الحوار المتمدن - موبايل


الجلاد

جمال الدين أحمد عزام

2013 / 2 / 1
الادب والفن


الجلاد

أه، صداع شديد..هل تعبت؟!، لماذا تلتفت؟!، تشعر أنك مراقب، أليس كذلك؟!. ما زال الصداع مستمرا و أنا ألتفت بين الحين و الحين محاولا تجاهل الصوت في رأسي. إنه لا يريد الانقطاع عن الكلام..لن أتوقف عن الكلام، هذ مهمتي، أن أتكلم، أراقب و أتكلم، هل نسيت؟!، أظن أنك تحتاج إلى تذكرة. صرخت كالعادة كمن وُخز رأسه بسيخ حام، أترقب تلك الوخزة الرهيبة كلما بُثت في عقلي هذه الصور،
"..هيا يا حبيبتي، سأنتظرك. تقبلني و تمضي. يأتيني اتصال..بعد إقالته أصبح المكان خاليا لك، المهم أن تفي بوعدك..لا تقلق، إنها في الطريق. أغلق الخط و أنتظر قدوم الصبح على جمر اللهفة، يأتي الصبح و أنتظر و أنتظر. رنين هاتف..هل أنت صلاح محمود سعيد!..نعم..معك شرطة العاصمة، يؤسفني أن أخبرك أن زوجتك قد قتلت!".
..هل تذكر لماذا قتلت!. أمسك برأسي من شدة الألم رغم مضي الوخزة بانتهاء الصور، لم تفلح معي كل مسكنات الألم. عدت إلى البيت، سمعت أزيزا في رأسي، تأتيني الومضات الغريبة،
"كلا، دعوني..لا تخف يا سيد صلاح. شعري يتساقط أرضا و هم يحلقون جزءا من رأسي، يشدون وثاقي ليحقنونني و أنا أصيح..أنا لم أفعل شيئا، دعوني!. أستسلم للمخدر الذي يسري في عروقي".
تلك الومضات تأتيني و تتداخل أحيانا مع الصور التي تتزامن مع صوت محدثي المجهول. أصبحتُ على حافة الجنون، تطالعني صورتي المعلقة على الحائط، وخزة جديدة،
"..هذا من أجل مستقبلنا يا عزيزتي، مجاملة بسيطة و لكنها ستفتح لنا أبواب النعيم..و هل تثق به!..بالطبع، نفوذ و مال وسلطة ستصبح في أيدينا نحن الثلاثة، لا بد أن أثق به و يثق بي، مصلحتنا واحدة. تقبلني و تمضي".
..لماذا فعلت ذلك يا صلاح!. تفارق عيناي الصورة المعلقة..أنا لم أفعل شيئا، دعني و شأني..إذن، أين هي؟!..من تقصد؟!..هل هناك غيرها!، زوجتك؟!..لا أعلم، صحوت ذات يوم و لم أجدها. جاءتني الوخزة و هو يصرخ..كاذب، أنت من قتلها..لم أقتلها، كيف أقتلها، إنها حب حياتي..هذه هي الحقيقة. وخزة،
"أرفع لها السحاب، أتاكد من هيئتها..لا تقلق يا حبيبي، سينبهر بي..لن أنسى لكِ هذه التضحية يا عزيزتي..أنا لم أضحي بشيء، ستضع ما اتفقنا عليه في حسابي..بالطبع، المهم أن تمر الليلة و يصبح المنصب في أيدينا".
وخزة جديدة صرختُ لها،
"..هل هذه زوجتك!. نظرت إلى وجهها المدرج بالدماء و ذراعيها الممزقان بجروح غائرة، لم أرد فقال..للأسف، لقد تعرضت للإغتصاب ثم قتلت" .
أزيز شديد،
"..كلا، دعوني، أنا لم أفعل شيئا..اهدأ، هذه مجرد حقنة صغيرة".
يزداد الأزيز شدة،
"أصوات أجهزة التنفس و القلب تصدر أصواتها الرتيبة و قد صحوت. جاءتني الممرضة، طلبت منها ماء، سمعت أزيزا في رأسي".
استلقيت على سريري و قد هدأت الآلام قليلا. ومضت في عقلي ومضة سريعة، انتفضت جالسا..إنه هو، نفس الأزيز الذي أسمعه في تلك التصورات الغريبة. وخزة جديدة،
"..هل وصلتِ يا عزيزتي؟!. يأتيني صوتها من الهاتف الخليوي..أنا لدى الباب..لن أوصيكِ. ضحِكتْ..أنت تعرف ما يمكنني فعله"، أزيز،
"..اتركوني، ماذا تريدون!. شدوا وثاقي و هم يعطونني حقنة أخرى بعد خروجي من العناية المركزة."، وخز،
"..هل هذه زوجتك!. الدماء تسيل منها، مكبل هو في قيده و الشرطة تسحبه و الناس حولنا من كل جانب..لقد سمعوا صراخا يأتي من شقته، اتصلوا بنا و لكننا تأخرنا، هل تعلم علاقة زوجتك به!."، وخز أشد،
"..أثبت المعمل الجنائي، أن رئيسك في العمل هو الجاني هو الذي اغتصبها و ضربها حتى الموت، هل ما زلت تنكرأنك تعرفها؟!، هل أرسلتها إليه كما يقول؟!، لماذا اتصلت بزوجتك قبل دخولها شقته بثوان؟ كما قال حارس العقار الذي أخبرنا أنها تلقت اتصالا لدى دخولها العمارة، أتعلم أن السجلات أثبتت أنك المتصل."، وخزة حامية،
"..محكمة!..حكمت المحكمة بتأجيل القضية و إحالة السيد صلاح محود سعيد إلى مستشفى الأمراض النفسية للتأكد من سلامة قواه العقلية".
..لقد أفلتّ أنت بينما هو في طريقه للإعدام، أليس كذلك؟!، ترى ما هو شعورك؟!. صحتُ و ثلاثة حروف تومض في رأسي مع أزيز عال، ت.س.أ..دعني لحالي، من أنت؟!، و ماذا تريد؟!..ألا تعرف من أنا!، يبدو أنك نسيتني منذ زمن بعيد، لن تنجح في لفت انتباهي، كل ما أريده أن تتذكر،
"..حسنا يا حبيبتي، سأنتظرك غدا صباحا..نم يا حبيبي قرير العين، اعتبر الترقية في جيبك".
ومضت صورة في رأسي دون ألم، "لا بد أن تخضع للعلاج..لستُ مريضا..هل تعلم ما حدث لزوجتك؟!.. نعم صحوت ذات يوم و لم أجدها. ابتعدَ عني ثم همس لطبيب آخر..إنه في حالة إنكار".
خفت حدة الآلام، لم ألتفت إلى كلامه و قاومت صوته، تحاملت على نفسي و أخذت أربط الصور ببعضها. هناك عملية جراحية أجريت لي، هذا الأزيز في رأسي بدأ عندما قامت مؤسسة ما بخطفي و زرع شيء ما في رأسي، يبدو أنها تجربة من نوع ما، إنها هي التي تصور لي كل هذه الصور، هي مصدر محدثي، كيف لم يكشفها جهاز الرنين عندما ذهبت للكشف لعلاج هذه الآلام؟!، هناك أشياء أتذكرها دون ألم، المستشفى النفسي، نعم، أتذكره جيدا، يبدو أني قد مرضت لما هجرتني، لم أتحمل بعدها، لقد تعرضت لعملية إجرامية، يبدو أنني خطفت من هناك، لا بد من نزع هذا الشيء من رأسي.
الصوت يكلمني..هل تذكر يا صلاح، الدماء على وجهها، ملابسها الممزقة، لقد أرسلتها إلى حتفها، أنت قلت في نفسك ذلك حينها، لم تكن تعلم أن هذا هو مصدر لذته، الاغتصاب، كنت تظنها ليلة لطيفة ستقضيها معه نظير ترقيتك. صرختُ فيه..أنت كاذب، صفاء ما زالت حية لم تقتل، أنت كاذب و سأقاضي من زرعوك في رأسي، سأنتقم منكم أيها المجرمون..تذكر يا صلاح..كلا، لقد زيفتم ذاكرتي..تذكر. جاءت وخزة،
" الدماء على وجهها، مقبوض عليه، ينظر إلي من طرف خفي في سيارة الشرطة".
قاطعتُ الصور..كلا، أنت كاذب، هذه أوهام تبثها إياي، ليست هذه ذكرياتي، إنها ذكرياتكم أيها السفلة.
سمعت طرقا على الباب، توجهت إليه ممسكا برأسي من وطأة الألم، فتحت الباب بالكاد. دخل ثلاثة أشداء أمسكوا بي، حاولت مقاومتهم، لم أستطع، دس أحدهم حقنة في كتفي.
صحوت فوجدت نفسي ممدا على سرير. لم أستطع تحمل وميض المصباح في سقف الحجرة، أحسست بإفاقتي تتنامى، جلست و قد تلاشت الآلام في رأسي. دخل اثنان أوقفوني و ذهبت معهم.
استقبلني رجل وسيم الملامح يرتدي بذلة سوداء أنيقة. نهض من وراء مكتبه، مد يده بالمصافحة فصافحته مستغربا..أهلا يا سيد صلاح. أشار إلي بالجلوس فجلست. أدرت ناظري في الغرفة الرمادية الجدران و مستطيلات الإضاءة الساطعة في السقف، قاطع فرجتي..نحن آسفون يا سيد صلاح، حدث خلل بسيط في الشريحة المزروعة. تنامى غضبي إذ صدق حدسي، كدت أنفعل فقاطعني..لك الحق أن تتضايق بل و أن تستشيط غضبا، على كل، لقد أصلحنا خطأنا و نزعناها. تحسست رأسي من الخلف فأوجعني جرح فيها. أردف..أرسلت الشريحة نبضات مشفرة تخبرنا أن في أدائها خلل ما. تنامى صوتي الحانق..هكذا ببساطة!، تزرعون في مخي شيئا دون إرادتي ثم تنزعونه و تتوقعون مني أن أتناسى ما حدث، لقد استغللتم مرضي النفسي لفراق زوجتي، أتعلمون مدى الألم الذي سببته شريحتكم؟!، أتعلمون مدى بشاعة الصور التي بثتها في عقلي؟!، لقد صورت لي أن... قاطعني بابتسامة و صوت هادئين..أنا آسف يا سيد صلاح على مقاطعتك، أرجوك لا تحكي لنا ما كنت ترى، فهذا ليس من حقنا. ضحكت ثم قلت متهكما..يا سلام!، تزرعون شريحة بملفات صور كاملة و أحاديث بل و أحلام و تريدني ألا أخبركم بها؟!، هل تستخف بعقلي؟!..صدقني يا سيد صلاح نحن لا نعلم ما بثته الشريحة، لأنها ببساطة لا تبث شيئا، إنها فقط تنشط الذاكرة، نمسح مخك جيدا، نكشف عن نشاطات كهربية معينة في نقاط معينة تسمى بالمناطق المعتمة و التي تدفن فيها الذكريات و مهمة الشريحة تحفيز هذه المناطق..تقصد أن كل ما رأيت من صور هي ذكرياتي الدفينة!..أنا لا أعلم ماذا رأيت بالضبط فنحن لا نطلع على ذكريات، و لكن أيا كان ما رأيت قد يكون غير حقيقي فشريحتك كان بها خلل جسيم، الشفرة التي أرسلتها أخبرتنا أنك علمت أننا زرعناها و كان من المفترض أن تمحى ذاكرتك تماما من لحظة الإمساك بك حتى إنهاء العملية و عودتك إلى حياتك الطبيعية..و من الذي أحالني إليكم؟، المستشفى؟!..كلا، الحكومة، نحن مجرد شركة تكنولوجية متعاقدة مع الحكومة من أجل البحث العلمي، تحيل إلينا أحدهم فنجري مسح المناطق المعتمة و نزرع الشريحة لإيقاظ تلك المناطق، و هي تبدأ عملها بالمناطق الأشد إعتاما إذا صح التعبير..و لماذا؟!، هل تقصد بالحكومة المخابرات؟!، أمن الدولة؟!، نعم، لا بد أنه أحد الجهازين، إنهم يستخرجون المعلومات بتلك الطريقة، أليس كذلك؟!..ليس من حقي أن أجيب..و الأضرار الناجمة عن تذكر الأشياء الدفينة؟!..كل ما يهمنا هو الضرر البيولوجي و هو محدود، كل ما هناك أن المرء قد يشعر بألم أو وخز خفيف إذا حاول مقاومة عمل الشريحة بإنكار الذكرى و لكنه في النهاية يستسلم لها بالتذكر و ينتهي عملها بعد ذلك..و ما أدراني أنكم نزعتموها و كيف لم ينجح جهاز الرنين في كشفها؟!..لا يكشفها إلا هذا. و أخرج جهازا من درج مكتبه قربه من رأسي و أراني شاشته..هل ترى، مخك خال تماما من أي عناصر غريبة أو نشاط غريب مما يعني أن أثرها قد انتهى تماما. نظرت في الشاشة ثم رمقته بغضب..إنكم مجرمون..حنانيك يا سيد صلاح، لو كنا كذلك لتركنا شريحتنا الخربة تفتك بمخك..سأقاضيكم. ابتسم و هو يعيد الجهاز في درجه..تقاضي من، نحن مؤسسة سرية، مجرد سراب، لن يصدقك أحد خاصة و قد كنت في مستشفى للأمراض العقلية قبل أن نجري لك العملية، لا تثر ضجة و لن نعيدك إليها.
نزعوا العصابة السوداء عن عيني و أخرجوني من سيارتهم. تنفست الصعداء، فعلى قدر غيظي مما ألم بي على قدر ما أصابني من هدوء للتخلص من تلك الملعونة. لم أكد اقترب من البيت حتى تلاحقت الذكريات بدون ألم،
"..أين زوجتك يا سيد صلاح!..صحوت ذات يوم و لم أجدها. ثم بكيتُ..لقد هجرتني. يقول الطبيب للممرضة..ما زال في حالة الإنكار. اثنان دخلا غرفتي ليلا..من أنتم؟!. جراني إلى سيارة سوداء كبيرة كتب عليها ثلاثة حروف، ت.س.أ، و تحتها، تقويم السلوك إلكترونيا".
تجمدت في مكاني، إنها نفس الحروف التي تذكرتها قبلا، هذه هي المؤسسة الخفية. توالت الذكريات،
"إلى اللقاء غدا يا حبيبتي..لا تقلق الترقية في جيبك...دماء و جروح و ملابس ممزقة..هل هذه زوجتك؟!...و نحن كممثلين للنيابة العامة لا نعلم كيف نعاقب شخصا كهذا يبيع زوجته من أجل ترقية حتى و إن وافقته...".
جلست على الرصيف، أجهشت في بكاء شديد بعد أن تذكرت كل شيء، ..أنا من قتلها، أنا من أرسلها لحتفها، لم أتحمل الصدمة فأنكرت..إندم يا صلاح، أجمل ما في الانسان الندم. التفت..هل ما زلت تلفت؟!..لم ما زلت تكلمني؟!، لستَ من أثر عمل الشريحة، أليس كذلك؟! لم أكن أشعر بوخز عندما كنت تكلمني، أنت من داخلي، إنها مؤسسة عقابية بديلة، مؤسسة لتقويم السلوك و ليست مجرد مؤسسة تكنولوجية، الحاح الذكرى التي حفزتها الشريحة أيقظك، و كنت قد أنمتك من زمن بعيد، و الويل من يقظتك، لا ترحم، فلما ظهرت أعراض ذلك العذاب أرسلت إشارة فجاءوا و نزعوها. نهضت هاما بالرحيل و قد شعرت براحة عجيبة فصاح..إياك أن تنساني! التفت منزعجا فقال..لا تنظر خلفك، لا تجعلني خلفك، اجعلني أمامك.
تمت








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الممثلة المغربية جيهان خماس.. عفوية معهودة وتلقائية في التفا


.. حوا بطواش - حوار عن الأدب والكتابة وأجمل إبتسامة محفورة في ا


.. نشرة الرابعة | ماهي دوافع إنشاء جمعية للفنانين السعوديين؟




.. حواديت المصري اليوم | حكاية ممثل شهير في الأصل ملحن كبير.. م


.. يستضيف الاعلامي دومينك ابوحنا في الحلقة الاولى من Go Live ا