الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


في ذكرى ميلاد المولدي زليلة (عمّ خميّس):

شاهين السّافي

2013 / 1 / 8
الادب والفن


في ذكرى ميلاد المولدي زليلة (عمّ خميّس):

رسالة إلى "عمّ خميّس":"بابورْ زمّرْ شقْ البحَرْ"..




"عمّ خميّس"،
تحيّة شعريّة تعبق بأريج قصائدك،
قد لا تكون تعرفني، ولكنّي أعرفك جيّدا.. أعرفك كما لو كنتُ عشتُ معك زمنا طويلا. أعرفك وكم تمنّيتُ لو كنتُ يوما أحد أصدقائك الخلّص، ولكن شاءت الأقدار أن تفارق الحياة قبل أن أكحّل عينيّ بمرآك وأظفر بلقائك ولو لحظة واحدة.

العزيز "عمّ خميّس"،
حين أمسكتُ القلم لأخطّ خربشات على بياض ورقة لأوّل مرّة في حياتي، كان "عنترة الفوارس والشّعراء" ماثلا أمامي شاعرا وبطلا في آن، وكنتُ أبحث عن رموز، عن شعراء أبطال في بلدي يذكّرونني بملاحمه، فحال الحصار الجائر المضروب عليك وعلى إبداعك دون أن أعثر عليك.


العزيز "عمّ خميّس"،
شاءت الأقدار أن يكون لي صديق ورفيق رائع مثلك، وهو ابن جزيرتك "قرقنة"، إنّه المناضل فتحي الشّفّي، ولا أظنّك إلاّ تعرفه حقّ المعرفة. حكى لي عنك كثيرا بنبرة ملؤها الحبّ والإحترام –وهي نفس النّبرة التي يتحدّث بها عنك كلّ من يعرفك عن قرب- فقلت: "أريد أن ألتقيه لأنهل من معين تجربته في الشّعر والكفاح"، ولكن حالت منيّتك دون تحقيق رغبتي الجامحة في لقائك. لقد رأيت فيك صورة عنترة، الشّاعر والبطل، وغمرني حنين طوفانيّ إلى الطّفولة الطّاهرة كالثّورة التي طالما حلمتَ بها وآمنتَ أنّها آتية لا ريب.


العزيز "عمّ خميّس"،
أ تعرفُ لِمَ كنتُ في حاجة إلى صورة "شاعر" يجمعُ بين الشّعر والبطولة؟ لأنّي من الذين دفعهم القدر –مثلك- إلى أن يكونوا شعراء. ولأنّي من الذين اختاروا –مثلك- أن يرفعوا الــ"لاّ" العريضة في وجه الطّغيان، وأن يتحلّوا بالصّبر والجلد الكافيين للمضيّ في هذا الدّرب الصّعب والعذب. ولأنّ الجمع الرّائع بين "الشّعر" و"البطولة" نادر في زمن القبض على الجمر.

كانت صورتك رمزا أحترمه –بعيدا عن "التّقديس" الذي لا أظنّك إلاّ رافضا له- ومثالا أحتذي به، مع الإبقاء على المسافة النّقديّة الضروريّة بيني وبينه. لقد كنتُ في حاجة إلى هذه الصّورة النّاصعة، تشحذ همّتي، وتنشلني من هوّة اليأس التي وقع فيها البعض. لستُ أبالغ إذا قلتُ إنّ كلّ تضييق بوليسيّ تعرّضتُ له كانت صورة صمودك ترفرف أمامي –مع صور أخرى لصامدين آخرين- تنسج ابتسامة على وجهي وبرقل في عينيّ أربك غطرسة الجلاّدين وردّهم على أعقابهم خائبين.

رفيقي "عمّ خميّس"،
أقول "رفيقي" بأعلى صوتي –علما وأنّي لا أقولها لأيّ كان- أقولها لك لأنّك فعلا رفيقي ورفيق كلّ شاعر حرّ وكلّ انسان اختار أن يقاوم ظلم الظّالمين. أقول "رفيقي" لأنّك كنتَ من الذين قاوموا الإستعمار الفرنسي ببسالة، شعرا وممارسة، ولأنّك حملتَ بارودتك سنة 48 ذودا عن درّة العروبة "فلسطين"، ولأنّك كنت في طليعة المؤسّسين لأوّل التّنظيمات اليساريّة الثّوريّة في القطر، ولأنّ الطّعنة الغادرة التي تلقّيتها ذات يوم وسنوات السّجن والمنفى لم تزدك إلاّ إصرارا على مواصلة الدّرب الصّعب-العذب: درب الكفاح من أجل تحرّر الوطن من البحر إلى البحر..

رفيقي "عمّ خميّس"،
قلتَ ذات قصيد:

"قلْمي هديّه
للمحرومينْ مِ الحريّه
لا يرتجي في فخرْ ولا مزيّه
ولا بالتّشهيرْ آنا وآنا
وللطّاغي والجبّار قلمي أذيّه
ثعبان أحمى سامّاتْ سنانه"

وهذا هو "دستور" كلّ صاحب قلم يحترمُ قلمه فلا يترك نقطة حبر واحدة تحيد عن مسار الثّورة إيمانا وتبشيرا بها، وتبيانا لحتميّتها، وإعلانا عن جوهريّتها في طريق الشّعوب إلى التّحرّر والإنعتاق من كلّ أشكال الطّغيان. كما أنّه لا يترك نقطة حبر واحدة إلاّ حوّلها إلى سمّ زعاف يمزّق أحشاء الطّغاة ويتّخذ لهم من مزبلة التّاريخ مقبرة..


.. وهبّ شعبنا في تونس –مثلما حلمتَ- كالأمواج الهادرة، وأنهى عهد طاغية عمد أزلامه، ذات زيارة له لجزيرتك "قرقنة"، إلى محو صور لأبطال كنتَ رسمتها بيديك وعلّقتها على جدار منزلك الذي كتبت عليه "منزل الجميع". الآن فُكّ الحصار على إبداعك وصرنا نحتفي به بكلّ حريّة، وقد بعثت في أمّ الجزر "قرقنة"، جمعيّة أخذت على عاتقها التّعريف بك وبإبداعك الخالد، هي "جمعيّة أحبّاء عمّ خميّس"، وإن لم تصلك الأخبار، فإليك ما قاله تلميذك وابنك ورفيقك الشّاعر صلاح بوقدر:

وصْلتّكْشي أخبار الثّوره
كان تعرفْ م القبرْ تثورْ
نتفكّرْ منْ وقتْ الصّغره
تحكـيلنا عليــها مبهــورْ
ونـتفكّـــرْ تْحِــدْ النّبْــره
وْتهبلْ م الــرّدْ المبتــورْ
وتـقولــلنا: جايه الثّـوره
وتحتْ كلامي حطّوا سطورْ
......


رفيقي "عمّ خميّس"،
"بابورْ زمّرْ شقْ البحرْ"
صفّر البابور يشقّ عباب البحر لا تثنيه العواصف والأمواج الهائجة عن مواصلة الطّريق. هكذا أنت، وهكذا علّمتنا، وهكذا هو مسار الشّعوب، وإنّ أمّة يولد من رحمها شاعر مثلك ستظلّ جذوة الثّورة ملتهبة في وجدانها لا تموت، وإنّ شعرا كالذي أبدعته سيظلّ منارة يسير على هديها أبناء شعبنا التّائقين إلى التحرّر والإنعتاق. غادرتنا يا رفيق الشّعر والدّرب الصّعب-العذب، ولكنّ شعرك مازال يناضل من أجل "الحلم".

"عمّ خميّس"،
سألقاك ذات يوم.

ابنك ورفيقك
الشّاعر شاهين السّافي








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الأهلي هياخد 4 ملايين دولار.. الناقد الرياضي محمد أبو علي: م


.. كلمة أخيرة -الناقد الرياضي محمد أبو علي:جمهور الأهلي فضل 9سا




.. فيلم السرب لأحمد السقا يحصد 34.5 مليون جنيه إيرادات


.. … • مونت كارلو الدولية / MCD جوائز مهرجان كان السينمائي 2024




.. … • مونت كارلو الدولية / MCD الفيلم السعودي -نورة- يفوز بتنو