان جديا، إلى نقاط تلاق. فقد أدت عملية التداول إلى استخلاص جملة من الأفكار الإنسانية العامة انتظمت كل الأفكار الجزئية ثم سرعان ما أصبحت بعد ذلك مبادئ الثورة التي إصطف وراءها الجميع. فالفكرة في هذه الثورة هي الأساس و الغاية النبيلة هي الهدف.
كان هناك أمر جلل يتم تبادله عبر الغرف المغلقة التي كانت كحضانة احتوت هذه الشريحة الإجتماعية؛ عزلتها عن معاول الهدم التي أعملها النظام في المجتمع و ساعدها على ذلك استقرارها الإقتصادي و الإجتماعي و لو نسبيا.
تحررت هذه الشريحة تماما من الأفكار سابقة التجهيز فتلك الوسيلة الاتصالية حرة تماما تعطي المتعامل جرأة في تجريب الأفكار الجديدة دون حرج و تلقى رد الفعل بسرعة و كل ذلك يتم بسهولة؛ ببضعة ضغطات على الأزرار. الأفكار تتداول و تنتقد و تتبلور و تنتشر و تكتسب مؤيدين في ساعات و ليس في شهور و أعوام.
و السلطة الأبوية ليست منتبهة أساسا لهذا الأمر. تظن أن "الأولاد بيلعبوا" اتركوههم "خليهم يتسلوا". و لكن اللعبة ستتحول إلى أمر جد خطير في يوم من الأيام. فهذا مصير الأفكار دائما ستظل تلح لتخرج من الواقع الإفتراضي إلى الفعلي ليتم اختبارها.
لذا جاءت اللحظة و خرج المارد من الحضانة لأنها ضاقت عليه و كانت الدعوة مبررة و الأجواء مهيأة و التنسيق سهلا. و وجد النظام نفسه فجأة أمام نوع جديد من البشر يؤمن بالأفكار الإنسانية العامة و المقاصد العليا و لا يؤمن بالأشخاص، متحد رغم تنوعه، سريع الحركة، شديد العناد، مخلص لفكرته، مستعد للموت في سبيلها. لذا انتصر بسهولة.
إن وسيلة الاتصال هذه بالذات قد احتوت على قاعدة ذهبية اتبعتها الطليعة الثورية الشبابية لا إراديا بحكم التعود و رضخ لها باقي الثوار و هي "الأفكار هي القائد". ثم ظهر جليا و بشكل حرفي أنها القائد بالفعل ميدانيا ليكتشف العالم لأول مرة ذلك المظهر الإنساني الجديد و الملهم؛ الكتلة البشرية الضخمة يمكنها أن تتحد تحت لواء الفكرة الإنسانية الكونية و يمكن أن يكون عقلها الجمعي، على عكس فوضويته المعروفة عنه في علم الإجتماع، منظما فاعلا شديد الذكاء قادر على تحقيق هدفه.

(4)

إن أسوأ ما أصاب الكثير منا بعد انقضاء الثمانية عشرة يوما هو ذلك التجاوز المستغرب بل و المستهجن لما حدث خلال تلك الأيام القليلة. فبمجرد انقضائها عاد الكثيرون ممن أشعلوا و شاركوا و أيدوا إلى نفس الأدوات العقلية القديمة؛ نفس المبادئ التي ثاروا عليها؛ نفس الإطار المعرفي بمصادره القابعة في كتب صفراء بالية. و أصبح حكم الكثيرين على الأمور مجافيا لحقيقة التطور التلقائي للأحداث الناجم عن انفجار الثورة المبهر. و كأنهم اعتبروها مجرد طيفة براقة عبرت دون أن تترك أثرا.
من المفهوم أن تكون الثورة نقطة انفصال عما قبلها أما أن تكون نقطة انفصال عما بعدها فهذا غير مفهوم بالمرة. و قد تجلى و يتجلى هذا واضحا، إذا ما استبعدنا عمليات الشحن الناجمة عن التنافس السياسي أو المؤججة بفعل بقايا النظام المنهدم، في تلك المخاوف المتوهجة و ذلك اليأس الغير مبرر الذي وصل بالبعض إلى إعتبار الثورة فاشلة و أنه لابد من ثورة جديدة.
و هناك الكثير من الأمثلة على ذلك. فهناك كثير من المخاوف المنصبة حول السلطة و تداولها. و سرت في الإعلام مصطلحات مثل أسلمة الدولة و أخونة الدولة. و لا أعلم لماذا لم يخشى أحد من يسرنة الدولة أو يمننة الدولة أو لبرنة الدولة أو قومنة الدولة! (ربما لأن تلك التيارات لم تكسب الإنتخابات). ثم مخاوف شديدة على أتباع الأديان و العقائد الغير إسلامية الأقل عددا (المسمون خطئا بالأقليات). و مخاوف أخرى إقتصادية تتعلق بالعدالة الإجتماعية و أن فصيل معين قد يسيطر على إقتصاد الدولة و يرسخ ما كنا عليه من فئات تعيش في فقر مدقع و أخرى تشعل بأموالها السيجار. هذا بخلاف مخاوف متعلقة بحرية الإعلام و الإبداع.
كما أن هناك حالة من اليأس عجيبة لمجرد أن فصيل ما أو تيار ما سيطر على نتائج الإنتخابات. و اعتبر الكثيرون أن الثورة أخفقت طالما وصل هؤلاء إلى السلطة. ثم بحسن أو خبث نية تم الإستنصار و لو على حساب الديموقراطية بقوة بائدة إدعت أنها حامية الثورة في مواجهة هؤلاء مما يهدد الثورة بحق. و هذا هو الأمر المقلق بالفعل أن تستشري مخاوفنا و يتنامي يأسنا و يستغل ذلك أعداء الثورة الحقيقيين فإذا بنا نحن من نمزق لحمتنا و نحن من يهدم ثورتنا فنصبح كالقطة التي أكلت أولادها.
إن الخوف بعد الثورات أمر مفهوم بل و مشروع و لكن زيادته عن الحد، خاصة إثر ثورتنا، أمر غير مبرر. و أنا أفسر ذلك بأنه مجرد غلبة لحالة نفسية قديمة على المنطقية المعرفية الجديدة. فطول فترة الإستبداد أصابتنا بوسوسة طغت حتى على ما أضيف بسبب الثورة إلى معرفتنا و الذي يكاد يمثل إطارا معرفيا مغايرا تماما للقديم. غلبت نفوسنا الكالة جديد ما عرفنا و آمنا فإذا بنا نحنط تلك المعرفة الجديدة لأننا لم نستمر نؤمن بها.
لقد مررنا في أيام الثورة القليلة بأمور بدت واضحة و أمور أخرى تحتاج إلى إستنباط. و كلاها شكلت لنا إراديا و لا إراديا قاعدة معرفية جديدة و أسس حياتيه مختلفة آمنا بها حينها إيمانا شديدا (على الأقل بالنسبة لمن كانوا في الميادين) ثم غادرنا هذا الإيمان ببساطة بعد استسلام رأس النظام مما دفع بالثورة المضادة إلى أقصى حد ممكن. و إذا بنا نتأخر كثيرا عن فعل الثورة و تطورها على الأرض. و بدونا كشخص وجد آلة حديثة فركبها و حاول تشغيلها وفق خبرة استقاها من كتالوج قديم فإذا به يستخدم الأزرار ببلاهة فيصيب أحيانا و تتحرك الآلة و يخطئ كثيرا فتقف لتكون الحركة مشوشة و التقدم رغم حدوثه بطيئا. ربما يكون السبب أنه لا يمتلك الكتالوج الجديد، لم يضع يديه على كل فصوله، أو أسوا من ذلك أنه لا يصدقه حتى و إن كان بين يديه. و هنا يأتي دور النخبة (التي تمارس أدوارا بعد الثورة في رأيي أنها خاطئة) أن تلقي الضوء على ما أظهرته الثورة من حقائق جديدة بل و تسنبط ما خفي منها بين طياتها لتخرج لنا قواعد التشغيل الجديدة التي هي في الحقيقة أسس جديدة في التفكير و التخيل. و لا بد ألا يقتصر دورها على ذلك بل أن تبث حالة من الأمل المبني على بصيرة بشأن تلك القواعد الجديدة و أن تبشر بالحياة الجديدة لتعيد للمجتمع الإيمان بالثورة و الثقة في نجاحها. و هذا لن يتأتى إلا إذا هي نفسها مارست الفكر وفق تلك المبادئ الجديدة و هذا حتى الآن لم يحدث إلا قليلا.
إن من تلك الأسس الجديدة التي فرضتها الثورة أساس مهم أسميه "إستحالة القولبة" و شاهدنا عليه من أحداث الثورة هو أنها بلا قيادة. ثورة بلا قيادة تحولت إلى الثورية فقتلت أي محاولة للسيطرة باسمها و بالتالي أدلجة أو قولبة الشعب. فكلما زعم تيار أنها ثورته تبدد هذا الزعم فور إطلاقه. فمن ركز على أحد شعارات الثورة و هو شعار "العدالة الإجتماعية" يحاول أن يقول أنها إشتراكية و من ركز على أن الشباب الذين أشعلوها حتى المسيسون منهم لم ينطلقوا وفق قواعد تنظيمية تنتمي للتيار الإسلامي يزعم أنها ليبرالية و بعض الإسلاميين ركزوا على كونها جهادا ضد الطغاة فحاولوا جعلها إسلامية. و كل هذه المحاولات لفظتها الثورة و لم تزعم أحدا و أصرت على انتمائها ليس لجموع المصريين و حسب بل و للإنسانية جمعاء و للكون بأسره.
و لعل خير مثال على ذلك أن محاولة الإسلاميين للسيطرة بعد الإنتخابات بائت بالفشل كما أن محاولات إقصاء الإسلاميين عن المشهد باءت أيضا بالفشل. و ظهر أن الخائفين من الإسلاميين ليسوا بهذا الضعف الذي ظنوه بأنفسهم كما ظهر أن الإسلاميين ليسوا بالقوة التي قدروها لأنفسهم. و أصرت الثورة مقاومة كل شيء حتى مخاوفنا ذاتها على المضي قدما من خلال رفضها للقولبة.
و حتى الآن و بعد انتخاب رئيس من الإخوان فإن من يحلل أدائه، بعد تحييد المنافسة السياسية و بعيدا عن المزايدة و التخوين و خلافه، سيجد أن ركيزته الأساسية و مصدر قوته، ابتداء من فوزه هو نفسه بالمنصب و حتى تخلصه من المجلس العسكري و إعلانه المكمل، ليس جماعته بل الثورة. و لن يستطيع الرئيس أن يحول الثورة أو الدولة إلى حسابه الشخصي أو حساب جماعته لأنه فور أن يفعل ذلك سيسقط دعم الثورة له. و لعل ما حدث للمجلس العسكري خير برهان؛ حاول عسكرتها ففككته الثورة ربما بعد عام و نصف فمخاوفنا من بعضنا و مخاوفنا منه هي التي أطالت بقاءه. و لكن فور استرجاع إيماننا بالثورة (الذي تجلى في عدم انتخاب شفيق) و ارتكاز فكرنا بثقة على قاعدة استحالة القولبة (الذي طمأننا لانتخاب مرسي) قطعنا شوطا طويلا بالانتقال الفعلي إلى سلطة مدنية.
و عليه يمكنني القول أني أعتقد، وفق ما استنبطت من قاعدة فكرية ثورية جديدة، أن كل المخاوف الحالية و المستقبلية من قولبة الثورة و الدولة واهية و أن مصطلحات كالأخونة و خلافه ليست مدرجة في قاموس الدولة الجديدة و على المتشكك أن يراقب ما ستفعله الثورة فيمن سيجرب.
و هكذا، كلما عمل عقلنا وفق القواعد الثورية الجديدة كلما تقدمت بنا آلة الثورة الحديثة بسرعة لا نتوقعها. و إذا لم نفعل و حتى مع استسلامنا للخوف و اليأس ستتقدم الثورة أيضا و لكن ببطء شديد لأنها في حقيقة الأمر ستقاوم ليس أعداءها و حسب بل أيضا عقولنا القديمة المؤيدة بخاوفنا المرضية. و ما عرضته هنا مثال على كيفية تجنب ذلك.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شاهد: تجدد المواجهات بين الشرطة والمتظاهرين في ولاية مينيسوت


.. مرض شاغاس أو مرض النوم يصيب الفقراء في 36 بلدا أفريقيا


.. الظابط زكريا يونس عرف يوصل للإرهابي قبل تفجير عبوة ناسفة وسط




.. شاهد: الشرطة الأمريكية تفرق بالقوة متظاهرين غاضبين من قتلها


.. فيديو: الشيوعيون يحيون الذكرى 60 لرحلة يوري غاغارين إلى الفض