الحوار المتمدن - موبايل


عن وجه من الوجوه المتعددة لحزب الله

الاخضر القرمطي
(William Outa)

2012 / 10 / 21
مواضيع وابحاث سياسية



يفلت حزب الله من مطرقة التحليل العلمي الاجتماعي ومن مبضع التشريح الجوّاني له او هكذا يريد البعض أن يفعل وألا يرى في هذا الحزب- عبر منطقٍ صوري- سوى الرسم المجرّد له بإعتباره حزبًا دينيًا يحمل لواء التحرير الوطني ومعادٍ لإسرائيل وحلفائها ضمن حلف يمتد من بيروت الى طهران، أو يريد هذا البعض أن يرى في الحزب حركة سياسيةً تحمل مشروعها الأيديولوجي الأصولي -الفارسي المصدر- وهو المشروع التي تعمل هذه الحركة على تعميمه في أوساط الشيعة في لبنان أو خارجه كجزء من التوسع شبه-الامبريالي الإيراني بعد انتصار الثورة الخمينية التي تحاول استرداد الحقوق التاريخية الدينية للشيعة الامامية بعد أن فقدتها منذ مقتل الحسين. و لا يبقى من الحزب سوى انه حزب ديني/دينيوي جماهيري يملك برنامجًا ألفيًا خلاصيًا مهدويًا ويتربع على قيادته شخصية تحيط بها الأسرار بزيّها الديني البسيط وبأسلوبها الخطابي المتمكّن عن وعي او عن غير وعي من تعاليم علم النفس الجماهيري، وحركة مقاومة مسلّحة تجمع بين السرّي والعلني استطاعت تحقيق انتصارات وصلت الى حد وصفها بالإلهية، أو يبقى منه انه حزب سياسي يريد فقط الوصول الى السلطة السياسية في لبنان وتحويل الدولة الى اداة بيد حلفائه.
في كل الأحوال ، نادرًا ما يُقرأ حزب الله بإعتباره تنظيمًا له بنيته الداخلية التي تحكمها في المقام الاخير توازن وصراعات القوى الاجتماعي التي يحتضنها هذا الحزب، وهي قوى اجتماعية متنوّعة الموقع الاقتصادي ومتعددة الأصل التاريخي في تشكّلها، وتختلف في أدوارها ووظائفها ضمن النسق الاقتصادي أو السياسي المحلي أو الإقليمي. بعيدًا عن هذه القراءة – الماركسية الإلهام- لا يظهر من الحزب إلاّ الظاهر ويختفي الباطن، ولذلك يُصبح هذا الحزب خارج القراءة الاجتماعية التاريخية ويظهر كحزب ميتا-طبقي أو فوق الطبقات وكأن ما يشكل البنية الاجتماعية له هو كتلة منسجمة واحدة لا يخترقها الصراع والتناقض، وكأن حزب الله ليس سوى حزب مقاتلين بلا طبقة أو حزب سياسيين بلا مصالح اجتماعية تحتضنهم ويمثّلونها! أو كأن القراءة الطبقية تستعصي على هذا الحزب المتعدد الأوجه لكونه لا عماليًا ولا برجوازيًا ولا إقطاعيًا كما توهم مثلاً للوهلة الأولى خطابات أمينه العام أو تصريحات نوّابه وقاداته أو وثيقته السياسية والاقتصادية، ولكأنّ القاعدة الجماهيرية الأولى للحزب وهي قاعدة شعبية كادحة تتكون من عمّال وموظفين صغار وعاطلين عن العمل وصغار التجار ..ألخ لكأن ارتكاز الحزب على هذه القاعدة من "العوام" يكفي للقول أنه حزب "المستضعفين" - الشيعة – هؤلاء المحرومون الّذي "رفع الحزب رأسهم" وردّ لهم "الكرامة والشرف" وحقق لبلدهم قوّته وعزّته وأعاده الى الخارطة الدولية. في ما يتعلق بهذه النقطة الأخيرة، على المرء أن ينظر الى صورة حزب الله في أذهان مؤيديه، فهو ليس حركة مقاومة مسلحة حققت انتصارات فحسب، بل هو الضامن الوحيد لبقائهم كجماعة طائفية عانت ما عانت منه طيلة عشرات لا بل مئات السنين، لا بل هو الصانع الجديد لذاكرة تاريخية جديدة لهذه الطائفة وهي ذاكرة وإن كانت ما تزال تحمل صور المآسي الماضية إلاّ انها تحمل اليوم مخزونًا من لحظات الانتشاء الروحي بالانتصارات التي يحققها ممثلوها منذ انتصار الثورة الايرانية. حزب الله هو الضامن لصورة الشيعي الحرّ لا القنّ، المنتصر لا المهزوم، القوى لا المستضعف، المتعلّم المثّقف لا الأميّ الجاهل. يعيد حزب الله بهذا المعنى تأسيس المشهد الشيعي ويأخذ المقوّمات الذهنية والجسدية والاجتماعية والدينية للشيعة الى أقصاها، حتّى يصبح الشيعة شعب الله المختار بالفعل في هذا العصر الّذي يعيش على الأساطير الماقبل والمابعد حداثية.
وبعد الانتصار العسكري المدّوي في حرب تموز 2006، برزت في الحزب وبشكل فاضح هذه المرة صورة التفاوتات الطبقية التي كانت الى حد كبير محجوبة لزمنٍ طويل او على الأقل محصورة في نطاقات ضيّقة تقتصر على معظم وجوه الصف الأول-قادة سياسيين ونواب - الّذين ينعمون بحالة من الرفاهية والثراء، بحكم أصولهم الاجتماعية بالدرجة الأولى (أو بحكم ما جنوه من عن طريق تبييض الأموال وتجارة الماس والمخدرات بحسب اتهامات محلية ودولية للحزب)، وهي حالة تميّزهم عن غالبية أعضاء الحزب الّذين ينتمون الى فئات اجتماعية أقل من متوسطة. الصورة الجديدة لما بعد تموز 2006 وسّعت اطارها وتوضّحت أكثر بإنضمام طيف واسع من الحزبيين الّذين نالوا امتيازات جديد بعد "النصر الالهي"، وهي امتيازات تمثّلت في هذا الوجه الاستهلاكي الّذي يميّز أبناء الطبقة الوسطى أو الاثرياء الجدد والتي من وجوهها السيارات الأميركية الحديثة الضخمة الحجم، والهواتف النقالة الحديثة، والألبسة الشرعية النسائية ذات القيمة المرتفعة،،،ألخ بدت هذه المظاهر "البرجوازية" تعبيرًا عن نوع من "تعويض عن نقص" أعضاء الحزب بعدما عانوا لسنين طوال من مظاهر التقشّف المفروضة وبعدما ابتعدوا عن أشكال الترف والرفاهية، وقد رأوا على ما يبدو أنه آن الأوان بعد تحقيقهم النصر أنهم يستحقون المكافأة، وهي مكافأة لا يمكن لها ان تكون إلاّ مالية مادية – فالمكافأة الروحية في الآخرة مضمونة الى حد بعيد- أمنّتها مثلا المؤسسات شبه المصرفية للحزب بإعطاء قروض طويلة الأمد بفائدة متدنية جدًا (طبعًا لا يعترف القيّمون على هذه المؤسسات بأن ما ياخذونه من عملائهم هي فائدة اي ربا بل بدل إيجار وتأمين شرعي).
استفحل الأمر الى درجة بدت جلية مظاهر استياء مناصري الحزب من الفئات الاجتماعية الدنيا الّذين مالوا الى اتهام أعضاء الحزب "المتبرجزين الجدد" بأنهم سرقوا أموال المساعدات التي أتت من ايران بعد انتهاء الحرب أو بأنهم نالوا – على غير وجهٍ كاملٍ من الحق – امتيازات استثنائية في وقت كان هؤلاء المحازبون يعانون من تدهور وضعهم المعيشي والاجتماعي مع العلم انهم يعتبرون انفسهم مشاركين في تحقيق النصر الالهي بتأمينهم الغطاء الشعبي للمقاومة الاسلامية من خلال صمودهم في قراهم أو من خلال دفاعهم الصادق المستمر عن هذه المقاومة وسيدها خلال الحرب وبعدها. وفيما بعد، تحول الأمر الى نوع من الاستياء الطبقي المعبّر عن حدة الانقسامات داخل الحزب بين الأكثرية المناصرة المفقرة والأقلية الحزبية التي أصبحت تتمتع بمستوى معيشي متوسط وما فوق متوسط؛ وهو استياءٌ تنبّه اليه أمين عام الحزب في واحدٍ من اجتماعاته مع كوادر حزبه حيث قارن بين مسلك الحزبيين حين نشأة الحزب ومسلكهم الاجتماعي اليوم داعيًا المسؤولين في حزب الله إلى "تحسس آلام الفقراء في مجتمعاتهم، والالتفات إليهم، والابتعاد عن مظاهر الترف التي لا تورث سوى الشبهات، وتدفع الناس إلى طرح السؤال الطبيعي في هذه الحالة: من أين لك هذا؟" (انظر جريدة الاخبار : http://www.al-akhbar.com/node/37444). ونصرالله المعروف في اوساط الشيعة واللبنانيين عامة بالتقشف وبالابتعاد عن مظاهر الترف والرخاء وبأنه لم يسعى الى اي مكاسب دنيوية مادية، وهي صورة يحافظ عليها جريًا على عادة القادة الدينيين الشيعة عبر التاريخ كما فعل الخميني مثلاً، ورغم كونه شخصية مثيرة للجدل تخطّت محيطها المحلي او العربي الى العالمي، الا انّه لا يحظى داخل حزبه بتلك القدرة والسلطة التي من المفترض اني يحظى بها، حيث ان التسريبات من داخل اروقة هذا الحزب تبيّن الانقسامات و"الاجنحة" المتعددة وكثيرًا ما يُشار الى الجناحين الأقوى: الجناح الّذي يقوده أثرياء الحزب وعلى رأسهم نعيم قاسم وقادة من آل الموسوي وبعض الشخصيات المدنية الأخرى-منها المغترب- والمرتبطة بمشاريع تجارية ومالية كبرى محلية ودولية،والجناح الآخر الّذي ينطوي تحت العباءة الروحية و"الجهادية" لحسن نصرالله وهو جناح يضع-على ما تنقله التسريبات- الأولويات الآخروية فوق المكاسب الدنيوية وهو الجناح الأضعف والأقل تأثيرًا على مستوى العمل السياسي والتنظيمي الحزبي ولكنه الّذي يتوّلى المهام "الجهادية". وقد اظهرت أكبر الفضائح المالية التي طالت الحزب، على اثر انهيار "الامبراطورية" المالية للمستثمر الشيعي صلاح عز الدين في آب/اغسطس 2009، وهو رجل أعمال نافذ له علاقات مباشرة مع حزب الله انشأ شبكة واسعة من الاستثمارات المالية في أسواق النفط والحديد والعملات مستفيدًا من الأموال التي وظّفها في شبكته عددًا كبيرًا من العائلات الشيعية المتوسطة الدخل ولكن أيضًا من شخصيات حزبية رئيسية طالتها عملية الاحتيال او الخسارة التي قام او مُنيَ بها عز الدين والتي أكدّت بما لا يقبل الشك أن هذه الشخصيات تمتلك ثروات هائلة خضعت لتساؤلات عديدة حول مصدرها، ولكن في نهاية المطاف لم يُحاسَب الحزبيون الّذين تورطوا فيها.
ومنذ تولّيه الحكومة مع حلفائه في حزيران/يونيو 2011، انتظرت جماهير الحزب تنفيذ الوعود الاصلاحية التي لطالما وعد بها مسؤوليه وبالأخص في ما يخص الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، الاّ ان خيبة الأمل سرعان ما أصابت هذه الجماهير بعد أشهرٍ قليلة على تولّي نجيب ميقاتي الرئاسة الوزارية بدعم من حزب الله الّذي تولّى وزراؤه ووزراء حليفيه حركة امل والتيار الوطني الحر الحقائب السيادية في الحكومة التي يُمكِن وصفها بأنها أسوأ الحكومات في تاريخ الجمهورية الثانية من حيث الحفاظ على الأمنين الاجتماعي والسياسي. يكفي مثلاً ان نستذكر موقف الحزب وحلفائه من مسألة رفع الأجور حيث التزم الصمت حول المعركة التي خاضها الوزير شربل نحّاس (وزير العمل وهو من حصة التيار الوطني الحر) في وجه أرباب العمل والاتحاد العمالي العام لصالح الفئات الشعبية وهي المعركة التي انتهت باستقالة نحّاس رغم انحيازه الواضح لصالح العمّال وحقوقهم. والتزام الحزب الصمت علله بعدم التدخل بشؤون حليفه العماد العون وباالحفاظ على تماسك الحكومة الا ان هذا الالتزام يخفي الموقع الاجتماعي لقيادة حزب الله التي انحازت – بحكم طبيعتها – الى صفوف أرباب العمل ومصالحهم.
رغم السرية الناجحة في ما يتعلق بعمله العسكري، الا ان حزب الله لم يستطع – في بلد كلبنان لا مكان فيه للسرية السياسية ولو ان السرية المصرفية ما زالت محافظة على ديمومتها- الحفاظ على أسراره الداخلية التنظيمية والاجتماعية، ذلك ان هذه الأخيرة فضاؤها المجال الاجتماعي الواسع بكل ما يتعلق به من صراعات وتعقيدات، كما لم يستطع الحزب الخروج عن مسيرة كل الأحزاب ذات التركيبة الطبقية المتعددة والمتناقضة والتي تهيمن عليها فئة تتحوّل شيئًا فشيئًا من الهيمنة الى السيطرة بتقوية مواقعها الاقتصادية ومن ثم السياسية والتنظيمية وهي الفئة التي تسيطر حاليًا على الحزب والتي لن يتبّقى لها سوى السيطرة على الجناح العسكري للمقاومة الاسلامية لتعلن رسميًا انهاء الصراع بين حزب الله و"اسرائيل".








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تعرف على أبرز تطورات صواريخ المقاومة الفلسطينية


.. القسام تعلن إطلاق 130 صاروخا تجاه بلدات إسرائيلية


.. -حلوا عن صدورنا-.. الرئيس الفلسطيني يوجه رسالة إلى أمريكا و




.. جذور أزمة حي الشيخ جراح في القدس بين الفلسطينيين والإسرائيلي


.. واشنطن تعلن مراجعة قرار انسحابها من اتفاقية -الأجواء المفتوح