الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تحديات المنتدى الاجتماعي العالمي

ماجدة تامر

2005 / 3 / 17
العولمة وتطورات العالم المعاصر


قبل فترة قريبة انعقد بشكل متزامن مؤتمران دوليان مهمان أحدهما في دافوس ، والآخر في بورتو أليغري . ومع أن الحديث الآن عن هذين المؤتمرين قد يبدو متأخراً بعض الشيء إلا أن القضايا التي طرحاها تبقى مفتوحة مع الزمن، كما أن هذا النوع من الظواهر في المشهد السياسي العالمي لا ضرر في أخذ مسافة زمنية منه لتشكيل رؤية واضحة لا تتوافر كل مقوماتها عادة إلا بعد أن ينفضَّ كل شيء وتسجّل ردود الفعل تباعاً عليه.

المؤتمر الأول يسمى رسمياً "المؤتمر الاقتصادي العالمي"، وقد درج على الانعقاد منذ عام 1971 في منتجع يعد واحداً من أكثر منتجعات التزلج التي يؤمها أصحاب الثروة الفاحشة في سويسرا، التي تعد هي في حد ذاتها أحد أكثر البلدان تمثيلاً لرأسمالية البنوك وعالم المصارف والسندات.

أما المنتدى الثاني فهو "المنتدى الاجتماعي العالمي"، والدورة التي نظمت مؤخراً هي الخامسة في دوراته، وتستضيفه مدينة العمال الأكبر في بلد من بلدان الجنوب الصاعدة بقوة، ونعني البرازيل.

ومن الطبيعي أن يكون كبار ملاك ومديري الشركات متعددة الجنسيات في مقدمة الصفوف في مؤتمر دافوس، في حين يأتي في المقدمة في مؤتمر بورتو أليغري النقابيون، والمنظمات غير الحكومية، ونشطاء العمل الاجتماعي، ومناهضو العولمة من كل صنف ولون، هذا إضافة إلى المثقفين ذوي المسحة اليسارية وأحياناً اليسارية جداً.

ولم يكن التزامن في كل مرة بين المؤتمرين مجرد صدفة بالطبع بل سعى إليه بإصرار منظمو منتدى بورتو أليغري، إذ حرصوا على جعل منتداهم مزامناً ومنافساً في الوقت نفسه لمنتدى دافوس.

إن الهدف المعلن من قبل اليسار العالمي وخصوم العولمة لمنتداهم هو كسر الاحتكار الثقافي الذي ما فتئ دعاة الليبرالية الاقتصادية يمارسونه في اجتماعاتهم المغلقة والنخبوية بشكل استعراضي، وأيضاً للدفع إلى الأمام بالمطالب التي يرفعها منظمو المنتدى بخصوص التجارة العالمية، ومؤدى تلك المطالب ألا تطغى الروح التجارية والرأسمالية المتوحشة وقوانين السوق العمياء على الاهتمام بالمسائل الاجتماعية، التي يرى هؤلاء ضرورة وضعها في الحسبان من قبيل مشكلة الفقر، وانتشار المجاعات، وانعدام مياه الشرب، والكوارث الناجمة عن الأوبئة والبطالة وغيرها.

إننا حين نتحدث عن هذين المؤتمرين نتحدث في واقع الأمر عن رؤيتين مختلفتين بشكل جذري للعولمة تقتسمان عالم اليوم، ففي دافوس، ينظر إليها ليس فقط باعتبارها قدراً محتوماً بل بصفتها نعمة من النعم الإلهية التي تشرق شمسها على الجميع. وأما في بورتو أليغري ينظر عادة إلى العولمة على أنها مصدر كل أنواع البؤس والشر المستطير. ولكن التعارضات بين القمتين، التي تقبع وراءها كل تناقضات عالم منقسم على نفسه كعالمنا، هي مع ذلك أقل حدة وعمقاً مما قد يبدو لنا لأول وهلة.

لقد كان الشعار الذي هتف به الآلاف في بورتو أليغري، هو "إن بناء عالم آخر أمر ممكن" وهو شعار يلخص برنامج عمل المنتدى تقريباً. أما في دافوس فإن ما يتم تداوله هو عادة، قضايا اجتماعية لم يتم التركيز عليها بما فيه الكفاية في برامج الحكومات. وقد وصل المنظمون مع مرور الوقت إلى قناعة بأن منطق السوق لو ترك على حاله يعمل بميكانيكية عمياء يمكن فعلا أن تنجر عنه نتائج بالغة السلبية حتى على الرأسمالية نفسها.
وهنا يصل التنافس بين دافوس وبورتو أليغري إلى قمته، فهل يمكن القول إن أحدهما مؤهل للفوز بجعل نفسه ناطقاً بلسان حال شعوب العالم أكثر من الآخر؟

إن أقل ما يمكن قوله هنا هو أن منتدى دافوس أعطى الانطباع خلال السنوات الثلاث الماضية بأنه قادر على الاستمرار وبنفـَس جديد من واقع أهمية الموضوعات التي تناقش فيه، وخاصة لقدرته على جذب حضور هو الأكثر تميزاً في عالمنا هذا من رؤساء دول، وحكومات، ووزراء، ورؤساء مجالس شركات عالمية الانتشار وغيرهم ممن أصبحوا حريصين على التواجد في ذلك المنتجع السويسري، لزوم لفت الانتباه ولمتطلبات الوجاهة. أما المنتدى الاجتماعي العالمي فيبدو أنه خلال نفس الفترة فقد جزءاً ولو يسيراً من حماسه وزخمه، ولذا يسعى القائمون على تنظيمه إلى استعادة شيء من ذلك من خلال تنظيم دورته القادمة ليس في بورتو أليغري ذاتها، وإنما على امتداد ثلاث قارات في الوقت نفسه.

وإذا كان المجتمعون في دافوس هم من يمتلكون القرار والسلطة في عصر العولمة، فإن ناشطي بورتو أليغري وأنصارهم هم من بيدهم في النهاية توجيه وهندسة المآلات السياسية للعولمة ومشتقاتها المختلفة. فبوجود 15 ألف مشارك و2500 ورشة نقاش مختلفة وفي موضوعات متنوعة من الطبيعي أن يكون منتدى بورتو أليغري بمثابة مختبر ثقافي دولي يسمح بتشكيل تصورات لا حدود لها حول مشكلات العالم السياسية والاجتماعية بشكل لا يضاهى.

ولحسن الحظ يبدو أن الرئيس البرازيلي " لولا دا سيلفا " قد جمع بعض الخيوط بين المنتديين وربما سعى بطريقة ما لتوصيل رسالة أحدهما إلى الآخر. فقد شارك في منتدى بورتو أليغري الذي ينعقد على أرض بلاده، وقدم برنامجاً عالمياً يهدف إلى الحد من الفقر يدعمه تحالف سياسي دولي واسع من النقابات والمنظمات غير الحكومية، ثم طار بعد ذلك مباشرة إلى منتجع دافوس وقدم طرحاً في نفس الاتجاه تقريباً.

لقد أثير في دافوس موضوع تجاري شائك هو تأثير الضرائب على التنمية العالمية، وكان مجرد حديث رموز الثروة والسلطة في هذا الموضوع اختراقاً أثبت أن المنتدى الاقتصادي العالمي لا تنقصه المرونة ولا يحجم عن مناقشة أية مسألة ذات طابع اجتماعي حتى لو كانت المصالح ووجهات النظر، مختلفة بشأنها. ولكن هذا الموضوع يعود الفضل في تبنيه أصلاً إلى منتدى بورتو أليغري حيث درجت المنظمات غير الحكومية على المطالبة بفرض ضرائب معينة تترتب على حركة البضائع ورأس المال بغية تمويل برامج التنمية في الدول الفقيرة.

إن التحدي الذي تواجهه الحركة المناهضة للعولمة هو مدى قدرتها على تجديد طرحها وتحديد أجندتها بشكل يبعث فيها دماء جديدة باستمرار.
مع أن بعض مطالبها أصبح تقليدياً ومعروفاً على نطاق واسع، مثل تلك الدعوة البسيطة والمشروعة في نفس الوقت إلى توفير مياه الشرب للجميع على نطاق عالمي، إلا أن بعضها الآخر لا ينال القدر ذاته من الإجماع عليه مثل سعي مناهضي العولمة للحد مما يسمونه "الجنات الضريبية" التي يتنعم في خيراتها الأغنياء ويعاني من جحيم قساوتها الفقراء وأيضاً مثل دعوتهم التي تزداد يوماً بعد يوم إلى نقل مقر الأمم المتحدة من مدينة نيويورك - بسبب العداء الأميركي التقليدي للمنظمة الدولية - إلى آخر ما هنالك من مطالب.

ومفهوم أن كثيراً من الدعوات التي تقال في بورتو أليغري ستهجر وتنسى، وستتساقط حتماً أفكار كثيرة وحركات أكثر على جنبات الطريق. ولكن في المقابل ستتحقق أفكار عديدة مما يطرحه أولئك الحالمون الثوريون في تظاهراتهم الصاخبة، وسنراها تترجم على أرض الواقع العالمي خلال سنوات قليلة.

وهنا تبدو أهمية هذا المنتدى باعتباره بمثابة مختبر عالمي مفتوح في الهواء الطلق لإطلاق الدعوات و الأفكار المناهضة للعولمة الرأسمالية ، من خلال تعبئة شعبية عالمية هي وحدها القادرة على ليِّ أذرع الحكومات وإفهامها أن ثمة دوراً يتعين عليها لعبه لتحويل أحلام الشعوب إلى وقائع على الأرض، ومن خلال إقناعها بأن عليها أن تكون طرفاً فاعلا في الاستجابة لنداء المستقبل الإنساني.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مسؤول إسرائيلي: إذا لم يحدث تقدم في مباحثات القاهرة سننتقل إ


.. محمود ماهر يخسر التحدي ويقبل بالعقاب ????




.. لا توجد مناطق آمنة في قطاع غزة.. نزوح جديد للنازحين إلى رفح


.. ندى غندور: أوروبا الفينيقية تمثل لبنان في بينالي البندقية




.. إسرائيل تقصف شرق رفح وتغلق معبري رفح وكرم أبو سالم