الحوار المتمدن - موبايل


ثورة يناير و نظرية الفوضى 1

جمال الدين أحمد عزام

2012 / 12 / 16
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


ثورة يناير و نظرية الفوضى (1)

منذ استخدمت كونداليزا رايس مصطلح الفوضى الخلاقة لتبرير غزو العراق تسمم المصطلح تماما و اقترنت نظرية الفوضى بكل ما هو تدميري. و أصبحت الأذن الغير علمية شديدة التحسس لكل ما يتعلق بهذه النظرية رغم كونها من الناحية العلمية لا تنطبق على ما حدث في العراق بتاتا. فإذا بنا أمام شيء مشابه لاستخدام الدين في تبرير المسلك السياسي إلا أن الدين استبدل بالعلم هذه المرة. و كأن رايس كانت تريد أن تقول أن ما قاموا به في العراق هو محض عملية علمية.
و لكن، و رغم أن كل ما يتعلق بنظرية الفوضى سياسيا غدا مثيرا للريبة كونه مؤشرا لدى العامي على تدخل أمريكي أو غربي ما، إلا أن النظرية العلمية لا دخل لها بذلك، خاصة و أنها تكاد تكون رصدا واقعيا للعديد من الظواهر الفيزيائية و الإنسانية. لقد تعدت نطاق النظرية منذ زمن بعيد إذ أننا نكتشف في واقعنا كل يوم أن ما ألفناه من فوضى في كثير من الظواهر بوجه عام إنما كان محض وهم. فهناك دائما أنماطا رياضية تتبعها تلك الظواهر فالنظام مستبطن فيها. مما يضعنا في تحد دائم كلما واجهنا فوضى ما للفحص و التدقيق لنستخلص ما استبطنته من نظام.
و لأن الساسة يستغلون جهل العامة بتفاصيل النظريات العلمية فإن الكثير من إستخداماتهم للعلم لتبرير السياسات بل و الجرائم قد تنطلي عليهم بسهولة. أما بالنسبة للمتخصص فإن هناك تفاصيل و ملامح و سمات عند توافرها في الظاهرة محل الدراسة تجعل حكمه على كونها تخضع للنظرية أم لا حكما صحيحا.
أول هذه السمات أن تكون المنظومة محل الدراسة حساسة للتغيرات الأولية الطفيفة و التي ستتنامى لتتسبب في تغيرات ضخمة بمرور الزمن فيما يعرف بـ "تأثير الفراشة"[1].
و لكي نفهم هذا التأثير يمكننا إجراء تجربة بسيطة. فلو تصورنا سيارتين تنطلقان متجاورتين ثم رصدناهما بعد قطعهما مسافة كبيرة نسبيا سنجدهما ابتعدتا عن بعضهما قدرا ضئيلا. و كلما طالت المسافة إزداد التباعد حتى يصبح هائلا. و ذلك مرجعه أن السيارتين لم تنطلقا متوازتين تماما. نحن ظننا ذلك في أول الأمر لأننا لم ندقق جيدا و لم نحكم التوازي فظل الفارق يزداد باطراد. و هذه الظاهرة تم تلخيصها في الجملة المشهورة،" إن خفق جناح فراشة في منطقة ما من العالم قد يتسبب في إعصار في منطقة أخرى تبعد كل البعد عنها".
إن الترجمة الرياضية لهذه السمة تعني ببساطة أن المنظومة محل الدراسة تتميز بديناميكية لا خطية، و معظم النظم الواقعية هي في الحقيقة لاخطية. و قد قام إدوارد لورينز بشرح اللاخطية من خلال معادلات ساقيته الشهيرة [2] حيث تتسبب زيادة سرعة الماء الساقطة على الساقية من أعلى لملئ دلائها المثقوبة إلى تحول حركتها الخطية، التي تتناسب فيها سرعة سقوط الماء مع سرعة الدوران تناسبا طرديا تاما، إلى حركة ترددية بالدوران مع و عكس عقارب الساعة بالتناوب ثم مع زيادة سرعة سقوط الماء عن حد معين (نقطة الإنحدار[3]) تصبح حركة الساقية غير قابلة للتنبؤ تماما. فزيادة سرعة الماء الساقط هي التي تزيد لا خطية النظام حيث يتزايد التأثير المتبادل لعمليتي التحفيز و التخميد. فبينما يحفز الماء الساقط من أعلى على الساقية المنظومة من خلال تسريعه لدورانها في إتجاه ما يعمل ثقل الدلاء الممتلئة في الجهة البعيدة عن صب الماء و التي لم تمكن من إفراغ حمولتها لشدة سرعة الدوران يعمل على تخميدها و دفع الساقية للدوران في إتجاه معاكس.
و قد قدم لورينز حلولا رقمية للمسألة كما أنه اختبر تغير شرط من شروطها الأولية تغيرا طفيفا فوجد اختلافا هائلا في النتائج مما جعل الأمر واضحا بالنسبة له؛ لا خطية المنظومة و المتمثلة في عمليات التغذية العكسية حيث تؤثر المخرجات على المدخلات هي السبب في تعظيم التغيرات الأولية الطفيفة.
إن أهمية سمة اللاخطية تكمن في أنها سمة ذاتية أي أن اللاخطية ذاتية في المنظومة. و بالتالي فإن تأثرها باضطراب خارجي طفيف يتم هضمه فيها و معالجته بدينامكيتها ليسري فيها متعاظما و لكن وفق نمط ثابت. فمهما اختلفت النتائج محليا يظل النمط العام واحدا و هو ذلك المنحنى (إن اتخذنا مسألة الساقية كمثال) الذي لا يتقاطع مع نفسه أبدا و لا يقف عند نقطة و يظل يسري في فضاء ثلاثي الأبعاد داخل مساحة محدودة صانعا ذلك الشكل المميز الشهير لجناحي فراشة [4].
و هذا يدفع المرء للتساؤل: كيف نحكم على الفوضى البادية أمام أعيننا من أنها فوضى لا معنى لها أي مجرد شوشرة أم أنها فوضى منمطة خلاقة تمثل الطبيعة الديناميكية للمنظومة؟ و للتفرقة بين الحالتين لفظيا أسمى العلماء الفوضى من النوع الأول فوضى أو شوشرة، و سأختار شوشرة، أما الفوضى من النوع الثاني فيحلو للبعض تسميتها هيولية (كلمة يونانية تعني الأصل المادي أو الجوهر الذي ينتظم كل مخلوق مادي آخر، حيث تدعي هذه النظرية أنها تقدم الأساس في تكون الأنظمة و التراكيب المختلفة في الكون).
أما للتفريق بين الحالتين علميا فإن ذلك يتتطلب فهم مصطلح شائع عند التعرض لهذه النظرية و هو "الجاذب الغريب" [5] الذي يعني بالضرورة وجود ما يسمى بالـ"تنظيم الذاتي التلقائي". إن هذا المصطلح يعني ببساطة خضوع الاضطراب الظاهري لنمط تتدفق فيه المعلومات عبر المنظومة بطريقة رغم أنها غير قابلة للتوقع إلا أنها تتمتع بهيكل تنظيمي عام واضح تقوم فيه عمليات التغذية العكسية التلقائية بالبناء في إتجاه هذا النمط أو كما أسماه الرياضيون الجاذب الغريب. فإذا لم تتوفر سمة التنظيم الذاتي التلقائي كان الاضطراب مجرد شوشرة لا معنى لها و قد تكون هدامة. و تقوم معظم النظم في الطبيعة بالتخلص من تلك الشوشرة عن طريق امتصاصها في تنظيمها الذاتي من خلال التغذية العكسية فإذا حاولت الجنوح بالنمط من خلال اضطراب ما أنتجت التغذية العكسية اضطرابا آخر يلاشيه ليظل النمط المستقر (و هو مفهوم جديد لاستقرار الأنظمة الديناميكية يعني الاستقرار على نمط اضطرابي و فيه تكون المنظومة غير قابلة للتنبؤ على المستوى المحلي بينما على المستوى الشامل مستقرة) ماثلا دائما على خلفية من الشوشرة [6].
إذن يمكن القول بأن أول سمات الحركة الهيولية هي التنظيم الذاتي التلقائي الذي يعني بالضرورة لاخطية المنظومة و من ثم حساسيتها للاضطرابات الأولية الطفيفة و قدرتها على التطور و إنتاج المعلومات و مقاومة الشوشرة و العوامل الخارجية و كلمة السر في ذلك هي الذاتية التلقائية.
و هناك سمة أخرى مميزة للحركة الهيولية و هي "التشابه الذاتي" و هو ترجمة لمصطلح آخر هو "المقياسية" [7] الذي يعني ببساطة ثبات خاصية ما على كل مقياس صغيرا كان أم كبيرا. و بتطبيق هذا المفهوم على الهيولية فإن ذلك يعني تكرار النمط الهيولي ( تكرار غير مطابق تماما) الذي ينتظم المنظومة على كل مقياس ممكن. بمعنى أنه بالتقسيم لوحدات زمانية أو مكانية و في قلب ذلك الخضم المتلاطم من اللاتنبؤية يظل النمط هو نفسه (إلى حد ما) عند رصده على مستوى الكيلومتر أو على مستوى المليمتر، على مستوى السنة أو على مستوى الثانية. هذا يشبه دمى الماتروشكا الروسية؛ دمية داخل دمية داخل دمية و لكن إلى مالانهاية و بدلا من تطابق الدمى تكون متشابهة، ففي النظم الحقيقية لا يوجد تطابق ذاتي و إنما تشابه ذاتي.
و الفرع من الهندسة الذي يدرس تلك الخاصية يسمى "الهندسة الفراكتالية" [8] التي تتعامل مع منحنيات لا نهائية الطول لا تتقاطع مع نفسها أبدا و في النفس الوقت تشغل مساحة محدودة. و سيشعر القارئ أنه قرأ تلك الجملة من قبل و هذا صحيح فهذا هو بالضبط وصف منحنى لورينز. و قد ترجمت الهندسة الفراكتالية المقياسية بما يسمى "البعد الكسري" [9] الذي يحدد طبيعة عدم الاستواء. فمنحنى لورينز لكي يتمتع بالصفات المذكورة لابد أن يحمل خصائص كسرية غير مستوية خلافا لمنحنى إقليدي كالدائرة مثلا فهي و إن تمتعت بالتطابق الذاتي إلا أن طولها محدود و لا يأتي التكبير لمنحناها بأي تفاصيل أدق. أما منحنى لورنز فيمكن تشبيهه بمنحنى كوخ الشهير [10] ( منحنى يحتاج في رصده إلى أكثر من البعد الواحد فهو يشغل مساحة و أقل من البعدين فهو ليس مساحة) و هو منحنى عاصف بالحدس لأقصى مدى. فمع التكبير تتبدى لنا نفس نتوءاته المثلثية التي كانت غير واضحة و يظل طوله في إزدياد لا نهائي؛ فحتى لو أخذنا قطعة ضئيلة منه؛ مسافة صغيرة بين نقطتين فيه؛ سيكون طولها لا نهائي.
و لعل خير مثال على منحنى فراكتالي طبيعي هو أمعاء الإنسان أو جهازه الدوري حيث تظل التلافيف هائلة تمتد دون أن تتقاطع و لكنها تشغل حيزا محدودا لاستغلال المساحة على أفضل ما يكون لتحقيق هدفها الفسيولوجي مما يتطلب أن تكون مركبة من أشكال غير مستوية كسرية تحافظ على شكلها مهما بلغت درجة التكبير أو التصغير.
أنماط داخل أنماط تشبهها، هذه هي السمة الأساسية للنظم الهيولية الواقعية و كأن التطور الديناميكي للنظام لديه خاصية المعاودة أو المرجعية الذاتية أو الخطة الفطرية التي ترشده في رحلته.
إذن، صحيح أن الفوضى بادية و عدم القدرة على التنبؤ محليا لا مراء فيها. و لكن هناك هيكل محدد ينتظم هذه الفوضى؛ هناك شيء ما يكرر نفس الإضطرابات على كل مقياس ممكن.
و من ذلك يمكن التقاط ملمحين؛ الأول هو أن الهيولية نقلت بؤرة الإهتمام إلى الهياكل الحاكمة و الأنماط العامة. مهمة العلم تطورت إذن و لم يعد يتعامل مع الموضوعات بالتجزئة و لم تعد فروعه متمايزة منفصلة. فإن نمطا عاما تمثله حركة بندول، على سبيل المثال، يمكن أن يكون هو نفسه النمط الذي تسلكه آلة جبارة معقدة أو الذي يحكم تكاثر الكائنات الحية أو الذي يقود حركة إنسانية لا تنتمي لعلم الفيزياء تماما. لقد تحول العلم كله إثر هذه النظرية للنظرة العامة و الخروج من دائرة التفاصيل الصغيرة المعقدة إلى رحابة العمومية التي مكنت العلماء من التعامل مع نظم شديدة التعقيد برياضيات شديدة البساطة.
الملمح الثاني هو أن هذه النظرية الجديدة تقدم مفهوما جديدا للتغير يضرب مفهوم الهيجيلية، الذي تسيد الساحة المعرفية لوقت طويل، في الصميم؛ فهناك بالفعل تغير دائم و صيرورة دائمة و تطور دائم و كل ذلك ناجم عن تفاعل الأضاد، كتفاعل التحفيز و التخميد في النظم اللاخطية، إلا أن ذلك يجري وفق نظام و مرجعية ذاتية (هوية) في النظم نفسها. فصحيح أننا لا ننزل النهر مرتين إلا أن هناك شيء محدد نعرفه و هو النهر.
و الخلاصة هي أن التنظيم الذاتي و التشابه الذاتي هما سمتان مميزتان في المنظومة الخاضعة لنظرية الهيولية. و يمكن الاكتفاء بالتنظيم الذاتي (كما هو معروض هنا) كسمة أو شرط لخضوع منظومة ما لنظرية الهيولية. فتحقق التنظيم الذاتي في المنظومة يعني تحقق جملة من الخصائص تؤدي إلى النمط الهيولي أو الجاذب الغريب الذي لابد أن يتمتع بالتشابه الذاتي.
و بناء على كل ما تقدم سيتضح لنا أن ما حدث في العراق لا يمت بصلة للفوضى الخلاقة لأنه ببساطة ينتمي إلى الشوشرة أو بلغة رايس الفوضى الهدامة. فليس هناك أدنى ذاتية أو تلقائية فيما حدث. هناك تنظيم و هناك خطة و غاية لكنها لا تنبع من ذاتية العراق بل من صقور واشنطن. التنظيم مصنوع و التدمير ممنهج و الغاية واضحة؛ محو العراق من على سطح أرضه و استنزاف ما في باطنها.
لذا نستطيع بهدوء أن نزيل ذلك السم من مصطلحات كـ"الفوضى الخلاقة" و "نظرية الفوضى" لتكون محاولة رصدها في ظواهر إنسانية أخرى و بخاصة سياسية أمرا علميا خاليا من اللعنة الكونداليزية التي يبدو أنها ستأخذ وقتا طويلا قبل أن تزول.

المراجع:
[1] الهيولية تصنع علما جديدا - تأليف: جيمس جليك - ترجمة: علي يوسف علي - المجلس الأعلى للثقافة - المشروع القومي للترجمة 2000- ص 32.
[2] نفس الكتاب- ص 38.
[3] نفس الكتاب- ص 51.
[4] نفس الكتاب- ص 40.
[5] نفس الكتاب- ص 114.
[6] نفس الكتاب- ص 148.
[7] نفس الكتاب- ص 77.
[8] نفس الكتاب- ص 85.
[9] نفس الكتاب- ص 85.
[10] نفس الكتاب- ص 86.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شاهد: تجدد المواجهات بين الشرطة والمتظاهرين في ولاية مينيسوت


.. مرض شاغاس أو مرض النوم يصيب الفقراء في 36 بلدا أفريقيا


.. الظابط زكريا يونس عرف يوصل للإرهابي قبل تفجير عبوة ناسفة وسط




.. شاهد: الشرطة الأمريكية تفرق بالقوة متظاهرين غاضبين من قتلها


.. فيديو: الشيوعيون يحيون الذكرى 60 لرحلة يوري غاغارين إلى الفض