الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بوح امرأة (7)

محمد هالي

2012 / 12 / 10
الادب والفن


توجهت مباشرة إلى الحانة، كالعادة أتلوى بجسدي، لإثارة الزبائن،أثار انتباهي رجلا غريبا عن الخمارة، يشرب بطريقة متوترة، و حزين، أردته أن يكون اليوم غريمي، لأن استغلال المعاناة تجلب الأموال في كثير من الأحيان، لكن ما كنت أفكر فيه لم يحدث، وجدته يتوفر على ثقافة عالية، يظهر هذا من خلال كلامه، و طريقة تعبيره، نادرا ما تجد مثل هؤلاء الأشخاص في الحانة، لأول مرة شعرت أني أتعامل مع إنسان يعقلن غرائزه، تحدثنا كثيرا عن الجنس و علاقة المرأة بالرجل، و عن المشاكل التي يطرحها المجتمع، و لأول مرة أعرف حقيقة الصراع الطبقي، في الحقيقة وقفت مذهولة لما سمعته من فاه هذه الشخصية الفريدة في هذا الوجود، شعرت بميل عاطفي لا يقهر لكن كيف تقبل شخصية بهذا الشكل بعاهرة تتقن الأدوار من أجل سلب الأموال لتقاسمها مع الممتلكين لمثل هذه الحانات، إنسانة تستغل كبضاعة معروضة كما تعرض اللحوم لدى الجزارين، الحانة مجزرة تبيع اللحم النيئ و الحي، لحم بشري معروض يتحرك يثير الشهوة و اللذة و كل من فاضت رغبته عليه أن يتهيأ لاقتناء بضاعته من مثل هذه الأسواق، لحم موجود بكثرة مادام الزبائن يتقاطرون على الحانات باسم السياحة تارة أو باسم التنفيس عن الهموم و استبدال امرأة البيت بامرأة البارات شعرت بهذا و أنا أتناقش مع هذا الوجه السمح، تحايلت عليه كما كنت أفعل دائما مع كل شخص يتراءى لي بهذا الشكل خصوصا و أن مظهره يوحي بأنه رجل ثري و كما توقعت حدث، اسمه "علي هاشم" و أنه برلماني معارض، ترشح بطريقة مستقلة، أحببته، و لأول مرة أمارس الجنس معه كإنسانة، بل أصبحت أرغب فيه، أزلت كل موانع الحمل، و مارست بطريقة طبيعة مستسلمة بلذة غريبة و جميلة، حرك كياني ككل، ظلت علاقتنا طيبة، و جميلة يلجأ لي كلما حدث له مكروه، ابتدأ بالمآل الذي وصلت إليه حبيبته التي تسمى عائشة، و استمر عندما اغتيل أعز صديق له "بهلول"إلى غير ذلك من المصائب، التي تطارده من حين لآخر، نتيجة تمرده، و رفضه لما هو سائد، هذه المعارضة التي جلبت عليه الويلات، من كافة النواحي، و المفاجأة الكبيرة، إني أصبحت حبلى منه، لم يتنكر لذلك، كما يفعل منعدمو الضمير، و ما إن سمع بالأمر، اقترح علي الزواج رغم أنه مهدد في أي لحظة بالقتل، كما قتل صديقه بهلول من قبله، أو النفي، أو الاعتقال، فاعتقدت أن مبادئه هي التي جعلت منه يطلب مني الزواج، ولم يأت نتيجة تطور طبيعي بل هو جاء نتيجة ضغط الحمل، أدركت بقناعتي الخاصة أن علي هاشم أرجعني إلى صوابي، بعدما أيقظني من سبات الملل و النسيان، أرجعني امرأة تشعر بجمالها و رونق مظهرها، لأني أصبحت أشعر بأن هناك رجل في هذا الوجود يهتم بي، لذاتي، لا لإطفاء غريزة حيوانية، تحمل من الرذالة ما يحملها أدنى درجات الحيوانية الموجودة في الإنسان، لهذا فأنا أحببته إلى حد الجنون، لكن ضحيت بما فيه الكفاية، تشردت عائلتي، و انقرض أغلب أفرادها، لا أريد لما هو في بطني أن يعيش عيشة الذل و الهوان، كفاني بؤسا و مذلة و احتقارا، خصوصا و أن اقتراحه صادف في نفس الفترة، لقائي بأحد الخليجيين، الذي جاء ليتمتع بالخمر و النساء في هذا البلد، متعته، تلذذ بما فيه الكفاية، بسكره و إفراغ قيحه، فأراد لهذه المتعة أن تستمر، فاقترح علي الزواج، و السفر معه إلى بلده، قبلت بدون تردد فالفرص ناذرة ما تحدث، و هاهي بدأت تتقاطر علي هذه الأيام، و كل تخاذل سينقلب إلى مأساة، علي أن أؤسس لابني مسارا ليستمر، هكذا فكرت، وهكذا أردت بعدما قبل زوجي الجديد بكل الهموم و المشاكل، صارحته بكل شيء، أراد أن أكون له، أنا و ابني، قبلت بالهجرة، بسرعة فائقة تهيأت كل الظروف لها، التي سأنتقل من خلالها من المجهول إلى عالم مجهول، هي مسألة حياة أو موت، مللت من رؤية المراهقات تأتي من الثانوي، و الإعدادي، أتزاحم معهن على الزبائن، نتشارك المجون و الرقص، نتفنن في الإثارة، وجلب الرجال، و دفعهم للسكر، لكن الرابح الأكبر هو صاحب الحانة، و الخاسر الأكبر، نحن المراهقات، و رغم سوء النية و الفهم المغلوط، كنت أنصح البعض منهن، لكي يبتعدن عن هذه المأساة كلما سمحت لي الظروف، حاولت، لعل في المحاولة شيء من رد الاعتبار لإنسانية الإنسان، في هذا العالم المملوء بالمتناقضات،أن هذا الاختيار لم يمنع انشطاري إلى شطرين: القلب أخذه علي هاشم، و الجسد لحاتم أحمد.
لم يستقبلني أحدا في بلدي الجديد، عزلت، وكأني أحمل مرضا معديا، أغلق الباب علي في بهو كبير، لا أستطيع أن أخرج منه، إلا ناذرا، و أصبحت أعيش على ذكريات الماضي، و أساير الحاضر بما أوتيت من قوة.
كيف أفهم ما حدث و ما يحدث؟! لعله مرض يصيب الفقراء: أمينة التي اقترحت الحلول، لفك لغز تعاستي، اكتشفت أنها مجرد تاجرة الهوى، باعتني للحانة، كما باعت بكارتي، باتفاق مسبق، و بثمن مسبق أيضا، بحيث لم أكن أنا الأولى، و لا الأخيرة، فهي تصطاد ضحاياها بعناية فائقة، و كل من وقع في المصيدة، فهو يدخل في المزاد، سرا أو علنا، حسب شخصية الضحية. وبينما كنت أزور أختي فاطمة، و أقدم لها الدعم المادي، كنت أراقب إخوتي من بعيد، واحدا تلو الآخر، مصطفى يؤلمني، و أنا أراقب تصرفاته، يتسابق مع القطط، و الكلاب، في قمامات الزبالة، و يشرب الكحول، وينام في الأحياء، و الأزقة، و لا أستطيع أن أعمل أي شيء، في حين أن عمر لا يحب أن يراني، أصبح أرعن فرد في العائلة، استحوذ على البيت الرث، و طرد الكل، و أعلن البطولة على الكل، والتجأ إلى كل أشكال التمرد، حتى فقراء الحي يشتكون منه، أصبح الاعتقال بالنسبة إليه، حرفة، يلج إليها المحترفون، و أصبح السجن مصدرا للتباهي، و الافتخار.
لم يظهر في المنفى، شيئا يذكر، الماضي يطاردني بكافة جحافله، و حدي أتألم، إنه ماض مؤلم، و الرجوع إليه غبن، و أبكي كلما جابت ذاكرتي أحداثه، ليس هناك مسرات، و كأنها انتهت منذ أن ولدت في ذلك الحي الهامشي، كما انطلق التشرد منذ وفاة والدي، و أصبح الموت يلاحق ما تبقى من عائلتي، و كأنه خلاص من هذا الزمن المقيت. و هاهو أبني يشعر باليتم، رغم الظروف منحته أبوين، الأب الحقيقي انتهى بالاغتيال، و الأب الذي يعتقد أنه الحقيقي مات، و بقيت وحدي أقاتل في هذا الوجود، بعدما افتقدت الرجلين معا، لم يسمح لي الحنين إلى الوطن بالعودة إليه، كما لم يسمح العيش بجانب أبني العودة إلى الفقر ثانية، فقبلت بوضعي كما سيقبلني الوضع، و ذبت في متاهة الحنين إلى كل شيء، بلا حنان، لكني أدركت أني امرأة، أخفي جراحي بداخلي، و أتمنى من الزمن أن يرحمني من المزيد... ".








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تفاصيل ومواعيد حفلات مهرجان العلمين .. منير وكايروكي وعمر خي


.. «محمد أنور» من عرض فيلم «جوازة توكسيك»: سعيد بالتجربة جدًا




.. فـرنـسـا: لـمـاذا تـغـيـب ثـقـافـة الائتلاف؟ • فرانس 24 / FR


.. الفنانة نجوى فؤاد: -أنا سعيدة جدًا... هذا تكريم عظيم-




.. ستايل توك مع شيرين حمدي - عارضة الأزياء فيفيان عوض بتعمل إيه