الحوار المتمدن - موبايل


ثورة يناير و نظرية الفوضى 2

جمال الدين أحمد عزام

2012 / 12 / 16
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


ثورة يناير و نظرية الفوضى (2)

و الآن، و رغم ما سيجعل أعداء ثورة يناير و الغير مقتنعين بأنها عمل مصري صميم يقولون: ألم نقل لكم؟! إنها من صنع أمريكا!! إلا أنني مستندا إلى التوضيحات السابقة أجدني مضطرا أن أقول أن ثورتي تونس و مصر هما نموذجين مطابقين لنظرية الهيولية، و إن بدا ما حدث في مصر أكثر وضوحا و أناقة. و سأركز هنا على ثورة مصر مع مقارنة بالثورة التونسية كلما لزم الأمر.
إن ما حدث يوم خمسة و عشرين يناير ليس بداية الثورة أو كما أسماها البعض الاضطرابات. فهذا اليوم يمثل فقط تلك اللحظة الزمنية التي بدأت فيها قدرتنا على التوقع في الإنهيار و سأسميها نقطة الإنفجار (و هي غير نقطة الإنحدار التي عندها تتحول المنظومة إلى الهيولية حيث يكون معامل اللاخطية نفسه محل الدراسة) حين وصل تعظيم لا خطية المنظومة الاجتماعية لاضطرابات طفيفة حدثت قبل تلك النقطة بزمن بعيد إلى الدرجة التي جعلتنا "نظن" أن المنظومة تتحرك بعشوائية؛ اضطرابات متداخلة و لا تنبؤية عاصفة.
فقبل ذلك اليوم ربما بثلاثين أو أربعين أو ستين سنة أهين أحدهم في قسم للشرطة أو في مصلحة حكومية أو في طابور خبز؛ اضطرابات طفيفة أخذت تنمى بلاخطية المنظومة المجتمعية. و كلما مر الوقت كانت بدايات الاضطراب العاصف تتبلور. و ظل تراكم الغضب مؤججا بالطبيعة اللاخطية للمجتمع يؤدي فعله حتى وصل مداه عندما تشبع المجتمع بالذل و الإهانة و الكبت و الفقر و الجهل و المرض و كانت لحظة أو نقطة الإنفجار التي ربما تكون قتل خالد سعيد (الذي يوازي في تونس إحراق بو عزيزي لنفسه) أو ربما تزوير البرلمان بالكامل. أيا كانت تفاصيل اللحظة إلا أن الإنفجار أو الحيد الكبير عن كل ما هو متوقع كان قد حان وقته.
و الآن و للحكم على تلك الحركة اللاتنبؤية تلو نقطة الإنفجار لتحديد إن كانت تنتمي إلى الهيولية البناءة أم إلى الشوشرة الفارغة أو ربما الهدامة، لابد أن نرصد مدى خضوع الأحداث إبتداء من يوم الخامس و العشرين من يناير (نقطة الإنفجار) حتى اللحظة (و ليس انتهاء بالحادي عشر من فبراير) إلى التظيم الذاتي (سأحذف تلقائي معتبرا أن ذاتي تحمل معنى التلقائية).
و قبل الاسترسال و لمنع الإلتباس لابد أن أوضح للقارئ ملحوظة هامة و هي أن الدراسة التي نقوم بها هنا ليست لكيفية نشوء الهيولية باختبار تأثير تغير معامل اللاخطية على المنظومة لمعرفة كيفية انتقالها من الحركة الخطية المستقرة إلى الحركة الهيولية. بل تهتم دراستنا بتحليل منظومة ديناميكية مضطربة ماثلة بالفعل و لها معامل لاخطية ما لا نعرفه (و لا يلزمنا أن نعرفه فميزة هذه النظرية أنها تهتم بدراسة الأنماط العامة و ليس الخصائص الجزئية) و مهمتنا هي تحديد ما إذا كانت حركتها هيولية أم لا بناء على خضوعها لشرط التنظيم الذاتي. بمعنى أننا نحتاج إلى الإجابة على السؤال؛ هل كانت تلك الحركة المفعمة بالاضطراب و عدم التوقع مجرد فوضى لا معنى لها أم أنها و بنظرة تعلو على التفاصيل الجزئية حركة ينتظمها إطار عام واضح؟
لنبدأ من البداية. نحن نعلم أن الدعاوى الأولى لنزول الشباب إلى الشوارع قد انطلقت بعد إنشاء صفحة "كلنا خالد سعيد" على الفيس بوك. و كان الهدف مواجهة جبروت الشرطة في عيدها. و بالرغم من أن الكثيرين ممن نزلوا إلى الشوارع هذا اليوم من أتباع تلك الصفحة أو من الحركات و القوى الأخرى كانوا يرجون الثورة و يتحرونها أسوة بتونس إلا أن أيا منهم، حتى و إن دعا للثورة، لم يكن لديه أدنى فكرة عن كيفية فعل ذلك. لم تكن الخطة موضوعة لثورة و خير برهان على ذلك إختيار يوم الخامس و العشرين بالذات. كان هناك أمل أو حتى توقع و لكن بلا تنظيم مسبق. كانت هناك دعوات تطلق من أجل الثورة و لكن الاستجابة لها كانت محل شك خاصة لو عرفنا أنه حتى النازلين من أجل الشرطة الكثير منهم اعترف أنه لم يكن متوقعا هذه الإستجابة لدرجة أن الكثير منهم قال: ظننت أني سأكون الوحيد الذي نزل إلى الشارع.
إلا أن الاستجابة كانت مفاجئة ذلك أنها في الحقيقة كانت لأمر أكبر أمسك بزمام المبادرة و أطلق لنفسه العنان وفق شروط و قواعد للحركة تسري بتلقائية بغير إرادة من الجموع الغاضبة. فإذا بهم يفعلون أشياء و يتحركون تحركات هم أنفسهم لا يعلمون لماذا فعلوها كما لا يعلمون بعد انقضاء كل مرحلة ماذا ستكون الخطوة المقبلة.
إن التنظيم الذاتي المطور بالتغذية العكسية كان يبدو واضحا للغاية خلال الأيام الثمانية عشرة و بوضوح أقل بعدها. إن إصرار الثائرين على الانتقال من الوقفات أمام المؤسسات كالقضاء و النقابات ثم التطور للتحرك في إتجاه الميادين الرئيسية و تحمل العقبات في سبيل ذلك لأن ذلك سيحقق نفعا أكبر لتلك الحركة الوليدة (كان ذلك التطور أقل وضوحا في تونس) ثم الإعتصام (أكبر إعتصام في التاريخ) في تلك الميادين و خاصة ميدان التحرير و ما تخلل هذا الإعتصام من تشكل قادة ميدانيين و لجان إعاشة و مستشفى ميداني و تحديد أدوار للتفتيش و الحراسة بل و تحديد فرق للمواجهة كما حدث في موقعة الجمل. ثم، و دون إتفاق بين المعتصمين و الجبهة الداخلية، نشأت اللجان الشعبية لمجابهة الفراغ الأمني لتأمين تلك الجبهة مما أعطى دفعة و اطمئنانا للثائرين. ثم الإنحسار من الميادين حينا لتخفيف الضغط أو إزدياد الأعداد حينا لتشديد الضغط. ثم عدم تكرار أخطاء نجمت عن تلاعب النظام بالثورة نفسيا. ثم الربط بأيام الجمعة و التسمية لكل جمعة و تطور طرق الضغط في كل منها و الذي تواكب مع عصيان مدني مطرد الشدة. هذه السينفونية المتناغمة المبهرة التي تطورت على الأرض و تعلمت من أخطائها و ابتكرت الحلول في مواجهة عقباتها دون سابق إعداد لهي أبلغ تجل لما يسمى في نظرية الهيولية بـ "التنظيم الذاتي".
إذن يمكننا الآن أن نجيب على السؤال الذي بدأنا به؛ هناك بالفعل إطار منظم عام ينتظم الحركة الثورية كامن في ذاتيتها، و بلغة الثورة يقودها أو بلغة الهيولية يجذبها. فهناك بالفعل جاذب غريب "متميز" تصب فيه ديناميكية الحركة. و كلمة متميز هنا جوهرية لأنها ستدفعنا لطرح سؤال آخر أعتبره الأهم على الإطلاق و هو: لماذا تحرك الثوار بهذه الطريقة بالذات؟ و الإجابة تكمن في مبدأ يميز تلك النظرية قد تعرضت له من قبل و هو العمومية التي تمكننا من ربط أي ظاهرة هيولية بأخرى و إن كانت الظاهرتين تنتميان إلى فرعين مختلفين من العلم. و سأربط هنا بالبيولوجيا. فثورة يناير أشبه ما تكون بنمو النبات و بحثه عن النور و الماء و تجنبه للظلمة و الجفاف أو هجرة الحيوانات و بحثها عن الطرق الأقل وعورة و تجنبها للضواري. و تلك المسارات التي تسلكها الطبيعة إنما تعبر عن مبادئ و قوانين كامنة فيها؛ مرجعية ذاتية و خطة فطرية مسبقة للتعبير عنها من أجل تحقيق مقاصد معينة. فبدون المحتوى الوراثي لبذرة النبات و الذي يمثل جملة مبادئه و قوانينه لما تحقق أي تنظيم، و لولا اختلافه من نبات لآخر لما فهمنا سر اختلاف هذا التنظيم من نبات لآخر.
إذن، بملاحظة طبيعة التنظيم الذاتي للثورة على الأرض يمكننا أن نستخلص المبادئ الكامنة المحركة له و هي مبادئ متميزة تمثل طبيعة هذه الحركة بالذات.
إن تدقيقنا للتفاصيل سالفة الذكر و التي تمثل طبيعة حركة الثورة على الأرض يخبرنا أن الثوار لم يكونوا مجرد بيادق شطرنج يحركها التنظيم الذاتي. بل لا يمكن للتنظيم الذاتي أن يحدث أساسا بدون أن يرتكز إلى مبادئ و طبيعة تكوين قلوب الثوار الذي يجمع بين أمور فطرية و أمور مكتسبة من المجتمع و التربية و من تراث فكري و حضاري و أخلاقي و قيمي و من هوية قوية ضاربة في عمق تاريخ متنوع الحضارات، تاريخ مديد حافل بنضال طويل و ثورات غيرت شكل العالم.
و قد تجلى كل ذلك مما انتظم تلقائيا في ميادين التحرير. و لا أبالغ إذا قلت أننا عرفنا لحد كبير من نحن في الثمانية عشرة يوما، أو بتعبير آخر قابلنا مصر و رأينا ملامحها و عرفنا مدى جمالها و قوتها. فالحراسة في الميدان أثناء صلاة المسلمين، على سبيل المثال، و هي فعالية من فعاليات التنظيم الذاتي، كانت من مسيحيين، فعكست هذه الفعالية قيمة حضارية متأصلة في الشعب المصري التي تجاوزت التسامح مع الآخر إلى الموت في سبيله! ربما سمعنا عن تلك القيمة من الأباء و الأجداد إلا أننا تأكدنا حينها لأننا رأيناها بالفعل.
و الأمثلة متعددة على الكثير من المبادئ التي تمثل جوانب هويتنا و التي عكستها تفاصيل التنظيم الذاتي بوضوح. منها لحمة هذا الشعب الواحدة، قدرته الهائلة على التحمل و الصبر، تمسكه بالدين و تسامحه، سرعته الكبيرة في التعلم، نضجه و تطوره و رقيه، قدرته الفنية العالية و مواهبه المتعددة. إنه شعب يصلي و يغني، يتعبد و يرقص، يملك تلك القدرة على صنع الحياة في قلب الموت، تزداد كفاءته عند التحدي و يحقق أهدافه كلما تحلى بالإرادة التي إتضح أنها أقوى من المتصور. كل هذه المبادئ و القيم كانت واضحة تماما مع كل خطوة يقوم بها التنظيم الذاتي لأنها ببساطة كانت تعبيرا عنها.
إذن يمكننا القول بأن التنظيم الذاتي يبني في إتجاه تلك المبادئ و القيم و التي تمثل هوية هذا المجتمع. أو بعبارة أخرى فإن التنظيم الذاتي مع كل خطوة يخطوها يمثل السعي نحو تحقق ذات هذا المجتمع. و بلغة الرياضي فإن ذلك التحقق ما هو إلا الجاذب الغريب لحركة المجتمع و ثورته. و هذا يتمشى مع ما أسميه المفهوم الديناميكي للهوية الذي يعرف الهوية بأنها انعكاس للسلوك أو هي السلوك و السلوك هنا هو حركة التنظيم الذاتي. و بالتالي فكل خطوة يقوم بها المجتمع وفق هذا التنظيم ما هي إلا حجر في بناء ضخم هو الهوية. فكرة الجاذب الغريب تدعم ذلك فهو هوية الحركة الهيولية و هو مرن يتقبل كل التغيرات و يحولها في اتجاهه و يمتص أي شوشرة و يخضها لنمطه العام. و هذا بالضبط المفهوم الديناميكي للهوية. فالهوية وفقه رغم أنها محددة إلا أنها منفتحة على كل التغيرات و الاختلافات تمتصها و تفيد منها و لكنها في نفس الوقت مقاومة لأي محاولة للعبث في هيكلها المحدد لها. كما أنها تتضح بالتدريج و تبنى حجرا حجرا و تظل الحركة المجتمعية في اتجاه تحصيلها و تحققها دائما في مسار تطوري لا يعيد نفسه أبدا و يمتد الى ما لانهاية.
و الآن، و طالما وضعنا أيدينا على الكثير من جوانب هويتنا و مبادئ ثورتنا و تحسسنا و لو بشكل غير مكتمل تطورها التلقائي على الأرض، يتبقى لنا أن نجيب على أسئلة من الطبيعي أن تطرح و هي: كيف سنتصرف وفق هذه المعرفة الجديدة؟ كيف سننظم نحن عمديا تطور حياتنا في ضوئها لبناء المجمتع الجديد؟ كيف سننظم دستورنا و قوانينا و مؤسساتنا بما لا ينحرف بنا عن تلك المبادئ؟ و ما دور التنظيم الذاتي في ذلك؟ هل انتهى بسقوط رأس النظام؟ و إن لم يكن انتهى، فهل ما زال مهما؟ هل يجب مراعاته أم يمكن تجاوزه؟ هل مازال مفيدا؟ و إذا كان مستمرا، هل سيكشف لنا عن أسرار جديدة أم عرفنا كل الأسرار في الثمانية عشرة يوما؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب رؤية أكثر تدقيقا للثمانية عشرة يوما و ما بعدها؛ رؤية على مستوى كل المقاييس. مما يتطلب رصدنا لمدى مطابقة الحركة الثورية للسمة الثانية من الهيولية و هي التشابه الذاتي. ويكون ذلك ممكنا بطرح السؤال: هل تكرر النمط الثوري الهيولي و لو بدون تطابق على كل مقياس ممكن؟
قولا واحدا: نعم. فعلى مستوى المكان كان النمط متشابها للغاية. فالثورة غطت كل ميادين التحرير و تكاد الحركة تكون واحدة؛ مسيرات فاعتصام في ميدان رئيسي فمسيرات مرة أخرى مع تقسيمات مشابهة للأدوار للجموع الثورية و تحت نفس المظلة من الشعارات. بعض المناطق كانت أشد ثورية من أخرى إلا أن نمط الحركة يكاد يتطابق. إذن، على مستوى المكان الأكبر و هو مصر ككل كان هناك نمط ثوري واضح و على أي مكان جزئي منها لم يختلف النمط كثيرا بل و على كل مكان جزئي منه لم يختلف أيضا. فقد وصل المد الثوري بنفس الآليات المعتمدة على الضغط السلمي بالاعتصام رافعا نفس الشعارات إلى مؤسسات داخل المكان الواحد و إلى المؤسسات الأصغر التي تحتويها حتى لكان المرء يظن أن كل منها دولة لها نظام و رأس نظام لابد من الإطاحة به. الماتروشكا الثورية كانت واضحة و ما يسمى باعتصامات فئوية تضررنا منها كثيرا هي في الحقيقة نتيجة طبيعية للتشابه الذاتي كسمة مميزة لهذا النمط من الحركة التلقائية المسماة بالهيولية. و يستثنى من ذلك تلك الاعتصامات المبالغ فيها أحيانا لوضع النظام الجديد في حرج لصالح قوى سياسية أخرى.
هذا على مستوى المكان. أما على مستوى الزمان، و هذا هو الأكثر أهمية في تقديري و سيجيب على الأسئلة التي طرحتها سابقا، فإن التشابه الذاتي متحقق أيضا. فلو أخذنا يوما بعد نقطة الانفجار سنجد نمطا للحركة الثورية يكاد يطابق نمطها في الثمانية عشرة يوما يكاد يطابق نمطها في سنة. و رغم أن الهبات الثورية كانت متقطعة بعد الحادي عشر من فبراير إلا أن النظرة المجملة لسنة بعد هذا التاريخ تقول لنا أن الثورة ظلت مستمرة بنفس النمط على مستوى أي شهر أو أسبوع أو يوم من أيام هذه السنة. حتى و إن كانت أحداث هذا الزمن الجزئي بلا تحرك ضخم أو مظاهرات كبيرة تظل المقياسية متحققة. ففي تلك الفترات شبه الهادئة كان الفعل الثوري فيها ضاغطا يراقب الاستجابة و يستعد للمواجهة الجديدة. و هذا يمكن فهمه في إطار التنظيم الذاتي، الذي تبدت ملامحه العميقة على كل مقياس ممكن من خلال التشابه الذاتي، فهو يعمل دائما في الإتجاه الأقل استهلاكا للطاقة. لذا فهو يعمل بالهدوء و الترقب حينا و بالفوران و الضغط الشعبي حينا وفق درجة التهديد. و كان ذلك التداعي الضاغط للثوار و القوى السياسية يؤتي أكله كلما حدث تهديد كبير للثورة أو حدثت محاولة للنيل من مكتسباتها إما من خلال سيطرة مؤسسة ما أو حزب ما أو من خلال محاولة بقايا النظام إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
و لعل أحداث شارع محمد محمود تكون أكثر الأمثلة وضوحا. بل إن البعض، من شكل التداعي و المواجهة مع السلطة في هذه الأحداث، اعتبرها موجة ثانية للثورة بل و البعض اعتبرها ثورة ثانية و هي ليست كذلك فلو تـأملنا طبيعة تحركها لوجدنا تشابها كبيرا بينها و بين ما حدث في الثمانية عشرة يوما سواء على مستوى الشعارات و المطالب أو على مستوى التحرك على الأرض. و لم تهدأ تلك الموجة إلا بتراجع العسكر عن حلم الاستمرار في السلطة وتحديد موعد لتسليمها. و هناك أمثلة أخرى، و إن لم تكن بذلك الوضوح، كمظاهرات محاكمة رموز النظام السابق و غيرها و كلها تمثل وحدات زمنية عند جمعها و الإطلالة عليها بشمولية سنجد أن نفس النمط ينتظمها على كل فترة زمنية جزئية من فترة أكبر بعد تجنيب الشوشرة المتمثلة في صخب أصحاب المصالح من النظام القديم أو الصراع السياسي الذي أنتج الاستقطاب و أدى إلى استغلال الثورة و ميادينها لتصفية الحسابات أو لإثبات الذات أو للإقصاء، و لا يستثنى أي طرف من ذلك.
نحن إذن بصدد ثورة داخل ثورة داخل ثورة بنفس الأساليب و نفس المبادئ السلمية؛ الاعتصام، التظاهر الكبير أيام الجمعة...إلخ و لكن بتطورات جعلت التشابه أولى من التطابق. فنمط المقياسية قد طور من نفسه و تعددت أدواته فلم يعد الضغط في الميادين هو الأداة الوحيدة. فالإنتخابات مثلا أصبحت أداة؛ فكونها تسقط شفيق في انتخابات الرئاسة أزالت بذلك عقبة ضخمة كانت ستعطل الثورة. إذن، و بمرور الزمن، يتغير النمط الثوري و لو بشكل بسيط مما جعل، و بلغة التشابه الذاتي، الأنماط داخل الأنماط تتغير؛ و يمكننا القول بأنها تتطور و في نفس الوقت تحافظ على هويتها فهذه الأنماط ما هي إلا الجاذب الغريب المتميز على كل مقياس ممكن؛ هي هوية المجتمع؛ غايته و الهدف من وجوده و التي تتأكد على مستوى كل مكان و كل زمان.
إذن نستطيع القول بأن جملة "الثورة مستمرة" ليست أملا بل هي حقيقة علمية. فالتنظيم و التشابه الذاتيين و من ورائهما مبادئ الثورة سيستمرون في الضغط على الحياة في مجتمعنا و سيظل ذلك التنظيم يبرز لنا المزيد من جوانب هويتنا و مبادئ ثورتنا كلما واجه العقبات. فبدون البيئة الخارجية للنبات بكل أخطارها لما حدثت التغذية العكسية و لا التطور الكاشف لخصائصه و الذي هو محصلة تلك المقاومة للواقع.
إن مصير الثورة و مجتمعنا لا نعلمه و لا يمكننا توقعه فهناك أكثر من مصير. ربما يصب المصير في إتجاه الغاية و تحقق الذات و ربما لا؛ فالصيرورة و التغير هما طبيعة الحياة. و لكننا لا يمكن أن ندعي أننا لا حول لنا و لا قوة فهناك وسط خضم الفوضى شيء ما ثابت؛ بصمة محددة بدت لنا بجلاء في ومضة رائعة في تاريخنا استمرت لثمانية عشرة يوما ثم عادت للاختباء تحت الشوشرة من جديد؛ تحت دناءات أنفسنا؛ تحت الطمع و الخوف و الانتقام و الإقصاء و التخوين و التكفير و التشرذم و المصالح السياسية و الحزبية و الشخصية الضيقة و التسلط و الغرور و ادعاء امتلاك الحقيقة و اليأس و الاستسلام و السلبية و الخمول و الكسل و الحنين للماضي و فساده.
إذن بأيدينا الاختيار و أمام أعيننا الغاية واضحة؛ وطن تبدت لنا ملامح وجهه فجأة ثم بأيدينا نحن خفتت بسبب تأثير الشوشرة التي نصنعها باختياراتنا. فكلما اخترنا أن نتحدى دناءة أنفسنا قلت الشوشرة و بدأت تبرز ملامح الوطن و صب مصيره في إتجاه تحقق ذاته. أما إذا استسلمنا لدناءتنا سادت الشوشرة و تبدد وجه الوطن و حلت الفوضى بحق.
و لكن ليس معنى اختيارنا للوطن و لمصلحته العليا و لثورته المجيدة أن الطريق سهل؛ الطريق صعب و الاختيارات مؤلمة و مصيرنا بعد كل اختيار مهما كان تافها سيتغير بشكل كبير. مصائر لا نهاية لها في انتظارنا و لاتنبؤية عاصفة ستلطمنا على طول الطريق. لكنه الثمن الذي لا بد أن يدفع من أجل وطن طال انتظاره للتحقق. و لكن رغم ذلك علينا أن نطمئن فلن نضل و سنصل إلى غايتنا، بمشيئة الله، طالما كانت خيارتنا و مهما كانت عواقبها في إتجاه ذلك المدار المحدد الذي يجذبنا نحوه دائما مهما حدث.
إن مهمتنا سهلة و صعبة في آن واحد. هي سهلة فالنظرية تزف لنا خبرا سارا بأن المنظومة المجتمعية و رغم حالة الاضطراب البادية إلا أنها على المستوى الشامل ستتجه دائما نحو الجاذب الغريب الذي يمثل الاستقرار أي نحو غاية محددة تمثل هويتنا المميزة، أي أننا لسنا بصدد التمزق و التبعثر كالعراق، فالاضطراب هنا له معنى و غاية فهو بناء خلاق في اتجاه هيكل تنظيمي ما هو هوية هذا المجتمع؛ ما خلق من أجله. فالمهمة سهلة لأن التنظيم الذاتي للثورة فاعل باستمرار و فاعليته تتمثل في قوة جذبه التي لابد ألا نقاومها، بالاستسلام للدناءات و تعمد سوء التدبير، لأنها تجذبنا من أيدينا نحو الجاذب الغريب الذي هو مستقبل مجتمعنا؛ غايته المرجوه منه و ذاته المفطورة فيه، بتلقائية و بجهد (كلما قلت مقاومتنا للجاذب) قليل منا. و كأننا في سفينة فضاء لديها مهمة سفر طويل و لديها كمية محدودة من الوقود و لكنها رغم ذلك يمكنها أن تنجح فكل ما عليها فقط أن تحرق من وقودها مقدارا ضئيلا بتقطع عند الضرورة ليدفعها دائما للسقوط في مجالات الجاذبية للكواكب في مسارها لتتكفل قوى الجاذبية بنقلها عبر تلك الكواكب.
غير أن مهمتنا صعبة أيضا لأننا يجب أن نراعي في تنظيمنا العمدي، الممثل في صياغة الدستور و بناء المؤسسات، ذلك التنظيم الذاتي و مبادئه حتى لا ننجرف بالثورة بعيدا أو نكون حجر عثرة في سبيل تقدمها. و هذا ببساطة يعني أن نجاهد دناءات أنفسنا و غرورنا و تسلطنا و ننصت لنبض الثورة و نتفحص مسارها التلقائي و نغير طريقة تفكيرنا وفق ذلك للننفذ ما تمليه علينا.
إذن مهمتنا و كل خيارتنا تقتصر فقط على تهيئة الواقع لها و إزالة العقبات من أمامها و مساعدتها على الإنطلاق في مسار تنظيمها ذاته و ذلك عن طريق صياغة دستور ملائم و بناء مؤسسات قوية فاعلة.
إن ما سنفعله هو ما يقوم به الفلاح في الزراعة من إزالة حشائش و مقاومة آفات و إمداد بالماء و السماد ليخرج النبات وفق قوانينه و إرادته. و الفلاح إنما يراعي و يراقب ليسرع النتائج و يعظم من الثمار كمية و جودة. يرى آفة ما تتهدده فيقاومها، يرى غصنا ما يكافح في إتجاه الشمس فيمد له سلكا ليساعده. كما نفعل بالضبط في التعامل مع المواهب البشرية؛ نعرض طفلا ما لكافة الأنشطة فنجده يختار نشاطا كالرسم مثلا و نكتشف أنه موهوب فيه فنعطيه الأقلام و الألوان. نحن لا نملي عليه ما يفعل، قد ندخله مدرسة أو معهدا لصقل موهبته و تسريع إنجازه غير أننا بذلك نمهد له الطريق و نساعده و حسب ثم نتركه يحدد مصيره.
و الثورة لا تريد منا أكثر من ذلك؛ الرعاية و المساعدة و تذليل العقبات. ليس علينا احتكارها أو أدلجتها أو إملاء شروطنا عليها. علينا فقط أن نؤمن بها و أن نطوع إرادتنا و اختيارتنا في اتجاهها ليتحقق المصير المرجو؛ لتتحقق ذات الوطن و ذواتنا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شاهد: تجدد المواجهات بين الشرطة والمتظاهرين في ولاية مينيسوت


.. مرض شاغاس أو مرض النوم يصيب الفقراء في 36 بلدا أفريقيا


.. الظابط زكريا يونس عرف يوصل للإرهابي قبل تفجير عبوة ناسفة وسط




.. شاهد: الشرطة الأمريكية تفرق بالقوة متظاهرين غاضبين من قتلها


.. فيديو: الشيوعيون يحيون الذكرى 60 لرحلة يوري غاغارين إلى الفض