الحوار المتمدن - موبايل


فستان الزفاف

جمال الدين أحمد عزام

2013 / 1 / 31
الادب والفن


فستان الزفاف

كانت منفصلة تماما عن العالم. هذا ما بدا لي و أنا أراقبها من فرجة باب غرفتها الموارب. كانت في عالم آخر من السعادة. تدور أمام مرآتها فينتفش فستان الزفاف الأبيض المطرز بخيوط الفضة. يضيء جسدها في نور الظهيرة النافذ من باب الشرفة. يزداد بياض الفستان كلما انزاح ستار الشرفة الأبيض الخفيف. يكاد وجهها المبتسم يضحك و قد استغرقتها الحالة. تضع يديها في وسطها و تشب على أطراف أصابعها وعيناها على المرآة التي لا أراها من عندي، ثم تلف وسطها مستعرضة جمال الثوب. تعود و تدور، تخرج من قلبها إلى حلقها ضحكات خفيضة بريئة كترانيم أطفال مبتهجة.
عيناي لا تفارقها و الذكريات تتداعى. مدّرسة و طفلة صغيرة في روضة أطفال في الرابعة من عمرها، مات أبواها في حادث و سيلحقونها بدار أيتام. أشفقت مدّرسة الروضة ذات الثلاثين ربيعا على الطفلة الوحيدة. تعلقت بها و أحبتها. كانت الوحدة تعتصرها و كانت الطفلة ملاذها. لم يكن لديها أمل في الزواج، فالقلب عليل يخفق بشدة و يؤلمها كلما عنّ له أن يفعل. وجدت سلواها في الصغيرة فكفلتها، و كلما آلمها قلبها احتضنتها ليتقابل القلبان فيهدئ قلب الصغيرة الصغير من روع القلب الكبير. تعلقت بها الصغيرة، أصبحت ابنتها بحق، نادتها الصغيرة بتلقائية، "ماما"، رغم أنها قد نادت بها من قبل أخرى رحلت عن هذا العالم.
أفيق فجأة من الذكرى و يتصاعد صوت ضحكتها في أذني. مازالت تدور في حبور. تركتُ مقبض الباب خشية أن يفتح أكثر من ذلك فيصدر صوتا فتنتبه. لم أرد أن أقطع عليها تلك اللحظة الفريدة. مازالت الذكريات تعرف طريقها إلى رأسي. الطفلة الصغيرة تتشرب دفئا و حنانا من أم عذراء لا تفارقها في البيت أو الروضة. ها هي تذهب بها إلى المدرسة لأول مرة، لتنفصلا بضعا من ساعات النهار. تودعها في أول يوم و تستقبلها عند العودة لتقفز الصغيرة في حضنها. تزداد الرابطة توثقا و يصبح الانفصال مستحيلا. يغالب الأم النوم و هي تحكي للصغيرة قصة لتنام. كانت تغني لها أحيانا إذا عاند النوم و جافى العينين الصغيرتين.
نمت الصغيرة. لم تشعر بلهيب المراهقة فقد كانت الأم لها صديقة، و ليست كأي صديقة. ها هي ذكريات المذاكرة طوال مراحل التعليم تبرز كأنها تعرض أمامي، المائدة المستديرة التي جمعت الاثنتين و الأم تشرح لابنتها و تساعدها على الاستظهار، الضحكات التي لم تزل أصداؤها في أذني، فرحة النجاح التي مازال يخفق لها قلبي.
تخطت الابنة مراحل التعليم بتفوق حتى دخلت الجامعة و بدأت المراهِقة تدخل مرحلة جديدة، و أصبحت أجمل فتاة في عيني أمها. أحست الأم أن ثمرة جهدها هي تلك الشابة الرائعة. لم تفترقا أبدا. تتألم الابنة كلما توجعت الأم. تعطيها دواء القلب، تحضنها فتهدأ. مازال القلب الصغير قادرا على امتصاص ألم الكبير. تصاب الابنة بالحمى، تبكي الأم و تدعوا أن ينتقل لها المرض و يتركها. تتعافى الابنة بعد سهر الليالي، ثم تُمَرِّضُ الأم التي أُرهق قلبها خوفا و تعبا.
الصلة أصبحت أقوى من صلة الدم، و لكن حان الوقت الذي توجستا خيفته مرارا. كانت الابنة ترفض كل من يتقدم لخطبتها حتى لا تترك أمها، بينما الأم لا تريدها أن تُحرم من الزواج بسببها، فهي تعلم ألم أن تحيا امرأة بلا رجل. كانت تقنعها و تحاول معها بإخلاص رغم أن قلبها العليل يتمزق في الداخل، إلا أن عقلها روض أنانيتها. عشرون عاما عاشتهما الاثنتان كانت أصعب من أن يتم تجاوزها، فهي ليست جسرا من زمن، بل جسر من حبل سري يصل بين قلبين ذائبين في بعضهما عشقا.
لم ترضى الابنة حتى وافق المتقدم لها أن يحيا معهما في بيتهما. و توالت الأحداث، و لم يتبقى سوى حياكة فستان الزفاف. حِيكَ الثوب و استلمته الأم و حان وقت تجريبه.
ويلي! دفع القط الباب، مر من تحتي دون أن أشعر به، فارتطم الباب بالحائط و قد كانت رافعة ذراعيها إلى أعلى تدور في ألق الأنوار. التفتت ناحيتي و ارتبكت ارتباكا شديدا لظهوري أمامها فجأة. تجمدت و قد تلاقت أعيننا. أنزلت ذراعيها ببطء و أخذت تتبين موقعها من الزمان و المكان. فغرت فاها و وضعت كفها عليه، ثم قالت شاخصة..آسفة، لقد نسيت نفسي. أقبلتُ عليها و تناولتُ التاج من فوق السرير..و الآن سنضع لك التاج، لتكوني أحلى عروس. ضبطتُ التاج فوق رأسها ثم لفتُّها للمرآة و أنا مبتسمة..و الآن، انظري، هل يوجد في العالم عروس أجمل! ابتسمت و بقايا حرجها مازال ماثلا على وجهها..آسفة يا ابنتي، يبدو أنني قد ارتديته دون أن أشعر، كنتُ أنتظر صحوك من النوم، و فجأة أفقتُ على صوت الباب، سامـ...! قاطعتُها بربتة على كتفها و أن أضحك..لا بأس يا أمي، و لكن ما هذا الجمال، إنه مضبوط عليك تماما. ضحكت بدورها..نعم، فمقاسنا واحد.
التفتنا عن المرآة و تقابلت الأعين. اغرورقت عيوننا بالدموع، و قرأت في عينيها خلف الدموع أمنية قديمة، و قرأتْ في عينيَّ ما قرأتُه في عينيها. استغرقتنا الحالة للحظة، ثم أجهشنا بالبكاء و أنا أرتمي في حضنها و هي ترتمي في حضني. أخذت أمسح ظهرها بقوة وسط عاصفة النشيج و النهنهة و أنا أقول..يا حبيبتي، يا حبيبتي.
تمت








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حواديت المصري اليوم | حكاية ممثل شهير في الأصل ملحن كبير.. م


.. يستضيف الاعلامي دومينك ابوحنا في الحلقة الاولى من Go Live ا


.. عبد الغني النجدي باع الايفيه لاسماعيل يس و شكوكو بجنيه .. و




.. دراما كوين | تترات المسلسلات من الموسيقى للغناء.. أصالة وعمر


.. تحدي الضحك بين الفنانة رولا عازار وأمل طالب في #التحدي_مع_أم