الحوار المتمدن - موبايل


خواء العودة

جمال الدين أحمد عزام

2013 / 2 / 16
الادب والفن


خواء العودة

كان يوما خماسينيا حارا و كانت الشمس كشقراء شعثاء، ترسل شعرها الذهبي الأجعد مبعثرا محمولا على الرمال و الهواء الساخن فيلفح الوجوه بأطرافه الحامية و يلتف بتجعده الخشن حول الرقاب ليخنقها بلهيبه. اقتربتُ مغالبا الأتربة، أطَل البيتُ القديم من بعيد، كانت الريح تصفر حوله عندما تحف بزواياه، يصفع بابه حلق مدخله المتهاوي كما تصفع دلفتي شيش نافذته الأرضية الجدار على جانبيها، كانت أصوات القرع المصدية تتبادل و تتوالى و كأن الباب و دلفتي الشيش فرقة بلهاء تعزف لحنا ناشزا مزعجا. يبدو أن البيت قد هجره أهله من سنين.
دخلت و زوم الريح كأنين وحش يحتضر. لم يتبقى في البيت شيء سوى جدرانه المشققة و أركانه التي تسكنها العناكب و بقايا مرآة مسودة الأطراف باهته معلقة على جدار الغرفة حيث النافذة الأرضية. لاحتْ لي صورتك في المرآة و أنت تمشطين شعرك. أفقت على ارتطام الشيش بالحائط، أين أنت؟! لم يتبقى منك سوى بعض من مرآة.
ما زالت عيناي تدوران في الغرفة، تتحسس أي ذكرى، ليس هناك سوى شقوق الجدران؛ سوى خطوط سوداء متعرجة كندبات غائرة في وجه أبيض، كلا، إنها ليست خطوطا، إنها بقايا دماء أمانينا، سائلة على الجدران، مبخوعة بقسوة بين الشقوق.
هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أدخل فيها غرفتك، لم يتسنى لي من قبل سوى إطلالة خجلى ألمح بها مرآتك من خلفك و أنت واقفة في نافذتك، كنت تفتحينها، تدفعين الشيش بهدوء عندما تستقبل أذناك المرهفتان دبيب خطاي و أنا مقبل نحو بيتكم. هل تذكرين شيئا من أيامنا؟! طفولتنا؟! مراهقتنا؟! شبابنا؟!
هل تذكرين الشتاء؟! كنت تتسللين دون علم من أمك سارقة قطعة من فطيرها الساخن، تلسع كفك الرقيقة، تتحملين جذوتها، تغطين كتفيك بشال ثقيل، تقابلينني أسفل نافذتك، تقسمينها بيننا، أتناول نصيبي من يدك ضاحكا على أنفك المحمرة.
كان الطريق الترابي، المار بنافذتك و المبلل بماء المطر، يتوهج دفئا عندما كنت تنتظرينني تحتها، ذلك أنك كنت ترسلين أسرار قلبك أطيافا سعيدة إلى السحاب الأبيض، تحتضنه ككنزات ملونه، تدفئها فتمطر قطرات عطرة تنمو بها النراجس حول بيتك. لم أشعر معك أبدا ببرودة الشتاء، بل أكاد أجزم أن الضاحية بأكملها كانت تشعر بذلك الدفء ينبعث من قلبينا الصغيرين.
هل تعلمين أنهم كانوا يعرفون كل ما كان بيننا، كانت أعينهم تقول ذلك عندما تقابل أعيننا في الطرقات، كانوا سعداء إذ نضيء ظلمة قلوبهم، كانوا يعرفون آثارنا، آثار أقدامنا في الدروب، يعرفون بقايا زينتنا الملونة التي نعلقها في العيد، يعرفون طائرتينا الورقيتين و هما تتعانقان أمام الشفق في أمسيات الربيع، كانوا يعرفون آثار أيدينا على الشجرة المطلة على البيوت البعيدة من فوق ربوتها.
هل تذكرين الشجرة؟! وردتك الحمراء التي تضعينها في شعرك؟! فستانك الأبيض؟! ضحكتك الطفولية و نحن نجري وراء بعضنا و ندور حولها؟! حديثنا الناهج عندما نستند بظهرينا إلى جذعها ثم نسكت من التعب فتتسلل إلى صدرينا نسمات الربيع تحف بأوراقها فتتراقص و تغني كجوقة أطفال فرحين يستقبلون العيد؟! هل تذكرين شيئا مما كان؟!
تركتُ البيت الموحش، انطلقتُ إلى الطريق المؤدي إلى شجرتنا. ها هي البيوت في الأسفل، غارقة في الضباب الأصفر الحار، و الشجرة جافة صفراء لا تملك سوى أغصانها العجوز العارية. لقد كانت حية بمس أيدينا لها، هل تذكرين كيف كانت تلامس أيدينا جذعها الكبير عندما كانت تتقابل أعيننا في نور الشمس الصيفية؟! كنت تخجلين من طول النظر و قد تنامى شبابك فتتملصين راكضة كالطفلة تسبقك تلك الضحكة الصغيرة. كان هذا هو أجمل ما فيك، طفولتك الدائمة. كنت دائما ترعين تلك الطفلة في داخلك و لا تتركينها تذبل. هل تذكرين؟! أم تراني مت فيك؟!
هل تذكرين عندما كنا نلهو بالفقاقيع و قد حل الخريف؟! كنا نتبارى من فينا ينفخ فقاعة أكبر. كنت أتمنى امتداد الوقت بنا حتى المغيب لنرقب شروق البدر على الضاحية، كنت لأخالنا داخل فقاعتين شفافتين مملوءتين بهواء رئتيك المعطر، تطفوان بنا إلى الأعلى، تصلان بنا إلى القمر، تتقابلان فتنفقئان عندما نهبط على سطحه، تتناثر بقاياهما قطرات متلألئة صانعة ذلك السنا الفضي، نرقبه و هو مرسل إلى الأرض و أيدينا متشابكة و أعيننا متعانقة. و لكني كنت أفيق دائما على صوت حفيف الأوراق الجافة الذهبية عندما تنفثينها من فوق كفيك على البيوت في الأسفل، تنثرينها تبرا لامعا فيتوهج لها شفق المغيب.
هل تذكرين ذلك اليوم المشئوم عندما رفضوني رغم علمهم بكل شيء؟! رغم علمهم باستحالة البعد بيننا؟! هل تذكرين تراجعك و انهيار مقاومتك أمام قسوتهم؟! كان المطلوب أن أشتريك و لكنني لم أكن أملك ساعتها سوى قلبي، هو ثروتي. لكنهم كانوا يبيعونك بالورق، لم أكن أعلم أنهم يظنونك جارية. ترى بكم باعوك؟! بكم باعوا العينين؟! الشفتين؟! الكفين؟! بكم باعوا شعرك؟! بكم باعوا قدميك؟!...بكم باعوا قلبك؟! كم كان ثمنه؟!
كان علي أن آتي بالورق، و ها قد جئت بالورق و الناس يعزونني بأعينهم في الطرقات، ليس لموت أهلي إنما لموت حبي الذي هو عمري. أرفع عيني في أعينهم و أرى ذلك العتاب. لقد خذلناهم، قتلنا أملهم، كنا نؤكد لهم و هم يرقبون حبنا البريء أن الحياة جميلة، أن الشتاء و الربيع و الصيف و الخريف كلهم ربيع، كلهم بهجة، كنا نخلق لهم ذلك القصر المسحور، نوردهم النهر الجاري تحته، يغترفون منه بأيديهم و يشربون الأمل.
تركتُ الشجرة و ذهبتُ إلى المقابر لألقي نظرة على قبرَي أبي و أمي. و بينما كنت أقرأ بعيني ما كتب على الشاهدَين، اخترق صوت المحرك الفظ سكون المكان، فتح السائق الباب، خرجتْ من السيارة الفارهة امرأة ترتدي السواد، نظرتْ إلي ببرود و هي تلقي السلام ثم وقفتْ إلى جواري أمام قبرَي أبيها و أمها، رفعت كفيها فأصدرت الأساور الذهبية الثقيلة صوتها المعهود و أخذت تقرأ الفاتحة، نظرتُ إليها و هي تقرأ، كيف لم تعرفني؟!
وليت وجهي بعيدا، تراءى لي فوق الشواهد فيلما قديما، تتخلل صوره المرتعشة المتقطعة خطوطا رأسية سوداء و بقعا صغيرة بيضاء...فتاة يافعة تجري، تختفي خلف جذع شجرة وارفة ثم تملأ ضحكاتها الفضاء صدىً عندما يغمر وجهها ضوء المساء الذهبي و هي تطل من مخبأها، تبتر الضحكة مع تنامي صوت آلة العرض و ظهور أرقام الختام.
سكن كل شيء و تلاشى عندما رحلت بسيارتها، لم يعد هناك سوى الصفير ولفح الريح الحارة و وحشة القبور، قرأتُ أنا الآخر الفاتحة على روح المرحوم و التي كان يجب أن أقرأها منذ ستة أعوام.
تمت








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. يستضيف الاعلامي دومينك ابوحنا في الحلقة الاولى من Go Live ا


.. عبد الغني النجدي باع الايفيه لاسماعيل يس و شكوكو بجنيه .. و


.. دراما كوين | تترات المسلسلات من الموسيقى للغناء.. أصالة وعمر




.. تحدي الضحك بين الفنانة رولا عازار وأمل طالب في #التحدي_مع_أم


.. حسين في مسرحية جورج خباز: أنا بحبه لمار شربل، مَنّو طائفي