الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عُتمة الزوايا (2) - لعبة الذكريات

محمد البوعيادي

2013 / 1 / 10
الادب والفن


للذكريات ملامح طفولية تسكننا في دهشة البدء...
الذكريات رصاصة في الرأس، ننزعها ، "نشفى" و يبقى الثقب فاضحا..
فمتى نسينا شيئا كان أقرب للقلب من غيره..
هي الذكريات في كل بساطتها الكاوية و الحارقة حد الغبن...
الموت نقيض التذكر، ونحن الماضي والماضي حاضرنا والمستقبل..
للذكريات أنامل تداعب بها أجسادنا و صوت يتغلغل في جزيئات الكيان
للذكريات وقت تأتي فيه كطوفان جارف لا يرحم، هو كل الأوقات، هو أي وقت، هو اللاوقت و المنتهى الذي لا شيء بعده سوى الفراغ السّحيقْ..
الذكرى نصل منزوع من غمد الحب و مزروع بقوة إله في الكبد المحروق
الذكريات نطفة من صلب إله الشوق، تنمو في رحم المرأة مع الوقت، كلما ظنت أنها تنسى كلما نما الجنين أكثر و أكثر، الذكريات أول أطفالنا و آخر الوجوه التي نراها قبل أن ننطفئ في عتمة الكفن الأبيض..الذكريات نحن.

رمقتني بفضول و هي تضغط الكوب بحنق بين يديها:
- ذات يوم سيأتي إليها من جديد بعد أن ترميه دوائر الوجع بسهم في قلبه، سيأتيها راكعا، باكيا، سيجرب كل النساء، سيدرك أنها هي نقطة البدء و المنتهى، هي لا غيرها مكمن الضياء الوحيد الذي أشع في جسده المخذول، سيبكي و يرتعد كطفل من البرد، سيسعل كطفل أصابه السل، يتمسك بأعطاف معطفها القصير و يخبرها: " أشهد أن لا امرأة إلا أنت، و أشهد أني بدونك لا شيء" ، الحب لا يموت يا صديقي عليك أن تعلم ذلك و الذكريات لا تنتفي و لا تُنسى، الذكريات تعيش فينا، تقتات من دمنا و لحمنا و تشرب سيالة الأعصاب ، كل ما يحدث هو أن ترتيبها في واجهة الشعور يتغير، تصبح باطنية بعد ألم ومخاض عسيرين، لكن ما إن يعود المؤثر حتى تكون الاستجابة أسرع من الضوء يقودها الحنين القاتم و الظالم إلى بحر ، كوب قهوة، لمسة من الليزر الكاوي..، سيعود بعد شهور، سنة، سنوات، ليخبرها أنها الحب الساطع الذي دمر كيانه و نثر جسده رمادا على منفضة الوقت، أتتصور كيف سيكون موقفك أنت؟ سينضج يوما و يعرف أنها النار التي أنضجته، أنها "إنانا " ربة الأرباب و خالقة الكون الأولى، سيعرف أنه "مردوخ" الذي لم يفعل سوى شق "تُعامة الأم" شقين منهما كانت الخليقة : السماء و الأرض ، و يحن إلى الموت في حضنها و الانزواء لأنها الإلهة الأم و هو أول الرهبان في محرابها الطاهر، هكذا تسير الأمور دائما و هكذا ستسير..و الأيام بيننا.
- الذكريات يا صديقتي تعشعش في آواخر الجسد و الروح، في الندف الصغيرة التي تبعثنا من فراغ وعدم، أعرف و أتوقع ذلك اليوم، لكني كالراعي، يخاف الذئب ولكنه يحمي الخراف، أنا أحبها يكفيني هذا الآن، للغد انفجاراته و حرائقه، و منذ قطع حبل السرة و أنا في مهب الصراخ لا أستكين، ليتني صنم و لكنك تعرفين...
- أنت توهم نفسك بقناعة هلامية، هي ليست لك وأنت لست لمثلها، هاك صكا من ورق لا يندثر، جئني ساعتها و أرجو أن لا تغرورق عيناك بالدموع و تبكي كالنساء أمامي في هذه الزاوية من المقهى، الحب يأتي مرة واحدة كالثقة، كالحياة، كل ما حكيته لي عنها و عن الآخرين يؤكد أنك لم تكن شفاء كافيا، أنت شيء عابر، كلكم برشامات و مسكنات ألم سيأتي دورك للبلع قريبا، مخفف ألم، الأنسولين موجود ، يخفف الألم لكنه لا يقضي على المرض، يظل الداء ينخر في القلب و الشرايين حتى تستسلم الأنثى للبكاء على مرافئ الذاكرة و شفير القبلة الأولى، ستتركك في لحظة صدق مدهشة منبهرا مما يحدث، مرغمة و لكن سترحل في الأفق كما غيمة تعبت من السماء، أعدك ووعد الشاعرة دين عليها، أنا أنثى صدق ما أقول (تضحك).
- و لماذا تقولين هذا الكلام، فيما سينفعني الآن، فات الأوان، أشعر بنصل حبها يخترق شغاف القلب ليجز الوريد، أنا حر في كل الأحوال، ابتعدت أو اقتربت، قضي الأمر صديقتي، فما المعنى من الكلمة إن كان الأمر حاصلا مقدرا؟ كسفينة في المحيط أنا، لا أرى الشط و لكن لا خوف، حين تنطلق السفن من مرافئها يعرف الربان أنه قد يموت، لكنه يستمر..
كان كوبا القهوة مرصوفان أمامهما، هو يلعب بقلم بين أصابعه، هي تنمي فكرة حميمة في عقلها المراوغ، أصدقاء و لكن بشكل غير الذي تعرفه هذه المدينة المخصية.
الذكريات موضوع للموت، شيء ماض لكن الغريب في أمره أنه دائما حديث الحاضر، الذين صنفوا الذكرى شيئا من الزمن الماضي أخطأوا كثيرا، نحن لا نعيش حاضرنا إلا في الذكرى، إلا في الماضي، يستحب أن يعاد تصنيف الذكريات شيئا من المستقبل، من الحاضر الذي نحتضر فيه بهدوء بعد أن يرحل الحب الأول تاركا الأبواب موصدة بأقفال الوجع و الحنين.
- هي تعيش معك ما لا تعيشه في حاضرها مع الآخر أو الآخر أو الأخرين، أنت معبر مقدس نحو إله تربع في سمائها و لن يحيد، أنت طقس من طقوس النسيان الفاشلة، أنا جربت قبلها، و جربت الكثيرات قبلنا، الأول يسكن في العمق الداغل للاشعور، في النقطة التي لا تبلغها ممحاة السنين، رشم بالنار، كي، إحراق، كأعقاب سجائر تطفأ في معصم طفل صغير، يظل الجرح ينزف و ينزف ثم يتخثر الدم و تأتي الجلطة، أخاف عليك صديقي، أنت هش رغم كل القوة التي تبدو على محياك الملتحي أيها الضخم ( تضحك).
المساء.

لماذا يحلو الكلام عن الذكريات ساعة الغروب فقط؟ ما الذي تريده مني هذه اللعينة الجالسة أمامي، أن أبكي كقحبة تذكرت طفولتها العذرية؟ أن أتألم لجرح سيحدث لكنه لم يحدث بعد؟
يوهمنا الأمر أن الذكريات شبيهة بالغروب، اختفاء، انتفاء، وميض أحمر خافت أو جمرة تموت، ينسل وراء أكمة بعيدة، شيء ذاهب إلى اللاعودة، لكن...أليس بعد الغروب عودة؟ ألا تأتي الشمس كل صباح أكثر تصميما و جنونا لتحرق ما تحرق و تحيي ما تحيي؟
- حسبت لما تقولين حسابات كثيرة، أناحر قلت لك، سقطت نخوتي مذ تخليت عن حلم بوهيمي للسفر و قلتها بالخط العريض و الصوت المرتعش:
" أحبك...أنت إكسير الحياة، الماء، التراب، الأوكسجين، لأمت إذا لكني أحبك، انتهت عند قدميك صولات الخيل الجامح، توقف القطار في هذه المحطة، اصعدي و تربعي في مقصورة الدرجة الأولى أو لأبقى واقفا في محطة اللانطلاق".
الآن كل الوقت اللاحق لانسكابي محاولة للم الشظايا المكسورة و جبر ما يمكن جبره من كسور الاندلاق الخاسف، كان عليك أن تظهري قبل الآن لتخبريني أسراركن، كنت لأحفظ شيئا من الجفاء، لكنك متأخرة جدا، توقيتك سيء لمثل هذا الكلام، لا أستطيع الآن، الكلام كالرصاص ما إن يخرج لا يعود، في كلا الحالتين أنا حر، حكم بالإعدام في قضية حب، أسمعت بشيء من هذا الجنون من قبل؟ إنها حالتي، كان صديقي رحمه الله يقول،" أحيانا نولد ميتين" مات هو بمرض، الآن فهمت فقط إلامَ كان يومئ، تأتي الحكمة أحيانا على ألسنة الموتى و قد يولد الحب ميتا لو كان حبا، و الموت في بداية المطاف و نهايته شرط للتحرر من الحياة.
فأحيانا لا يكون للولادة معنى سوى الموت...
أحيانا لا شيء يأتي دون أن يحجز تذاكر الذهاب مسبقا، و المحطات هكذا منذورة للذهاب و الرحيل، و المسافرون كثر، ممن كرهوا و من أحبوا و من انتظروا اللاشيء، و من ظلوا جثتا تتنقل باحثة عن قبر في مكان ما..
أحيانا تأتي المواجع راكضة إلينا، نفرح بها، لكنها تهزء بنا، فالوجع هو الوجع و لا شيء غيره..
أحيانا يحدث أن أصدق كل الكذب وأنا أعرف أنه كذب و خداع، لا لشيء إلا لأنه منها هي بالذات، الذين نحبهم نسمح لهم بأن يكذبوا علينا، نضحك و نوهم بأننا صدقناهم و في دواخلنا شيء ينزف بهدوء و خشوع..
أحيانا يحدث أن نحب دون شروط تذكر، كيف لمن يرهن نفسه أن يضع شروطا عليها؟، يحدث أن نسلم كل شيء و ننكس رايتنا في انتظار مقصلة أو قبلة مخطوفة من شفاه من نحب، و هو خطأ جسيم نستفيق على فداحته متأخرين دائما...
أحيانا نعايش هزيمة ما و نتجرع مرارتها بكل شجاعة الفرسان، ما الفرسان سوى أناس تعودوا على إذاية أنفسهم ليمرح الآخرون الجالسون على الكراسي خارج الحلبة...
- أنت تعبق بالرجولة رغم كل شيء لا تحتقر نفسك، لون العينين، قامتك، صوتك، كلامك العميق، ملامحك، تفكيرك، هي لم تر ذلك لكن الذي يحب لا يموت.
- بل يموت من اللحظة الأولى التي ينطق فيها ألِفَ "أحبك"، أما عن الاعتزاز فأنا مغرور ومتكبر جدا سترين (يبتسمان)، سأكون الآن رجلا وَفق معيارهم وهو أمر فهمته مقابل ثمن باهض.
- أنا لم أمت مثلا.
- أنت ميتة منذ زمن بعيد، الكلام الذي يطفو على شفتيك محض هراء و تعزية بئيسة، كم أشفق على كبريائك المطعون صديقتي الشاعرة، أنت مدينة لنفسك باعتذار.
- أجئت هنا لأعتذر لنفسي وجئت هنا لتشفق علي؟
- جاء بنا قدرنا لنشرب قهوتنا المرة،لأخبرك أنك هالكة لا محالة، موتي بهدوء، لا نفع من الصخب و الموسيقى المجلجلة التي تحاولين الرقص على أنغامها، أنت أنت في نهاية المطاف.
- أنا أنا، و هو؟
- هو منك، فيك، لكِ، إن رحل إلى امرأة أخرى، إن ضربك أو غادرك كبيت مهجور من الخشب، إن سافر.. يظل فيك، إن نام يستفيق في صدرك، إن حزن يفرح على وُجنتيك، إن سئم فهو فيك الأمل و الحياة، إن صمت يثرثر في رأسك بكل الكلمات الدافقة حبا و خيانة، إن توقف يسير في عروقك نحو القلب والدماغ، إن مزقت صورته فهي في صدرك و خيالك لهيب مشتعل..أنت ترفضين الموت بهدوء مثلي و تفضلين لقطة كلاسيكية شكسبيرية للنهاية، هو أمر لا أرغب فيه، أميل إلى مسرح العبث المعاصر، لأنتظر "غودو" و أحكي ما لا يحكى بالمعنى و خارج المعنى..
- ليته كان مثلك.
- ليتها كانت مثلك.
- ليتنا لم نكن نحن و كانا هما نحن.
- لا تكثري من الأحلام المسائية المزعجة قهوتك تبرد آنستي الشاعرة العظيمة ( مبتسما)، أما هو فسيعود لأن النساء لا يعرفن الحب، أنت وحدك ربما من تحب .
- لا تسخر،أحيانا أفكر في الحب مطولا فلا أجد له أدنى معنى، ما الحب؟
- سؤالك طرح علي ألف مرة، أجيب دائما بأنه الموت، يبقى علينا أن نختار شكل الموت فقط، كل الذين ماتوا في تاريخ البشرية ماتوا لأنهم أحبوا، سقراط مات بالسم لأنه أحب الحقيقة، أتصدقين؟ مات لا لشيء سوى لأنه أحب الحقيقة، ذلك القائد الذي خان قيصره لأجل كليوباترا انتحر أسطوله ومات في عرض البحر المتوسط دفاعا عن حبه أكانت تعلم هي بوجوده حتى؟ المسيح صلب لأنه أحب أباه أو الناس أو لا أدري، كل أبطال الروايات الخالدة من "فيرتر" جوته إلى "مهدي جواد" حيدر حيدر ماتوا بكل هدوء و بساطة، و لم يسألوا سؤالك العقيم: " مـــــــــا الحـــــــــــب؟".
- و التملك؟
- خطر لا مهرب منه، كتلك الفراشات الليلية هناك، انظري خارجا إلى عمود الكهرباء في الطريق، تلك الفراشات الليلة أترينها؟ إنها تحترق عن طيب خاطر، لأنها تحب الضوء، علمي نفسك مراقبة الطبيعة و الأشياء بهدوء و ستنفذين إلى عمقك بسلاسة.
- ألا ترغب في التملك أنت؟، أنا يعذبني لكنه دائما هارب كالشفق.
- أنا لم أعد أرغب في امتلاك شيء أو أحد، هكذا أفضل للجميع.
- أتعني أنك غير خائف أن يعود فارس الذكريات الأولى إلى خشبة المسرح أو يأتي فارس؟
- لا.
- لا يمكن.
- يمكن.
- كيف؟
- الأشياء التي نخاف منها، تمتلكنا بشكل رهيب، نصير عبيدا لها وأقنانا، ليس في اللحظة التي تحصل فيها، بل في اللحظات التي تسبقها بآلالاف الدقائق أو الساعات و حتى إن كانت حاصلة في الحاضر و لا نعلم بأمرها سيكون سبيل الخوف انتقاصا من ذواتنا و تنازلا آخر يضاف إلى التنازل عن الكبرياء، للكبرياء حصن من جدران لا تهدميها كاملة و إلا ستستيقظين يوما مذعورة على كابوس اسمه الضياع حين يهوي عليك سقف الذات المنهزمة، أن نرهن وجودنا بقصة منتهية سلفا شكل من أشكال الانتحار البطيء و المؤلم، أريد أن أموت دفعة واحدة، أليس من حقي؟.
تلك الكاتبة المشعوذة حددت للحب قوانينا، قبل أيام كنت أهزأ منها لكني فهمت أن القانون ليس قويا لأنه على حق أو لأنه صادق و مدفوع بحدس نقي، بل لأن عددا كبيرا من الأغبياء يعملون به، سأفعل المثل أو أنا فعلا أفعل ذلك:
"أدخل الحب و أنا على ثقة أنه لا وجود لحب أبدي" -" أكتسب حصانة الصدمة و أتوقع كل شيء من حبيب" - "أن أحبها كما لم يحبها رجل وأن أكون جاهزا لنسيانها كما تنسى النساء"- و أضيف قضية الخيانة، سأكون مستعدا للخيانة بكل سرور و نشوة، أما القانون الثالث فيتحدث عن البكاء لذلك لا أظنني قرأته و لا منفعة فيه لي لأنني لن أبكي (يضحكان)..أيوجد خراء أعمق من هذا صديقتي؟ سبق لك وأن قرأت خزعبلات بهذا الصدق؟، أنا أحببتها و تطفلت على عالم نسائي تعلمت منه..فما حاجتي للتملك إن كنت كجندي ينتظر رصاصة في أي لحظة؟
- أنت مريض، مرتبك، قوي، مضحك، و لكنك مدهش أتعرف ذلك؟
- أحذرك.
- (ضاحكة) لا تخف أقصدها كما تقصدها أنت، نحن لسنا لنا، لكنك مدهش هذا أمر ليس بوسعي إنكاره.
- تحدثي عن نفسك، أنا أصبحت لي قبل وقت قصير، كما قال الراحل الكبير "كل ما في لي"، وإن يكن، زاويتنا في المقهى ليست لشيء غير الحديث و الرحيل دون أدنى شيء ممكن أو غير ممكن حتى، كالخطو على الماء بلا أثر.
- كم مرة سأذكرك أني أقبل قانون اللعبة وأستلذها؟
- ليست لعبة، هي حقيقة من بين الحقائق القليلة في حياتنا، نحن نحب الزوايا، و نجتر الذكريات، أترين كم هي قاسية الذكريات؟، إنها ثقيلة على الصدور، لدرجة أننا نبحث عن زاوية ما لنفرغها أو على الأقل لنطلق سراحها قليلا و تطلق سراحنا قبل أن تعود لاختراقنا و احتلالنا من جديد.
- أنا أخاف من الذكريات، للأسف لم أصنع لنفسي ذكريات قبل أن ألتقيه، أينما وليت وجهي أجده منتصبا في كل ركن من الذاكرة، هو وحده لا شريك له يحتلني من أخمص قدمي إلى رأسي، و كل جزيئة مني يسكنها ضجيجا و هدوء, و أنت؟
- لست ممن يحبون الذكريات كثيرا، حين أحب شيئا أسعى إلى تخليده و تأبيده في اللحظة، لذلك أعتبر الذكريات حالات فشل مستمرة بكل سادية و سخرية، الذكرى في أحيان كثيرة تصير خيانة للذات و للآخرين، أغلب من نتذكرهم لا يستحقون، و ندخل في حالة جلد للذات و احتقار لحاضرنا، ثم لما تصير الأشياء ذكريات بالنسبة لنا إذا كنا نريدها بأعمق ما فينا؟، الذكريات شيء واحد في نهاية المطاف لا فرق فيها بين قبلة و صفعة، تلك استيهاماتنا عن أشياء فقدناها فقط، و الفقدان شيء مؤلم في كل الحالات، و هو الذي يترك في القلب رغبة في الانتقام عبر امتلاك الموضوع المفقود و لو من خلال الذاكرة و الخيال، أترين أين يقود التحليل؟ إنه يعني أننا خائنون بالفطرة لكل ما هو غير الماضي، نحن كائنات ماضوية بالفطرة، لا تهتمي لما أقول صديقتي صرت أميل إلى الخرف المبكر مؤخرا..
رنت إليه في ابتسامة خافتة باكية و هو ترد ريقها بعد رشفة صغيرة:
- الأشخاص يرحلون من طوع أنفسهم، هم من يتركوننا ، نحن نموت فقط حين ينسلون كاللصوص من شرفة الكيان، حين رحل نظرت إلى المرآة لم أر شيئا، لم أكن هناك، حاولت أن أصرخ لكني كنت في حالة شلل حلقي، كحالة الجاثوم، أصرخ لكني لا أسمع صوتي و لا أحد يسمعه، أردت أن أستمع إلى أغنية فدلفت إلى قرص كان أهدانيه، أراه يدور في قارئ الأسطوانات لكني لا أسمع شيئا، صماء، حاولت أن أشرب الماء لكنه لا يريد أن يغادر الآنية مهما فعلت، حاولت أن أرقص جرحي تعثرت قدماي على عتبة الباب، لم أكن أنا، هو من رحل وتركني للغبن القاتل، أنت لم تجرب، ربما لأن لك ذكريات تحتمي بها، لكني لا أملك سوى هداياه التي أرشها بعطره و أشتمه في كل خلاياها.
- هو شهم على الأقل، رحل كرجل ولم يخنك، لا أدافع عنه، لكن كان عليك أن تتذوقي طعم الخيانة، شيء أشبه بطعنات متلاحقة في الحنجرة، لكن عليك أن تلتزمي بقواعد الكاتبة المشهورة، فقد أصبحت موضة العصر ألا نحب كما نحن نحب، أن نكون نصف عشاق و النصف الآخر حراسا لقلوبنا مخافة أن تنكسر، هذه وصفة غنية ببروتينات الراحة النفسية.
- أنت تتهكم كعادتك، لكن الحب لا يترك لنا وقتا للتفكير في الحماية، نحن نحب أولا نحب، لأنه كالموت يأتي دون سابق إنذار، أنت أدرى بشعاب مكة.
- ذكرتني بقول لأحد الأصدقاء الرائعين: "الحب و الحذر لا يجتمعان في قلب واحد "، لكنكما عملة نادرة وهو ما يجعلكما على خطأ، الصواب هو ما يعتقده الجميع، لترتاحي عليك أن تلعبي لعبة الاحتمالات الرياضية، و أن يكون حبك تخطيطا و ليس ضربة موت مباغتة، هكذا تصير الأمور، عليك أن تتعلمي لعبة الشطرنج، الحياة لعبة شطرنج، الملك أنا، الملكة هي، الباقون جنود، و على الجميع- بما فيهم الملكة - أن يضحوا بأنفسهم كي أعيش وأرتاح و إلا لتخرب إمبراطورية العشق عن بكرة أبيها.
- لا زلت تسخر مني، أشتم تلك الرائحة في كلامك، احترم ذكائي ولو قليلا ( مبتسمة)، ولكن هل الحب راحة؟
- الحب يكون مجرد ذكرى من اللحظة التي يبدأ فيها إن بدأ فعلا، مسألة وقت فقط.
بين الذين لهم ذكريات مع شخوص كثر و الذين لهم ذكرى واحدة و الذين لا ذكريات لهم إلا ما عاشوه مع شخص قدسوه فيرحل فجأة، لا يوجد فرق، ذلك أن الحب لا يميز بين القوي والضعيف، بين الذي لديه ماض يسنده و أشخاص يلجأ إليهم و بين شخص لا شيء لديه، عار من الماضي و من الحاضر ليس له إلا مستقبله الملغوم، الحب لا يميز بين هؤلاء، الكل فقراء بالنسبة له، الكل أبرياء، أنقياء، متسخون، قساوسة، قوادون، جبناء، أقوياء، خونة، كلاب...و هما كانا صنوين في الجرح، هي تبكي و هو يضحك ساخرا، أن يسخر من كل شيء نتيجة جارحة لضغط مهول لم يعشه إلا قليل من الرجال في تاريخ مملكة المشاعر..
- أتعرف في سخريتك نوع من الاستسلام، أنت تتألم حد السخرية، لكنك تتقن الدور، أخاف أن تصبح باردا فعلا ذات يوم و يصير قلبك قطعة من "الكرانيت"، حصل الأمر للكثيرين من قبلك، يبدؤونها لعبة مسلية و درعا واقيا من الألم و ينتهي بهم الأمر صخورا على شواطئ النسيان.
- و ما الضير في ذلك يا دكتورة القلوب؟ هي لعبة مصائر و مخاطرة، لكل قصته في نهاية المطاف، حين تسأل شخصا لماذا هو رومانسي يخبرك أن العالم جميل و الورد يعبق عطرا و الطيور تحلق، هو لا ينظر إلى نفسه من زاوية بعيدة فيها بعض العتمة، يتكلم فقط في لحظته، نحن أبناء لحظتنا و لحظاتنا متداخلة بين الماضي و الحاضر والمستقبل، إن قدر للصخر أن يستقر في الصدر فمرحبا به، لي مطرقة السخرية، سأنحته بها نحتا يسر الناظرين.
- ليس الناظرون هم مربط الفرس، إنه أنت وهي.
- منذ متى؟
- (تضحك)
- أسألك جديا، منذ متى كنا نهتم لأنفسنا نحن؟ لا يهم الذي نحن عليه، المهم هو كيف يرانا الآخرون، لا تحدثيني عن الصدق و تلك الأشياء المتعلقة بالذات و المرايا العاكسة، العاشقون يتصنعون أنفسهم ليكونوا كما يشاء الآخرون، الحبيب الذي لا يضيع فرصة ليسخر من حبيبه أمام أصدقائه و عشاقه مزهوا ليظهره عبدا أو كلبا يلحس يديه، أهو صادق؟ ما حاجته إلى الحب و ما حاجته إلى ذاته؟ دعينا نعود إلى حديث الذكريات، أنت سوفسطائية صغيرة و أنا لا أريد أن أُساق إلى أحاديث متشعبة.
- أنت تكذب ( ضاحكة).
- إن لم تشربي قهوتك ستدفعين الدراهم سُدى.
- ألن تعزمني أنت، ألن تدفع هذه المرة؟
- لا أملك فلسا في جيبي ، فتشيه، لن تجدي في قعره غير بعض الذكريات المهترئة نِثارا من ورق ومداد أسود، و مفاتيح غرفتي إن فكرت في الخيانة (يضحك).
- سأدفع أنا إذا، أترضى لنفسك أن تدفع عنك امرأة ( ضاحكة)؟
- لا أرضى، لكن من قال إنك ستدفعين ثمن الكوب، سنهرب فنحن قريبون من باب الخروج.
- (تستغرق في ضحك هستيري).
ضحكت و ابتسم، و كانت زاوية المقهى معتمة وهادئة و في الكوب الذي بين يديها رسم صغير كالذكريات التي ترقص في رأسه و هو ينكر صارخا أن لا ذكريات تسكنه، ظلا في ثرثرتهما عن الذكريات حتى غشا الليل صرح المبنى، رافقها حيث تركب و عاد مقفلا يخيط شوارع المدينة الباردة ليلا، يقاوم بعض الذكريات المستفزة التي تنط إلى حنجرته غصصا تلو الأخرى أو أغنيات من ورق مهترئ..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. السودان.. الفنانون الملتزمون يحاولون إحياء روح الثورة • فران


.. تفاعلكم الحلقة كاملة: خبير يكشف سبب زلزال تركيا وسوريا وهجوم




.. مليون مواطن في جنازة أم كلثوم يتقدمهم رئيس الوزراء وهدير الأ


.. تفاعلكم : هجوم عالمي على شارلي ايبدو لنشرها كاريكاتيرا يسخر




.. فنان مهاجر يضفي لمسة ملونة على جدران الأحياء الفقيرة في موري