الحوار المتمدن - موبايل


فن الحرب: دولوز، غاتاري، دوبور و-جيش الدفاع الإسرائيلي-

الاخضر القرمطي
(William Outa)

2012 / 12 / 4
القضية الفلسطينية



لقد تأثّر "جيش الدفاع الاسرائيلي" بشدةٍ بالفلسفة المعاصرة، ما يسلّط الضوء على حقيقة تداخلٍ كبيرٍ بين النصوص النظرية التي تُعتبَر اساسية من وجهة نظر الاكاديميات العسكرية والمدارس المعمارية [الهندسية].

لقد وصف الجنرال آفيف كوشافي –قائد وحدة في "جيش الدفاع الاسرائيلي"- العملية التي قامت بها وحدات من الجيش في نيسان 2002 على مدينة نابلس بأنها "هندسة عكسية"، وفسّرها بإعتبارها " اعادة تنظيمٍ للبناء الجُمَلي [الكلّي] المديني عِبرَ سلسلة من العمليات الميكرو-تكتيكية".(1).

خلال المعركة، انتقل الجنود في المدينة عِبْرَ مئات امتارٍ من "الانفاق فوق الارضية" المُقتَطَعة طوال بنية مدينية كثيفة ومُتجاوِرة. وبالرغم من ان آلاف المقاتلين الفلسطينيين كانوا يُناورون معًا في المدينة، لكنهم كانوا "مشبّعين" بالنسيج المديني حتى انه لا يمكن الا رؤية عددٍ قليلٍ منهم من الجو. زد على ذلك، لم يستعملوا ايًا من شوارع، طرقات، أزقّة، او ساحات المدينة ومداخلها الخارجية، كما [لم يستخدموا] السلالم الداخلية والنوافذ، بل عبروا افقيًا من خلال الجدران ورأسيًا عبر حُفَرٍ في الارضية وفي السقوف. هذا الشكل من أشكال الحركة، التي وصفها ج-د-إ [أي "جيش الدفاع الاسرائيلي]على انها "مزعِجة"، تحاولُ أن تعيد تعريف الداخلي بإعتباره خارجي، والمحليّ باعتباره عامًّا. إن استراتيجية ج-د-إ في "التنقّل من خلال الجدران" تستلزم تصورًا للمدينة لا بإعتبارها مجرد مكانٍ بل ايضًا بكونها وَسَط بحد ذاته لحرب عصابات-وسطٌ مرِنٌ، سائلٌ، غير مُتوقّعٍ بالمرّة وفي جريانٍ.

ينشغل المنظّرون العسكريون اليوم في اعادة-مفهمة الميدان المديني(re-conceptualizing). إنّ المفاهيم الاساسية تبدو على المحكّ، كما المبادىء والافتراضات التي تحدد الاستراتيجيات والتكتيكات العسكرية. إن الحقل الفكري الواسع الّذي اسماه ستيفان غراهام " عالمَ ظلٍ" دُوَلي لمؤسسات البحوث العسكرية المدينية ومراكز التدريب التي اُعيد تأسيسها من اجل إعادة التفكير بالعمليات العسكرية في المدن، [هذا الحقل] يُمكن ان يُفهَم وكأنّه شبيه الى حدِ ما بمصفوفة matrix الاكاديميات المعمارية النخبوية. مع ذلك، وفقًا للمنظّر المديني سيمون مارفن Marvin، فإنّ الهندسة العسكرية "عالمُ الظلّ" هي اليوم توّلدُ برامج بحثٍ مدينيةٍ أكثر كثافةً وتمويلاً من كل البرامج الجامعية معًا، وهي بالتأكيد،على بيّنة من الابحاث المدينية الطليعية التي أُجريَت في المؤسسات المعمارية الهندسية، خصوصًا في ما يتعلّق بالعالم الثالث والمدن الافريقية. هناك تشابكٌ كبير بين النصوص النظرية المُعتَبَرة رئيسية في المؤسسات العسكرية المعاصرة وبين المدارس الهندسية. بالفعل، إن جداول المؤسسات العسكرية المعاصرة تتضمن اعمالاً منذ تقريبًا عام 1968 (مع التركيز بشكلٍ خاص على أعمال جيل دولوز، فليكس غاتاري، وغي دوبور Debord)، كما كتابات معاصرة عن المدينية، علم النفس، السيبرنطيكا(علم التحكّم الآلي)، وعن نظريات ما بعد-كولونيالية وما-بعد بنيوية.وإن كانت مساحةُ النقدِ قد أفلَت في ثقافة نهاية القرن العشرين الرأسمالية –كما يشتكي بعض الكتّاب-فإنه يبدو انها اليوم قد وجدت مكانًا لكي تزدهر في الحقل العسكري.

أجريتُ مقابلةً مع كوشافي، قائدُ لواء المظلّيين، والذي يُعتبَر-بعمر 42- واحدًا من أكثر الضباط الشباب الواعدين في ج-د-إ (وهو كان قائد عملية اخلاء المستوطنات في قطاع غزة). وكما كل الضبّاط الناجحين، كان قد نال إجازةً زمنية من العسكرية لينال درجة جامعية؛ ومع انه اراد دراسة الهندسة المعمارية، الاّ ان المطاف انتهى به بنيل شهادة في الفلسفة من الجامعة العبرية. عندما شرح لي المبدأ الذي قاد المعركة في نابلس، ما كان مهمًا بالنسبة لي ليسَ وصف الحركة بحد ذاتها بقدر الطريقة التي ادرك فيها مفاصل هذه الحركة. قال:"هذه المساحة التي تنظرُ اليها، هذه الغرفة التي تراها، ليستا بشيء سوى تأويلك لهما [...] المسألة هي كيف تؤوّل الزُقاقَ؟[...] نؤوّل الزقاقَ باعتباره مكانًا محظورًا على التنقّل فيه، والبابَ بكونه مكانًا يُحرَم العبور من خلاله، والنافذةَ باعتبارها موضعًا يثمنضع النظرُ عبرها، ذلك ان السلاح ينتظرنا في الزقاق، ولغمٌ مُفخخٌ ينتظرنا خلف الباب. هذا لأن العدوّ يؤوّل المساحةَ بطريقة تقليدية كلاسيكية، وليسَ عليَّ ان اخضع لهذه التأويلات وأقع في الفخ.[...] اريد ان افاجأهم! هذا هو جوهر الحربَ. عليّ ان انتصر [...] لهذا اخترنا منهجية التحرّك عبر الجدران...كدودةٍ تزحفُ قُدُمًا ، تظهرُ في اماكن محددة ومن ثم تختفي.[...] قلتُ لفرقتي "ايها الاصدقاء، إن كنتم معتادين حتى هذه اللحظة على التحرّك على طول الارصفة والطرق، انسوا ذلك! من الىن فصاعدًا علينا التحرّك على طول الجدران"!(2)
كانت نية كوشافي في المعركة ان يدخل المدينة بهدف قتل افرادٍ من المقاومة الفلسطينية ومن ثم الخروج. ان الصراحة المرَوِّعة لهذه الغايات، كما سردها شيمون نافي Naveh،مدربُ كوشافي، هي جزءٌ من السياسة الاسرائيلية العامة التي تبغي عرقلة المقاومة الفلسطينية على المستوى السياسي كما العسكري عبر اغتيالات موجَّهة جوًّا وأرضًا.

إن كنت ما تزال تعتقد، كما يريدك ج-د-إ ان تعتقد، انّ التحرّك بمحاذاة الجدران هو شكل لطيفٌ نسبيًا من اشكال الحرب، فإن هذا الوصف الآتي لسلسلةٍ من الاحداث قد يغيّر رأيَك. في البداية، يتجمّع الجنودُ خلف الحائط، ومن ثمّ، وباستعمال المتفجّرات، المثاقب او المطارق، يصنعون حفرةً واسعةً كفاية ليمرّوا من خلالها. تُرمى قنابل التخدير احيانًا،أو بضعة طلقات نارية بإتجاه ما هو عادةً غرفة جلوسٍ خاصة يقيم فيها مدنيون مطمئنّون. عندما عبَرَ الجنود الحائط، أُغلِق على الساكنين في واحدة من الغرف، حيث يُجبرون على البقاء-واحيانًا لعدة ايامٍ- حتى حين انتهاء العملية، وغالبًا من دون ماء، مرحاضٍ، طعام او دواء. لقد خبِرَ المدنيون في فلسطين-كما في العراق- الاختراق اللامتوقّع للحرب الى داخل الحقل الخاص للبيت باعتباره أشد أشكال الإذلال والأذى. وصفت إمرأة فلسطينية، عرّفت نفسها باسم عائشة، وكانت تقوم بمقابلة مع صحافي من جريدة "مرصد فلسطين" Palestine Monitor، وصفت التجربة قائلةً:" تصوّرْ انك تجلس في غرفة جلوسك، والتي تعرفها جيّداً؛ هذه هي الغرفة حيث شاهدت العائلة مجتمعة التلفاز بعد الشعاء، وفجاةً سيختفي ذلك الحائط مع جَلَبَةٌ تصمّ الآذان، وستمتلىء الغرفة بالغبار والحطام، وعِبْرَ الحائط "ينهمرُ" الجنود واحدًا تلو الآخر، وهم يعطون الأوامرَ. لا تملك ادنى فكرة إن كانوا يلاحقونك، إن اتوا ليستولوا على منزلك، أو إن كان منزلك مجرّد ممرٍّ الى مكانٍ آخر.الاطفالُ يصرخون،مذعورون. يمكن تخيّل الرعب الذي يعيشه طفلٌ في الخامسة من عمره في الوقت يقوم اربع، خمس، ستة، او 12 جنديًا، بوجوهم المطلية بالاسود، وبنادقٌ اوتوماتيكية موجّهة الى كل الاتجاهات، هوائياتٌ تبرزُ من الحقائب في ظهورهم، يجعلهم ذلك يبدون وكأنّهم حشرات عملاقة آتية من كوكبٍ آخر، وهم يخترقون ذلك الحائط؟"(3).

يدير نافيه، العميد الطيّار المتقاعد، معهدَ بحوث النظرية العملانية، حيث يدرّبُ ضبَاط أركان من ج-د-إ وعسكريين آخرين على "النظرية العملانية"-والتي تُعرَّفُ في القاموس العسكري بأنها في موقع بين الاستراتيجية والتكتيك. لخّص مَهَمّة معهده، المُنشأ عام 1996:" نحن كالرهبنة اليسوعية. نحاول تعليم وتدريب الجنود على التفكير.[...] نقرأُ كريستوفر آلكسندر، هل تتصوّر ذلك؟ نقرأ جون فورستر، ومصممي عمارات آخرين.نحن نقرأ جورج باتسون، نقرأ كليفورد غيرتز. لست انا، بل جنودنا، جنرالاتنا يفكّرون بهذا النوع من المواد. لقد انشأنا مدرسةً وطوّرنا منهجًا يدرّب مهندسين عملانيين".(4)

في محاضرةٍ، بيّن نافيه تخطيطًا يشبه "مربّع معارضةٍ" يخطّ هيئةَ علاقات منطقية بين معارضاتٍ معيّنةٍ تعود الى العمليات العسكرية والفدائية. مؤطّرةٌ بعباراتٍ مثل "الاختلاف والتكرار-ديالكتيك البنية والتركيب"، "كيانات متزاحمة عديمة الشكل"، "مناورة متشظية"،"السرعة مقابل التناغم"،"آلة الحرب الوهابية"،"أناركية ما بعد حداثية"، و"الارهاب البدوي"، غالبًا ما يرجع [الجنود المتدربون] الى اعمال دولوز وغاتاري. إن آلة الحرب، بالنسبة للفيلسوفين، تبدو متكثّرة التشكّل؛تنشرُ تنظيماتٍ تتميز بقابليتها على التحوّل، وتُصنَعُ من مجموعات صغيرة تنفصل او تندمج مع بعضها البعض، اعتمادًا على الشروط والاحتمالات.(كان كل من دولوز وغاتاري مدركين ان الدولة يمكن ان تحوّل نفسها طوعيًا الى آلة حرب. وبالمثل،في مناقشتهم "الفضاء السلِس" يُشَار الى ان هذا المفهوم قد يقود الى الهيمنة.)
سألتُ نافيه لما كان كل من دولوز وغاتاري رائجين لدى الجيش الاسرائيلي. اجاب بأنّ " عددًا من المفاهيم الواردة في [كتاب] "ألف مسطّح" أصبحت فعّالة لنا [...] وسمحَتْ لنا بأن نشرح الحالات المعاصرة بطريقةٍ لم نتملّكها من قبل. لقد أشكلت براديغماتنا [نماذجنا المثالية] الخاصة. والأكثر اهمية كان التمييز الذي أشارا اليه بين مفهومي الفضاء "السلِس" و"المخطط" [واللذين يعكسان وفقًا لذلك] المفاهيم التنظيمية لـ"آلة الحرب" ولـ"الجهاز الدولتي"[من دولة]. في ج-د-إ غالبًا ما نستخدم اليوم عبارة "تلطيف الفضاء" حين نريد الاشارة الى عملية في فضاء يبدو وكأنه لا يملك حدودًا.[...] يُمكن للمناطق الفلسطينية أن يُنظَر إليها، بالفعل، وكأنّها "مخططة" بمعنى انها مطوّقة بأسيجة، جدران،خنادق، بعوائق في الطرقات..ألخ"(5). وعندما سألتُه إن كان التنقّل عبر الجدران هو جزءٌ من هذا الأمر، أجاب مفسّرًا أن "في نابلس، فهم ج-د-إ القتال المديني كمشكلة حيّزية [في حيّز أو فضاء].[...] التنقّل عبر الجدران هو حلّ آليّ بسيط يصِلُ النظرية بالممارسة"(6).

لكي نفهم تكتيكات ج-د-إ في التنقل عبر الفضاء المديني الفلسطيني، يجب بالضرورة ان نفهم كيف يفسّر [الجنود] المبدأ المألوف حول "الإندفاعية"_وهو مُصطلحٌ قد كان كلمة طنّانة في النظرية العسكرية منذ بداية العقيدة الحربية الاميركية لما بعد الحرب الباردة والمعروفة بالثورة في الشؤون العسكرية.لقد كُيِّفَت مناورة الحشد الإندفاعي ،فعليًا، من قبل مبدأ الذكاء الاصطناعي في الذكاء الاندفاعي، والّذي يفترض أن قدرات حل المشكلة انوجدت في تفاعل وتواصل قوى غير معقّدة نسبيًا (نمل، طيور، نحل، جنود) بتحكّمٍ ضئيل التمركز أو غير متمركزٍ بالمرة. يمثّل الحشد الاندفاعي مبدأ المرئي اللا-خطّي في الأجلِ الحيّزي المنظّم والزماني.إن انموذج العملية الكلاسيكي، الذي يتميّز ببساطة الهندسة الاقليدية، تمّ تحويله، وفقًا للجيش، الى نظيرٍ هندسي معقّدٍ ومجزّأ.
تُستبدل رواية خطة المعركة بما يسمّيه العسكر، بإصطلاح فوكويّ، "مقاربة صندوق العدّة"، حيث تتلقّى الوحدات الأدوات التي تحتاجها كي تتعامل مع وضعيات متعددة ومع سيناريوهات في وقت لا تتمكن فيه هذه الوحدات من توقّع ترتيب ظهور هذه الوقائع (7). يقول نافيه :" يعتمد الآمرون المنفذّون و التكتيكيون على بعضهم البعض ويكتشفون المشاكل من خلال بناء رواية المعركة؛ [...] تصبح الحركة معرفة، والمعرفة تصبح حركةً. [...] ومن دون نتيجةٍ قاطعة ممكنة، تصبح الفائدة الرئيسة من المعركة تحسين المنظومة بإعتبارها منظومة"(8).

ربما يفسّرُ هذا افتتان الجيش مع النماذج المكانية والتنظيمية ومع طرائق التنفيذ المقدّمة من قبل منظّرين كدولوز وغاتاري. وبالفعل، وبقدر ما يتعلق الأمر بالجيش، تكون الحرب المدينية الشكل ما بعد –الحداثي الأعلى للقتال. يضيع الايمان بخطة معركةٍ منظمة منطقيًا وذات مسلكٍ وحيدٍ أمام تعقيد وغموض الحقيقة المدينية. يصبح المدنيون مقاتلين، والمقاتلون مدنيين. يُمكِن للهوية أن تتغيّر سريعًا مثلما يتم تحويل الهوية الجنسية gender : يُمكِن لتحويل النساء [المجندّات الاسرائيليات] الى الميدان لمقاتلة الرجال أن يحصل بسرعةٍ الى حدّ القبض على جندي اسرائيلي سريّ "متعرّب" Arabized’ أو خداع مقاتلٍ فلسطيني من اجل أن يُسحَب السلاحُ من تحت الثياب. بالنسبة الى مقاتلٍ فلسطيني اُلقيَ القبضُ عليه في هذه المعركة، يبدو الاسرائيليون "في كل مكانٍ: في الخلف، على الجوانب، على اليمين كما على اليسار. كيف يُمكن لنا القتال في هذا الحال؟"(9)

بالنسبة لنافيه،في تعاليمه وتمريناته، أصبحت النظرية النقدية حاسمة. يشرح لنا ويقول :" نستعين بالنظرية النقدية في البداية من أجل نقد المؤسسة العسكرية بحد ذاتها- نقد اسسها الأفهومية الثقيلة والثابتة. النظرية مهمة لنا من أجل ردم الهوّة بين البراديغم الموجود والمكان حيث نريد الذهاب. من دون نظرية لا يمكننا ان نعقل الأحداث المختلفة التي تحصل حولنا والتي قد تبدو بطريقةٍ أخرى منقطعة.[...] حاضرًا، تملك المؤسسة تأثيرًا كبيرًا على الجيش؛ وقد أصبحت عُجرةً [عقدة] هدّامة فيه. عبر تدريب ضبّاطٍ من الرتب العليا نملأ المنظومة [الجيش الاسرائيلي] بعملاء هدّامين [...] يطرحون الاسئلة؛ [...] البعض من كبار الضبّاط لم يتحرجوا بالكلام عن دولوز أو عن برنارد تشومي"[10]. سألت نافيه :"لماذا تشومي؟" أجاب :" إن فكرة الإنقطاع disjunction المتجسدة في كتاب تشومي – "الهندسة والانقطاع" (1994)- أصبحت ملائمة لنا [...] لتشومي مقاربةٌ أخرى حول الابستيمولوجيا؛ لقد أراد أن يقطع مع المعرفة ذات المنظر الواحد ومع الفكر الممركز. لقد رأى العالم من خلال تعددية لممارسات اجتماعية مختلفة، وذلك من وجهةِ نظرٍ دائمة التغيّر. خلق تشومي نحوًا جديدًا، وشكّل الأفكار التي تؤلّف تفكيرنا"[11]

ومن ثمّ سألت نافي:"لماذا [لم تختاروا] دريدا والتفكيك؟ أجاب بأن "دريدا قد يكون مبهمًا قليلاً بالنسبة لمجموعاتنا. نتشاطر مع المهندسين أفكارًا أكثر؛ نوحّدُ النظرية والممارسة. نستطيع القراءة، ولكننا نعرفُ ايضًا كيف نبني وندمّر، وأحيانًا نقتل"[12].
بالإضافة الى هذه التموضعات النظرية، [تشكِّلُ أفكارٌ] مثل العناصر الشريعية canonical للنظرية المدينية كما في الممارسات الموقعية Situationist [الوضعانية] للمشتق derive (وهي طريقة في الانجراف والتنقل عبر مدينة على اساس ما تحكم عليه الموقعية بأنه "جغرافيا-نفسية") وللإختطاف [أو الإختلاس] détournement (وهو أسلوبٌ في التكيّف مع المباني المهجورة بهدف آخر يختلف عمّا بُنيَت من أجله). هذه الأفكار، ابتكرها بالطبع غي دوبور Debord وأعضاء آخرون في الأممية الموقعية في تحدٍّ لتراتبية [هيراركية] البناء في المدن الرأسمالية وللقطع مع التمييزات بين الخاص والعام، بين الداخل والخارج، بين الوظيفة والاستعمال، مستبدلين الفضاء الخاص مع المسطّح العام "البلا حدود". إن الإحالات الى عمل جورج باتاي، مباشرةً أو بشكلٍ غير مباشر عبر كتابات تشومي، تتحدثُ عن الرغبة في مهاجمة العمارة وفي تفكيك العقلانية الصارمة لنظام ما بعد الحرب، وفي التخلّص من "الغلاف المعماري الخانق" وتحرير الرغبات الانسانية المكبوتة.


وبشكلٍ لا لبسَ فيه، يبدو تعلّم الإنسانيات – وهو الّذي يُعتقَد غالبًا بإعتباره أقوى سلاحٍ في وجهِ الإمبريالية- [يبدو] مناسبًا كأداة قوية للإمبريالية. إن الاستعمال العسكري للنظرية، ليس أمرًا جديدًا بكل تأكيد- حيث يمتد بسلسلة طويلة على طول الطريق منذ [الامبراطور والفيلسوف الروماني] ماركوس اوريليوس حتى الجنرال [الأميركي] باتون Patton.
سوف يزداد الهجوم العسكري المستقبلي على الأراضي المدينية تخصصًا في إستعمال التقنيات المتطوّرة لغرض "كسر الحصار حول الجدار" ‘un-walling the wall’، بإستعمال مصطلحٍ من غوردون ماتا-كلارك Matta-Clark. ها هو ردُّ الجندي/المهندس الجديد على منطقِ "القنابل الذكية".هذا الأخير [المنطق] نتجَ –للمفارقةِ- عن عدد كبير من الضحايا المدنيين ذلك ان وهمَ الضبطِ منح العقدة complex السياسية – العسكرية التبريرَ الضروري من أجل إستعمال المتفجّرات في البيئات المدنية.
يظهر هنا وبشكل واضحٍ إستعمال النظريةُ بإعتبارها السلّاح الذكي الفعّال. إن استخدام الخطاب النظري والتقني المغري من قبل الجيش ينشدُ التقليل من أثر الحرب، و[توصيفها] على انها سريعة وذكية، مثيرة وحتى حيوية اقتصاديًا. هكذا، يُسلّط الضوء على العنفِ بكونه مقبول نوعًا ما ويجري تشجيع الجمهور على مساندته. كما ان تنمية ونشر التقنيات العسكرية الجديدة يعزز الرواية الوهمية التي تُبّث الى الميدان العام [الجماهيري] بأن الحل العسكري ممكن – في حالاتٍ يبدو فيها قابلاً للشك على أقل تقدير.

بالرغم من عدم الحاجة الى دولوز كي يتم الاعتداء على نابلس، إلا ان النظرية تساهم في اعادة تنظيم الجيش بمنحها لغةً جديدة يتكلّم فيها عن نفسه وعن الآخرين. تملك نظرية "السلاح الذكي" وظيفةً عملانية واستطرادية في إعادة تعريف حرب المدن. تطرح الوظيفة التكتيكية او العملانية، على طول المساحة التي تؤثر فيها النظرية الدولوزية على التكتيكات والعمليات العسكرية ، مسائلاً جديدة حول العلاقة بين النظرية والممارسة. تملك النظرية قوةً في استمالةِ مُدركات جديدة، ولكنها ايضًا قد تساعد في شرحِ، تطوير، وحتى تبرير أفكارٍ تنبعثُ بشكلٍ مستقلٍّ في حقولٍ متفاوتةٍ من المعرفةِ ومع اسس اخلاقية مختلفة كلّيًا. في عباراتٍ استطرادية، تشكّل الحرب- حين لا تكون حرب إلغاء شاملة- شكلاً من الخطاب بين الأعداء. كل حركة عسكرية تهدف الى ايصالِ شيءٍ ما الى العدو. يساعد الكلام عن "إنفاعية الحشد"، "الإقتتالات المستهدفة" وعن " التهديم الذكي" في أن يوصل الجيش إلى أعدائه كونه يملك القدرة على احداث تدمير أكبر. هكذا، يُمكن القيام بالغارات الجوية بكونها البديل الأكثر إعتدالاً من القدرة المدمِّرة التي يملكها الجيش حاضرًا والتي قد يطلق العنان لها إن تخطّى العدو المستويات "المقبولة" من العنف أو خرق الهدنات غير المعلنة. في إصطلاحاتِ النظرية التنفيذية عسكرية، لا لزوم ابدًا لإستعمال كل القدرة التدميرية التي يملكها [أحد اطراف النزاع] ولكن من الأفضل الحفاظ على الجهد بهدف الإرتقاء في سلّم درجات الهمجية، وإلاّ يصبح التهديد بلا طائلٍ.

حين تخاطبُ النظريةُ نفسها، تبدو وكأنها في الطريق الى تغيير بنيتها التنظيمية والتراتبيات. حين تُستَحضرُ النظرية في الإتصال مع العام – عبر القراءات والمحاضرات، والبث الإذاعي والمنشورات- تبدو وكأنها تبعث بصورةٍ عن جيشٍ حضاريّ متطوّر. وحين "يتكلّم" العسكري (كما يفعل كل عسكري) مع عدوه، تُفهمُ النظريةُ بشكلٍ واضحٍ ومهوّل كسلاح "صدمةٍ ورعبٍ"، وتكون الرسالةً على الشكل التالي:" لن تفهم أبدًا هذا الّذي سيقضي عليك".

Notes

[1] Quoted in Hannan Greenberg, ‘The Limited Conflict: This Is How You Trick Terrorists’, in Yediot Aharonot; http://www.ynet.co.il (23 March 2004)

[2] Eyal Weizman interviewed Aviv Kokhavi on 24 September at an Israeli military base near Tel Aviv. Translation from Hebrew by the author; video documentation by Nadav Harel and Zohar Kaniel

[3] Sune Segal, ‘What Lies Beneath: Excerpts from an Invasion’, Palestine Monitor, November, 2002; http://www.palestinemonitor.org/eyewitness/Westbank/what_lies_beneath_by_sune_segal.html 9 June, 2005

[4] Shimon Naveh, discussion following the talk ‘Dicta Clausewitz: Fractal Manoeuvre: A Brief History of Future Warfare in Urban Environments’, delivered in conjunction with ‘States of Emergency: The Geography of Human Rights’, a debate organized by Eyal Weizman and Anselm Franke as part of ‘Territories Live’, B’tzalel Gallery, Tel Aviv, 5 November 2004

[5] Eyal Weizman, telephone interview with Shimon Naveh, 14 October 2005

[6] Ibid.

[7] Michel Foucault’s description of theory as a ‘toolbox’ was originally developed in conjunction with Deleuze in a 1972 discussion; see Gilles Deleuze and Michel Foucault, ‘Intellectuals and Power’, in Michel Foucault, Language, Counter-Memory, Practice: Selected Essays and Interviews, ed. and intro. Donald F. Bouchard, Cornell University Press, Ithaca, 1980, p. 206

[8] Weizman, interview with Naveh

[9] Quoted in Yagil Henkin, ‘The Best Way into Baghdad’, The New York Times, 3 April 2003

[10] Weizman, interview with Naveh

[11] Naveh is currently working on a Hebrew translation of Bernard Tschumi’s Architecture and Disjunction, MIT Press, Cambridge, Mass., 1997.

[12] Weizman, interview with Naveh

[Eyal Weizman is an architect, writer and Director of Goldsmith’s College Centre for Research Architecture. His work deals with issues of conflict territories and human rights. A full version of this article was recently delivered at the conference ‘Beyond Bio-politics’ at City University, New York, and in the architecture program of the Sao Paulo Biennial. A transcript can be read in the March/April, 2006 issue of Radical Philosophy.]

Links:

1. "Eyal Weizman" - http://www.frieze.com/feature_single.asp?f=1165








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. جثث ضحايا كورونا في الهند إلى الأنهر.. | #غرفة_الأخبار


.. شاهد.. الرياح تقتلع سقف مبنى في روسيا


.. غارة جوية إسرائيلية تستهدف مقر استخبارات -حماس- شمالي قطاع غ




.. اليابان تجري أول مناورات عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة و


.. خروج قطار شحن عن مساره في روسيا