الحوار المتمدن - موبايل


حرفة تحطيم المعنويات

حمزة الجواهري

2013 / 1 / 23
مواضيع وابحاث سياسية


للقمر جانب مضيء، وآخر مظلم، يختفي القمر تماما من السماء عندما يكون الجانب المظلم هو الذي يظهر ليلا في السماء، ولكن لا أحد يراه، فهو مظلم، ونرى، بل ونتغزل، بالجانب المضيء عندما يظهر في السماء، فهو كوجه الحبيبة، ووجه كل جميله وجميل، بل هو عنوانا للجمال كما الزهور.
هكذا تعلمنا في كتب العلوم والأدب عندما كنا أحداثا في المدرسة.
لكن العجيب حقا هو أن لا يرى البعض في العراق سوى الجانب المظلم من القمر! رغم أن العين البشرية السليمة لا يمكن أن تراه، خصوصا خلال تلك الأيام من الشهر القمري والتي تكون معتمة تماما، تلك الليالي التي كنت أخشاها وأنا صغير، لأن خلالها تكثر السرقات، أيام زمان، ويظهر الطنطل والسعلوة أيضا، لكن مع ذلك يصر ذلك البعض على أنهم يشاهدون القمر!! وتزداد عجبا عندما يتهمك البعض بالعمى! وتتعجب أكثر حد الدهشة عندما لا يرى ذلك البعض القمر حتى لو كان مكتملا في يومه الرابع عشر، ويتهمونك بالعمى والهلوسة عندما تشير له!! وستكون بنظرهم إما اعمى، أو كذاب!!
نعم يحدث هذا الأمر في العراق كل يوم! ونسمعه ونراه ونقرأه من مؤسسات إعلامية تدعي الحيادية، بل وتضع إصبعها بعينك لتقتلع العين التي لا ترى ما تراه، فأنت لست بحاجة لها طالما لا تشاهد ما يشاهدون!!
الشيء يحمل بداخه نقيضه، أو التوازن في الطبيعة أمره معروف، فهناك الخير والشر، والجمال والقبح، والنور والظلمة، وحتى الذرة فيها العناصر السلبية والعناصر الإيجابية الشحنة بذات القدر.
فالتوازن الطبيعي في كل شيء موجود على وفق الفلسفة الديالكتيكية، وهو أن يكون هناك سلبا أو ايجابا متقاربين في كل مسألة، وليس هناك ما هو سلبي فقط أو ما هو إيجابي فقط، وكل من يدعي أن هناك سلبا فقط، أو إيجابا فقد، فهو من الغلات الكذابين على وفق هذه النظرية التي تحدث بها الفارابي وابن خلدون وماركس وكل المنظرين الماديين، وحتى القرآن في الآية الكريمة يقول ""ونفس وما سواها ألهمها فجورها وتقواها""، أي لا يوجد فجور ما لم يكون هناك تقوى، فكلاهما يعتبر مكون أساسي للنفس البشرية.
لكن مع الأسف الشديد أن العديد من المؤسسات الإعلامية لا تستطيع ان ترى القمر في ليلة الرابع عشر من الشهر القمري، ولا تستطيع أن تتلمس سوى الشر في النفس البشرية، فكل ما تراه وتتحسسه وتدركه هو الجوانب السلبية فقط!! وفي كل شيء، أو أنها لا ترى سوى تلك الأشياء التي تحطم معنويات الشعب العراقي، تتحدث عن العراق وكأن ليس فيه ما هو إيجابي قط، وكل شيء "خربان"، بل ما بعد الخراب!!
هذا العدد الكبير من الفضائيات والصحف والإذاعات، خصوصا تلك التي تشتم الحكومة ورئيسها تحديدا، كلها تشير إلى ما هو سلبي فقط، فهناك فساد فقط، وسوء خدمات مطلق، وبطالة بكل أنواعها، ومؤسسات دولة معطلة بالكامل، وفقر، بل وكل الشعب دون خط الفقر المدقع، والغريب أنهم يتحدثون عن سياسة تكميم الأفواه وهم يشتمون الحكومة ورئيسها ليل نهار!! ولا يستطيعون مشاهدة أو تلمس أي مظهر من مظاهر الديمقراطية، فالقضاء فاسد، والاعتقالات تطال الجميع بلا ذنب اقترفوه، وسجون أكثر من البيوت التي يسكنها الناس، وكل الموظفين فاسدين ومفسدين، وكل المسؤولين أكثر فسادا وإفسادا من ألائك، وعلى رأسهم الدكتاتور الأكبر رئيس الحكومة، وكأنهم يريدون من رئيس الحكومة أن يسمح لهم أن يضربوه "بالتواثي" حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة، ليقولوا أن في العراق بوادر للحرية والديمقراطية!!
حقيقة لا يهمني رئيس الحكومة كشخص، لكن يهمني مسألة تحطيم العنويات للعراقيين، فبغداد هي الأسوأ بين مدن العالم، والنظام العراقي هو الأسوأ بين أنظمة العالم، والفراتين الأسواء والأكثر جفافا بين أنهار العالم، وكل ما في العراق هو سيء، بل الأسوأ، وهكذا.
أذكر القارئ الكريم بالحرب الباردة بين المعسكرين الإشتراكي والرأسمالي والتي دامت عقودا طويلة، كانت الدول تصرف عليها أموالا طائلة، من أجل أن تقول أن كل شيء "خربان" في معسكر الأعداء، وإن حياتهم هي الجنة التي وعدت بها الكتب السماوية، لكي يرفعوا من معنويات شعبهم ويحطموا معويات شعوب الخصم.
لكن الغريب في العراق هو أن مؤسساتنا الإعلامية، أحيانا، تعمل تطوعا لوجه الله تعالى من أجل تحطيم معنويات شعبهم!
قبل رأس السنة الجديدة قصدتني احدى الصحفيات لتسألني عن المخرج من الحالة المزرية التي نعيشها في العراق؟ على اعتبار أني خبير نفطي ويجب أن أركز إجابتي على موضوعات تخص النفط فقط، وأجيب لمذا كل هذا التردي في قطاع النفط رغم اهميته؟
فكانت إجابتي بالنسبة لها كما الصاعقة، واستفزتها إلى حد أن "المايك" كاد أن يسقط من يدها، والكامرة تصور الحدث، قلت لها: نعم تستطيعون تحطيم معنويات الشعب العراقي عندما تتحدثون عن أشياء لا يمكن عدها أو تقديرها من ناحية الكم، كما الجمال، أو الكراهية أو السعادة، فلا نستطيع القول عشرة غرامات جمال أو ثلاثة مترات كراهية، ولكن عندما يكون الحديث عن النفط، لا يمكن أن أكذب وأقول للناس أن ميزانية العام المقبل والبالغ مقدارها115 مليار دولار قد اقترضتها الدولة من بنك "المفلش"، فهذا الرقم يعني أن العاملين بهذا القطاع قد اجتهدوا وواصلوا الليل بالنهار لكي يوفروا للناس كل هذه الأموال، فهل نظلمهم ونقول أنهم كسالى؟ وبالتالي نوهم شعبنا بأن النفط قد ضاع ونحطم معنوياته في الوقت الذي نجد فيه أن النفط هو الذي يصنع خبز الشعب حاليا؟
كانت الصحفية قد مرت على آخرين قبل مجيئها لي، ويبدو أن السؤال كان واحدا للجميع، لماذا هذا التردي في القطاع الذي نسأل جنابكم عنه؟
ما أردت قوله هو أن الإعلام العراقي قد تحول فعلا إلى حرفة لتحريف الحقائق، ووسيلة لتحطيم المعنويات للعراقيين بحجة الإعلام الحر، وليتهم يعترفون أن هناك حرية إعلام.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الحصاد - إسرائيل تعترف بفشلها في اعتراض الصاروخ السوري وإيرا


.. انطلاق قمة المناخ.. والتزامات كثيرة متوقعة | #غرفة_الأخبار


.. كورونا.. القلق من متحورة الهند | #غرفة_الأخبار




.. قضايا المناخ.. تحديات ملحّة أمام العالم واستحقاقات ضاغطة | #


.. حزب الله يطلق حملات لتحصين أنصاره من تداعيات الأزمات