الحوار المتمدن - موبايل


لست سوى خيزران

فريد الحبوب

2013 / 1 / 12
الادب والفن


ظل جبيل بين البردي الحالم والقصب الرفيع والطويل مثل الخيزران قوي ومتماسك حتى أخر عمره.
منذ الوهلة الأولى التي جاء بها إلى الدنيا لاحظت أسرته أمراً غير مألوف في مجيئه المبكر، سقط بقوة مندفعاً من بطن أمه ولم يفتح عينيه لوقت طويل أكثر مما هو متعارف عليه حتى أن المولدة قالت لهم من يخرج هكذا يموت مبكراً. لم يمت جبيل بل عاش طويلاً ، ومنذ ذلك اليوم لوحظ أنه مختلف عن أخوته فقد كان ثابت الخطى وقوي البنية وجريء إلا أنه كان خجول ومملوءاً بالمتناقضات وحيوياً كما لو أنه آلة عزف بيد مجنون. عشق الجري وراء أسراب القبرات ومختلف الطيور التي تهفو على الاهوار من الشرق والغرب لتستقر فوق أوراق عريضة على شكل ورود هي من كانت وراء الحب الذي يزخر به قلبه. هذا الغريب الأطوار لم يصرخ في حياته كثيراً، ولم يغتر أو يبخل أو يتملكه المكر ألا انه صرخ صرخةٍ مدوية حين ولد أرعب من صداها الجميع، ولم يتسنى لأحد إن يعرف ما الذي تخبئه تلك الصرخة. لم يتلطخ قلبه بالحقد والنميمة بل أن روحة ظلت تعوم بهدوء في طمأنينة جعلته محبوب من قبل الناس. هناك ولد في قرية تمتد بها مسطحات الماء بلا انتهاء. حيث تهدهد موجات الماء الشمس الآفلة صوب الغروب، وحيث أزهار الزنابق الذابلة تمتزج بريش الطيور التي تحتضنها خيوط الشباك وحيث القصب والحشائش النابتة في أعماق المياه التي يختبئ في أديرتها السمك الزاحف صوب الدفء والسكون. سكون لا يطول أمده حين تضربه مجاذيف الصيادون بوقاحة وفضول فتخرج على سطح الماء حسرات الأسماك زفرات، كان في مركبة المثقل دوماً بالحصاد والسمك والطيور، طائراً حراً، طليقاً يغني غناء العاشقين فيمتد صوته فوق لألأة الماء ريحاً باردة مثلما تمس الأخيلة جفون الحالمين.
كان يقضي معظم سويعات اليوم محمومٍ صوب العمل لا يستريح بل على العكس تفيض حماسته إلى الحد الذي جعل الآخرين ينهلون عليه بالحسد والغيرة. كان ذلك الفتى القروي كما لو انه بلغ مرحلة الرجولة قبل أوانها . أريج الصباح وافر والصوت عذب هناك
والشمس كانت عاشقة هناك ،
كم جبيل صياداً تتباهى به (فالته) ذات الكف ألأسود وهيهات أن تهرب منه سمكة . وغالباً ما كان يكسب الرهان في صيد الليل لأسماك الكطان التي تعاند فالات الآخرين ويضيق بعيونها الهور أمام فالته القصيرة. كان يلوذ في كل مشكلة تحصل له مع الصيادين والمزارعين بأخوته ألثمانية الذين يفوقون عدد الجواميس التي يمتلكونها. ام عماه فكانوا يرغبون في تبنيه لأنهم لم يرزقوا بالأولاد. وكانوا في صراعهم الأخير مع المرض يرغبون برؤيته كل ساعة، كان يحنوا عليم بمشاعر حنونة ويظهر شفقته ومحبته الكبيرة لهم، من أجل إن يبعث فيهم أمالاً بالبقاء . ألا أن القدر أقوى من حنوه وتفانيه، صرعهم الموت وكان أول الحزن الذي دشن قلبه، وتملكه شعور بالضياع والآلام أكثر حين مات بعد فترة قصيرة جداً اثنان من أخوته في ليلة ظلماء كانوا في طريقهم إلى البيت يحملون في المشحوف حزم القصب والبردي ، كانت صور أخويه موحشة حيث ذوت سحنتهم وخبت في عروقهم الحياة وما استطاع التعرف عليهم من احد سواه،. يالها من ليلة التهمهم الهور.كان جبيل قد أغمى عليه في القارب حين التقطوا أخويه من عمق الماء المتجمد. قصبتان توسدتا تراب الجرف المضطرب. رأى ما رأى وقد دار الموت حول البقية من إخوته، صرعوا واحداً تلو الأخر. ولعل أكثر من حطم الفرح في روحة حتى أخر عمره واستدرج الحزن واليأس ان يبلغ ذروته أخوه معله الذي توفي في ليلة زفافه .كان أهل القرية يرقصون والنساء منشغلات بالطهي والشواء والأطفال لاهية تطالع بشغف النجوم وهي تصوغ القلائد في السماء. في تلك الإثناء حيث الجميع يضحكون ويصرخون ويغنون بانتظار زفة العريس. ألا إن معله بدلاً من أن ينهض أغمض عينيه الفرحتين وتبعثرت يداه وظل المنديل في حجرة مثقل بالعطر ونام على مكانة خامداً مثل سنبلة جزها المنجل. لقد تصور الجميع أنه يحلم بلحظة دخوله... بل الحقيقة كان يحلم بذاته وهي تعتنق الموت قفز وهو هادئ إلى المجهول. كان أول من عرف انه مات صديقنا جبيل. ومع هذا ظل جالساً منحنياً في حجره يتمتم بصوت ناحب...مات معله.... مات معله .
جبيل الذي وهبه الله معرفة الناس حين مماتهم بشكل خارق مما دعا الناس إن يجعلوه يتفحص كل من يحتضر ويموت. حمل العريس على ظهره وسار به وسط الليل المنكوب حافي القدمين وحيدا أمام ذهول الحفل، كانت رغبته في دفنه وحيداً في الليل تثير الدهشة والاستغراب. مشى طويلاً شارد الذهن وعيينة مغطاة بالويل والدموع، تلاشى وسط القصب وصار يعبر القناطربلا مبالاة للتعب تاركاً بيادر الحنطة والشعير ترثي حاله وتعزية وسط رعب الموت الذي أحاط به طوال الطريق .... وضع شفتيه على جبينه ونام بجنبه حتى الصباح.
لم تكن سوى أسابيع حتى هوى الجميع . هوى الموت عليهم مثل الوباء حين يعطب حياة قرية بأكملها. حيث لم يبقى سواه وأمه التي ضاق بها الحزن حتى عجزت عن الحياة فنامت في زاوية كئيبة في البيت وماتت بعد يومٍ كامل من العويل والبكاء. لقد انتفخ جرحه بإفراط متجاوزاً الحد الذي يستطيع إن يحتمي منه . وراودته الأفكار بقسوة أن يكون له ذنب في كل ما جرى. كان يشعر لمرات ومرات وسط هواجس وحدته القاسية في بيته أنه يتيم وليس له من يعزيه ويرعاه في غربته المفاجأة. ولم يستطع إن يلقى إجابة للتساؤلات التي كان تثيرها الذكريات لماذا بقي هو حي حتى الثمانين فيما مات كل إفراد أسرته في عمراً مبكر!
وفي خضم هذا الحزن واليأس والانكسار لم يستطع إن يتبع أي خيط يولد في ذهنه يخبره ماذا سيكون، ولم يسعى لكي يكون ما أراد في طفولته بل أختلط كل شيء، صارت الطفولة والعمر والأشياء يائسة وكئيبة وقاتمة. وصارت روحة عليلة مصابة بمرض الموت الذي يأتي ولا يأتي.
وفي عمره الذي قارب على الأربعة والعشرون عاماً قرر الذهاب إلى بغداد والاختباء هناك حدث ذلك بعد إن فزع من حلم رهيب رأى أخوته في وادٍ مظلم يتقاتلون بشراسة مع خنازير متوحشة. ترك فالته وأسماكه المحنطة والعشق وقبور أحبته. لم يحمل حقائب حينها، سافر بثوب أبيض أهدته اليه حبيبته التي وهب أهلها الجواميس وكل شيء. ودع الجميع بشجاعة وتذكر كم كان يود لو أن أخوته كانوا رفقائه في السفر صوب بغداد، لو أن الحب أثمر الزواج الذي تمناه. نظر في كل زوايا قريته لم تعد ألون الطبيعة تسحر عيونه الكئيبة، بل صار يشاهد أشياء مختلفة تتلون تحت ظلال قنوطه بالظلام.
الأيام الخاوية وأخر الأشياء التي تعترف بالهزيمة تختلج تحتها الأنفاس المتعبة
كان يسره أن يجد في بغداد حياة دافئة وطبيعية مع شريكة حياته التي أتى بها من أطراف أحدى القرى النائية دون مراسيم زواج أو فرح يذكر، خوفاً من ذاكرة الموت التي تصلب ذهنه في كل حين. أنجب الأولاد والبنات اللذين كسروا له شوكة الحزن والآلام في بعض الأوقات. عاش في كوخ بسيط على أطراف دجلة وغاص سنين وسنين في حياة المدينة، باع بعربته الحمراء الطويلة عصير الزبيب والقيمر والمحلبي، عمل حداد وبواب وسائق باص.... جبيل أصبح رجلاً وعر ورزين واخذ الشيب يهفهف وسط شعره الأسود الحالك. كان قد محا أميته في الثلاثين من عمره وذلك من خلال دخوله مدرسة الهجاء في الباب الشرقي لسنتين. أحس بمتعه كبيرة وهو يقرأ الجرائد وبعض كتب الإشعار. كان في كل مرة يقرأ أبياتاً تفيض روحة بالحنين، وتزخر بشبق كبير إلى الهور كلما مرت أسراب من الطيور فوق سماء بغداد لكنه في الحقيقة لم يعد إلى هناك ولم يزرها أبدا.
جبيل صرع خصمه العنيد صرع الوحش.... وفي قلبه تتزاحم السنابل وهي تصارع المناقير. جبيل صار في الثمانين من العمراً.....
بعد ستة وخمسون سنة قضاها في أزقة بغداد وانتقاله من دار لدار ومن مهنة إلى مهنةٍ أخرى ذاق من خلالها طعم عزلته وحياته الغريبة . أبتسم لأولاده وبناته ابتسامة حنونة. سمع وقع خطى، فسمح لهم إن يقبلوا يداه، نبض قلبه بجموح وتغير لون وجهه الحائر وهو يتفقد جميع الجالسين حوله، ومرت مشاهد الميتات التي سرقت أخوته وأمه وأبوه كانت إيماءاته لا تنم عن راحة بال، وتظاهر أنه لا يرى شبح الموت، ارتعدت ساقيه وتضرعت عيناه الواسعتان التي وثبها ذبول قاس وثملت روحه بالسكون وسقطة ورقته بهدوء تام، ذهب بروحة وقلبه إلى أخوته النائمون تحت بيادر الحنطة والقصب.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لقاء الخميسى.. هكمل فى الغناء وهعمل حفلات لكنى مش أنغام ولا


.. السينما الإيرانية.. عودة للواجهة | #فكر_وفن


.. سحر اللغة العربية | #فكر_وفن




.. بتوقيت مصر | اغنية انسي انسي | Rai-نا


.. لو ناوي تنزل السينما أو تتفرج في البيت.. دليلك الكامل لأفضل