الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


- أزمة وعي -

أحمد فيصل البكل

2012 / 11 / 16
الادب والفن


كان عليه أن يتحسّس قلبه ليدرك أنه حيّاً ، وأنه مازال يرغب وينفر ويُقبل ويجتنب ويأمَل ويقنت ويشتهي ، أنه مازال ينفعل . بيد أن نبضاته هو الآخر كانت رتيبة ، متثاقلة .. ربما سبعون ضربة في الدقيقة؟ ربما ثمانون أو تسعون؟ ولكن لماذا تأبى تلك العضلة إلّا أن تقبع في سجن جبريتها وحتميتها؟ لماذا لا نصحو يوماً لنجد تلك العضلة الصمّاء وقد إنتفضت في دواخلنا لتعلن أننا أحياء نجابه الموت ولسنا أموات نكابد الحياة؟ ولكن أوليست الحقيقة ضد الدموع؟ أوليس العلم ضد الدم؟

ما الذي يمكن أن يصيب شاباً لم يكمِل نصف عمره - إفتراضياً - ليجعل مذاق كل طعام يتكسّر على شفتيه ويتفلّت من بينهما ؟ ويجعل الزمن يتحجّر لتفقد الصيرورة كل أثر لها؟ لماذا إستحالوا جميعاً إلى قطع زبد تنزلق إلى جوفه دونما توقّف؟ وما الذي أمسى يجمع زمجرة البحر بصفائه؟

لقد كانت تضفى لمسات الأصابع الحانية على أوتار الجيتار الأسباني سكينة عليه ، ولكنها أصبحت تعادِل لديه الأغاني التي لا ترضي إلا الذوق الشعبي ! تماماً كما أصبح الأنف الروماني الشامخ يتساوى بالأنف الزنجي المبسوط على الوجنتين ليعلن قبول الجميع !

كيف يمكن له أن يرى وجه الشبه بين السيقان الفرنسية وسيقان الريف المصري؟ أليس من لا يرى الفارق بين سيقان " صوفيا لورين " وسيقان الأجساد الريفيّة المكتنزة كمن لا يرى الفارق بين إيطاليا ما بعد الفاشية ومصر ما بعد الملكية ؟

حتى رقصة " الفلامينكو " التي تطرب لها نفسه بكل ما يرى بها من قدرة وتعبير وإنفعال ، وبكل ما يتلمّس فيها من بلاغة وعبقرية الحركة .. فالجسد ها هنا هو آداة وهو غاية ، هو الآداة التي تصرخ في وجه السياسات والأديان القائلة : لا تأكل الحرة بثدييها فيما يأكلون هم ويشربون على كل ما لذاك الجسد ! ، وهو الغاية حين يصبح أيقونه و رمزاً للتحرر لا العبودية ، وللكشف لا الإنكار ، وللإفصاح عن لا التواري من . حتى تلك ما أمست تبلغ من نفسه إلا بقدر ما تبلغ الرقصات الشرقيّة !

لقد كان يجد ضالة ما في قراءته عن " شيوعية الكومونة " ، ليس لشيوعيته ، وإنما كان يستشعر بها الأمل والثورة ، والآن ليس هو من الأمل ولا من الثورة في شيء .

إنه يعي أن الإنسان لا يمكنه العيش دون الإنغماس في عوالم مفاصلة وموازية ، عوالم الفن وعوالم الدين وعوالم الحب وعوالم الجنس . يدرك أنها عوالم موازية ومفارقة أحياناً للواقع . لكن ما يؤلمه أنه يدرك أنها عوالم يأتيها السخَف من بين أيديها ومن فوقها ومن تحتها وعن أيمانها وعن شمائلها !

كيف يمكن لشاب في مثل عمره أن ينتظر بياناً هو الأول لحكومة بلاده بنفس الروح التي قد ينتظر بها خبر إستقالتها أو إقالتها ؟

أوتي من الإسم عمرو ، ومن الديانة الإسلام ، ومن الوطن مصر ، ومن الجسد جسداً نحيفاً ، ومن النفس نفساً هشّة يسهُل على الإعياء التمكّن منها والقبض عليها . ألم يؤتي الملايين بمثل ما أوتي به؟ ما الذي يميّزه على أية حال؟ فقط لأنه سائل أحدهم أيعجبك مظهرك فأجاب بلا ، أترى ما يميّز طرائق تفكيرك؟ فأجاب بلا ، أيروق لك ماضيك وحاضرك فأجاب بلا ، وكان هذا لديه من الثروة البشرية العددية ما يقدّر بنحو " نصف دستة " أبناء ! فقط ما يميّزه أنه توقّف وإندهش طويلاً ومليّاً كيف يمكن لمثل هكذا شخص أن يفكر في الإنجاب؟ وما الذي يمكن له أن يورّثه؟ أسيتمايز كثيراً عمّا يورّثه التاريخ بطوله وعرضه للفرد من أديان وحروب وعداوات وإنشقاقات وصدامات وعادات وأباطيل وأوهام تُنعت بالحقائق؟

أكل ما يميّزه أنه يتعجّب كيف يمكن للقاء الجنسي بين الرجل والمرأة أن ينتج في كل مرة النتاج ذاته؟ أنه لا ينتج في أية مرة قرداً أو طائراً أو حشرة؟ أن الدينامية الذاتية لا يمكن لها في أية مرة أن تنحرف عن طريقها لتنتج مخلوقاً آخر؟ أيحوي بهذا بين جوانحه جنوحاً نحو التمرد على أيدي الإله التي رسمت درباً ليس في وسع الإنسان أن يخطئه؟

أكل ما يمتاز به أن الإحساس بالسخَف يغمره حين يدرك أن البشر يتضاعفون بتلك البساطة؟ أنهم يتكاثرون ويملأوون عالماً لا يتسع لمعنى ، ولا يشي بغاية؟ أنه يتسع أشد الإتساع لأجسادهم بينما يضيق أشد الضيق برغباتهم؟

أهذا كل ما يميّزه؟ شعوراً مفرطاً وحسّاً نافذاً ؟ نفساً متّقدة وقلباً مستعر ؟ ولكن ما معنى ذلك إن كانت عيناه فقط من تطالع ذلك؟ وإن كانت أذناه فقط من تستمع إلى ذلك؟ وإن كانت أنفه فقط من تشتم ذلك؟

لقد جاء بسكين وأخذ يعبث بإصبعه جيئة وذهاباً إلى أن قفزت قطرة دم للخارج وجعلت تمضي ببطء إلى أسفل نحو كفّه فراحت تسأله : ماذا تريد منّي؟

أجاب : أريد أن أراكِ حقاً ، ألامسك ، أعانقك .

قالت : ها ؟

قال : لقد حاولت كثيراً أن أرغم تلك الطبقات التي تعلوكِ وذاك الإصبع الذي يلتف من حولك على الإستنطاق بأي إعترافات ولكنني أبداً لم أنجح ! لم ينطقواً بأي شيء !

قالت : بماذا تريدهم أن يخبرونك؟

قال : فقط أريد أية علامة ، أية إشارة ، أية إمارة ! فقط نظرة ، بسمة ، همسة . أية إيماءة من شأنها أن تعلمني أنني موجوداً ! أنني لست وجوداً إفتعالياً !

قالت : ألست موجوداً ؟ إنني أشعر بذلك ، فتلك الكتلة المزعجة التي تغلّفنا لا تكف عن الحركة .. إنها مزعجة حقّاً !

قال : لا ، لست كذلك . هكذا أظن . إننا نحتاج إليكم أحياناً لتخبروننا ، حين نعجز عن إدراك ما يجري بالخارج ، وحالما يأفُل كل شيء !

قالت : عفواً يا سيدي ، فنحن حتى لا نعي من أمرنا شيئاً ، إننا نركض ونتخبّط بداخل تلك المضايق دون أن نعلم لماذا ، ونفسد ونتجدد دون أن نعلم لماذا ، ونتوقّف فجأة ونتجمّد دون أن نعلم لماذا أيضاً ! لست أملك ما تحتاج !

وإنزلقت القطرة من فوق كفّه وأخذت في الإنحدار إلى أن هوَت على الأرض مفتتة !








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ملتقى دولي في الجزاي?ر حول الموسيقى الكلاسيكية بعد تراجع مكا


.. فنانون مهاجرون يشيّدون جسورا للتواصل مع ثقافاتهم الا?صلية




.. ظافر العابدين يحتفل بعرض فيلمه ا?نف وثلاث عيون في مهرجان مال


.. بيبه عمي حماده بيبه بيبه?? فرقة فلكلوريتا مع منى الشاذلي




.. ميتا أشوفك أشوفك ياقلبي مبسوط?? انبسطوا مع فرقة فلكلوريتا