الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


يوميات: الشكل العادي للجنون

ممدوح رزق

2013 / 2 / 12
الادب والفن


لماذا أشعر بأن الشخص الذي كنته في بدايات شبابي أصبح الآن أكثر قربا من تحطيم الجدار الصخري الذي حُبس وراءه طوال هذه السنوات ؟ .. أعرف أنه لا يوجد ما يفرض بقاءه سجينا حتى نهايتي، لكن متعتي في نفس الوقت بقرب تحرره لم تحصل بعد على كامل راحتها؛ بل مازلت متآلفا مع تخيل نتائج خروجه إلى الحياة مرة أخرى أكثر من استعدادي ـ رغم كل شيء ـ لخروجه فعلا .. ربما لا أحتاج سوى لبذل قليل من الجهد لتخليص الحالة مما قد يكون تشويشا مربكا لإرجاع السبب إلى التعوّد خلال الفترة الطويلة الماضية على التفكير فيه كذكرى .. كماض لا سبيل لعودته .. لكن الذكرى أصبحت هذه الأيام في مواجهة رغبة شرسة لاسترداده من الأسر.
كان مطمئنا لقدرته على تكوين أمان خاص، محصن بتحالفات أشياء صغيرة داخل مغارة أشباح هائلة، محكومة بالتراكمات المذلة لزمن كابوسي .. كان يعتقد بأن العالم قابل بشكل وبآخر لأن يعطيه حيزا منكمشا وبعيدا إذا لم يدخر طاقة في كسر إرادته بانفعالاته الحادة وتهوره وقسوته غير المترددة تجاه خطايا البشر .. أتذكر اعتزازه بلذة التحدي الكامن في مجابهة الشرور بعواطف جارفة مخلصة للتمرد، ومنسجمة مع أشكال متنوعة للتشرد واللامبالاة لم تأخذ مداها المرعب، ولم تنقاد لمبالغات عنيفة كالتي في بعض حكايات الأدب والسينما .. غاب طويلا ذلك المدفوع بطيبة غاضبة وشفقة وتحسر بالغين حد التوهان الطفولي رغم القوانين الصامدة المرجأة في أحلامه، والتي لم تسمح له وقتها بأي فرصة للشك في أن الغيب سيخضع ذات يوم للجمال الأبدي الذي ستخلقه .. لم تكن الكتابة وقتها مجرد توثيق واكتشاف ومحاكمة لحروبه العشوائية التي أنهكه الهوس بتنظيمها بقدر ما كانت أيضا تدابير متزايدة وخطط متغيرة لتصفية الحسابات المؤلمة مع سذاجته ومع الآخرين ومع القدر .. كانت محاسبة تعذيبية لنفسه وبحثا عن إمكانيات التدارك لأخطاءها وانفلاتاتها اللامحسوبة، والتي أضاءت ثغرات ضعفه لأعداء كان يتأكد دائما من أنهم يعيشون فقط لانتهازها.. لم يُترك هذا الشخص للوصول إلى الانفجار الفوضوي الكامل بفعل الخسارات المتلاحقة بغموض، والقهر الفذ للحنين، واليأس من التخلص من أقنعة مستفزة كان يضطر كثيرا لأن يخبيء خوفه وهشاشته تحتها كي يحافظ على بقاءه وسط غرباء ينبغي أن يصدوا الفناء عنه لكن خلودهم ألزمهم بالاستمرار في فعل العكس .. يمكنك أن تعيش حياة عادية كما يجب أن يكون عليه موظف أو مالك محل أو صاحب حرفة محيلا توسلاتك إلى هوامش محتملة لا تجيد أكثر من تكرار وتعديل شحوبها بسعادة .. هذيان بائس عن مستقبل ما، مهدد ومتكسّر بدءا من لحظة التفكير فيه، غير مضمون كنكتة قديمة سمجة، ولكنها ستكون صاحبة الفضل في قوة انتقامك من الحياة والموت بالكتابة .. كان الأمر يشبه حكمة إجبارية لم يتمكن من السيطرة على الانسحاب معها للداخل كاتما كل الطلقات التي تسببت في جروح له أكثر مما تسببت للآخرين .. مانعا كل الصرخات التي لم يستطع تمييزها أو الوثوق في انتماءها له حينما كانت صوتا مسموعا، ولكنها كانت جاهزة دائما للاندفاع في لحظة غير متوقعة .. كان كل ما يظهر منه خلال السنوات الماضية ليس أكثر من حفر بأظافره التي طالت كثيرا دون فائدة فوق النتوءات والتعاريج القاسية للجدار الصخري الذي لم يمتلك يقينا بأنه يرفض التعاطف معه .. أظافره التي لم تتوقف أبدا عن معاقبة جسدي من الداخل بينما يفرح في مصائب الآخرين ويتمناها أكثر بكثير من حرقهم بلغة صريحة .. بينما يعيش تعاسة مهينة كلما لمس تقاربا بينهم أكثر بكثير من تمزيق واضح ومعلن لكرامتهم .
عاش متفهما باستسلام للأمر، ومتيقظا بندم للدلائل والإشارات الخادعة التي كان عليها أن تثبت ضرورة الكبت الذي تمت ممارسته عليه تدريجيا دون اعتبار لما يعتقد أنه صحيح أوخاطيء .. أشعر أن اللحظات المتعاقبة صارت أكثر تماديا لجحيم لم يعد هناك رجاء في التصميم على التعايش معه .. أصبحت من المرض للدرجة التي تفشل معها حتى رغبتي في استدعاء مبرر للمقاومة، خاصة مع التقدم الجليدي الأعمى للعمر، وتقلص الوقت ـ أيا يكن مداه ـ المتبقي الذي يبدو أنه معد هو الآخر فحسب للانتظار وللانتحار البطيء برفقة ذكريات ملتبسة لكل ما حدث، ولكل ما كان ينبغي أن يكون .. لازالت الكتابة متعة اللعب بالأوهام المسيطرة على آلات الحرب المجهزة للفرجة الكونية، ولكنها تعرّفني الآن بأنها تمتلك هزائمها الخاصة التي لا يمكن معالجتها، والتي ربما ستزيد من إلحاح الشخص الذي كنته في بدايات شبابي للخروج من سجنه .. لكنه لن يخرج كما كان ـ أدرك ذلك جيدا ـ لأنه سيكون ـ وببساطة لا يمكن تصديقها ـ عاريا من القوانين والأحلام .. سيتفرغ فقط للاستمرار في تصويب كراهيته لكل ما له وجود في العالم وبقدرة غريبة على الانتهاك والأذى والتخلي .. سيخرج لتعويض الانفجار الذي حُرم منه، ولن يستثني حتى أقرب البشر إليه .. أتمنى ـ بصدق ـ ألا تعيشون حتى ذلك اليوم.

* * *
12 / 2 / 2013








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. صباح العربية | بينها اللغة العربية.. رواتب خيالية لمتقني هذه


.. أغاني اليوم بموسيقى الزمن الجميل.. -صباح العربية- يلتقي فرقة




.. مت فى 10 أيام.. قصة زواج الفنان أحمد عبد الوهاب من ابنة صبحى


.. الفنانة ميار الببلاوي تنهار خلال بث مباشر بعد اتهامات داعية




.. كلمة -وقفة-.. زلة لسان جديدة لبايدن على المسرح