الحوار المتمدن - موبايل


التفاعلات الدولية إزاء الانتفاضات الشعبية في البلدان العربية (1-3)

هاشم نعمة

2013 / 2 / 17
مواضيع وابحاث سياسية


 
        التفاعلات الدولية إزاء الانتفاضات الشعبية في البلدان العربية (1-3)
 
                                                                                                    د. هاشم نعمة
 
مقدمة عامة    
 
      حظيت الانتفاضات التي اندلعت في عدد من البلدان العربية باهتمام وتفاعل وردود أفعال اقليمية ودولية واسعة ربما لم تحدث بهذا المستوى لأي من الانتفاضات والثورات التي سبقتها على المستوى العربي. رغم أن هذا حدث بدرجات متفاوتة وبصفة تدريجية تماشى مع تطور ونضوج مقدمات التغيير في هذه البلدان. وهذا ينطبق على الدول في المحيط الإقليمي  وبالأخص العربية أو الدولي. ولأهمية العامل الإقليمي والدولي ودوره في الـتأثير في مجرى الانتفاضات وفي نتائجها الآنية والمستقبلية إيجابا وسلبا ارتأينا تحليل هذا العامل الذي سيبقى مؤثرا بقوة على المدى القريب والمتوسط بالأخص رغم أن العوامل الداخلية تبقى المحرك الأساس فيما حدث ويحدث.  
 
      عند بداية انفجار الانتفاضات على شكل حركات احتجاجية، لم يكن للخارج تصور واضح دقيق ومتكامل عن إمكانيات تطور تلك الحركات، لذلك ظل الموقف الخارجي متذبذبا وغير حاسم. ولم تحسم تلك المواقف إلا حينما بدا للجميع أن الحركة تحولت إلى انتفاضة، وأن المطالب تصاعدت إلى القمة. عندئذ أصبحت مواقف الخارج أوضح في الوقوف في الأغلب مع المنتفضين. ونجد الموقف أوضح في حالتي تونس ومصر عنه في حالة ليبيا. وربما يمكن تفسير ذلك بأهمية النفط الليبي، وبخاصة للدول الأوروبية والمتوسطية. وعندما تطلب الأمر استخدام القوة العسكرية، طلبت القوى الدولية موافقة جامعة الدول العربية(1) لتضفي على هذا التدخل طابعا شرعيا وهذا يمكن اعتباره أحد دروس احتلال العراق وما واجهه من رفض على مستوى الرأي العام العربي بالأخص حيث أن الانتفاضات بحد ذاتها دشنت عهد قوة الرأي العام وتأثيره في مسار الأحداث وصناعة القرار السياسي.
 
     وفي الوقت الذي وقف فيه الرأي العام العربي، بشدة ضد التدخل الأمريكي في العراق.  ساهم التعاطف الشعبي مع الانتفاضة الليبية في تعديل المواقف من التدخل الخارجي، وحتى تأييده. وهذا دليل واضح على أن  موقف الرأي العام لا يبقى ثابتا ويمكن أن يتغير طبقا للتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
 
      لم تعبأ الانتفاضات كثيرا بحسابات القوى الخارجية، ولا تعول في الغالب على دعم هذا الطرف أو ذاك بالأخص في بداية انطلاقها بل على العكس قد كشفت الحالات التونسية والمصرية والليبية أن القوى الغربية تمثل عقبة في وجه المنتفضين، إما بسبب دعمها للأنظمة المستبدة أو نتيجة لصمتها على ما تقترفه من جرائم في حق مواطنيها. وقد أسقطت الانتفاضات كل أقنعة الزيف والازدواجية الأخلاقية والقيمية الغربية بعد أن وصل الأمر أحيانا إلى حد التواطؤ الصريح في دعم بقاء هذه الأنظمة على حساب قيم ومبادئ الحرية والديمقراطية كما كان الحال في تونس حين عرضت وزيرة الخارجية الفرنسية ميشيل إليو ماري تدريب الشرطة التونسية لقمع المتظاهرين.(2) وبعد أن ايقنت فرنسا نجاح الانتفاضة عادة وعدلت من موقفها واستفادة من هذا الدرس في ليبيا حيث كانت أشد القوى الغربية تأييدا للتدخل للإطاحة بالقذافي.
 
      انحصرت التغيرات الجيوستراتيجية التي احدثتها الانتفاضة الليبية في تحول موقف الدول الغربية التي شاركت في مهمة حلف الناتو، وذلك بحكم أنها كانت على علاقات سياسية، واقتصادية، وثيقة بنظام القذافي؛ إذ منحها الاستثمارات النفطية والاقتصادية. وعليه؛ فقد كانت  عمليات الناتو جزءا من حماية هذه الامتيازات، وتعزيزا لنفوذ فرنسا التقليدي في أفريقيا بعد أن شكل القذافي عائقا أمام توجهاتها(3) من خلال توطيد علاقاته مع الدول الأفريقية ودعم بعضها ماديا ومع شعور فرنسا بتراجع نفوذها في مستعمرتها السابقة وبالأخص في الجانب السياسي والثقافي مع توسع وانتشار استخدام اللغة الانكليزية.
 
بالنسبة للاعبين الدوليين ودرهم في التأثير في مجرى الانتفاضات ونتائجها نورد هنا أبرزهم.       
 
الولايات المتحدة الأمريكية
 
     حكمت موقف الولايات المتحدة إزاء الانتفاضات وستبقى كذلك مصالحها الاستراتيجية في المنطقة والتنافس الدائر بينها وبين القوى الكبرى الأخرى وبالأخص روسيا والصين؛ وأن ما يبدو تغييرا في سياستها هو نابع من قناعة أن الوقوف بوجه الانتفاضات وبالأخص التي نضجت مقدمات نجاحها يعني المجازفة  بتراجع تأثيرها ونفوذها في المرحلة التي ستعقب سقوط هذه الأنظمة. ومن قناعة أخرى تشير إلى أن هذه الأنظمة باتت غير قابلة للتطور وأدت مهمتها واستهلكت قياداتها وهي تساهم في نمو ظاهرة التطرف الديني والعداء إلى الولايات المتحدة. وهذه السياسة اتسمت بالمرونة مقارنة بروسيا وليس بالمبادئ وهي تعبير أمين عن مصالح الشركات الاحتكارية الكبرى والمتعددة الجنسية.
 
      ودعما لقولنا نودر هنا قول الدبلوماسي الأمريكي جايمس لاروكو والذي يعبر عن وجهة النظر الأمريكية الرسمية "سواء كنا نتحدث عن تونس أو مصر أو غيرها من دول المتوسط العربية وحتى فيما وراء ذلك. فإن الولايات المتحدة غالبا ما كانت تختار المصالح على حساب القيم. اني أقر بذلك في شكل كامل. إلا أن هذا يمكن ويجب أن يتغير الآن... لقد وفرت شعوب المنطقة فرصة للولايات المتحدة لكي تكون شريكة كاملة، في الشرق الوسط الجديد، وسيتطلب ذلك  تعديلا في سياستنا، وأنا متأكد من أننا سنقوم بذلك".(4) من هذا النص يتبين أن الولايات المتحدة كانت في حالة ترقب إزاء الانتفاضات ليتضح لها ميزان القوى الداخلي كي تعدل سياستها بما يتوافق بشكل كامل مع مصالحها. وهي في الواقع تفضل التعامل مع انظمة مستبدة تتسم بمركزية القرار بدل التعامل مع أنظمة ديمقراطية يملك فيها الرأي العام دورا مؤثرا في توجهات صانعي القرار السياسي والاقتصادي. أما الحديث عن القيم فهو النفاق بعينه  لأن تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية يشير إلى أنها  لم ترسم ابدا في أي مرحلة من مرحلها على أساس قيم الحرية والديمقراطية التي تتحدث عنها. 
      
     إذاً بعد أن بدأت الولايات المتحدة تستوعب صدمة الانتفاضات عكفت دوائرها البحثية والسياسية والاستخباراتية على بلورة إستراتيجية جديدة متكاملة للتعاطي مع الواقع الجديد، تكفل لها حماية مصالحها وتحسين صورتها في الشارع العربي، كما تتضمن برنامجا لدعم الانتفاضات والأنظمة الناتجة عنها عبر التحرك في ثلاثة اتجاهات: اقتصادي وسياسي وثقافي.
 
    في الاتجاه الاقتصادي، عمدت الإدارة الأمريكية إلى مساندة الديمقراطيات الوليدة في مصر وتونس على تجاوز التداعيات الاقتصادية السلبية للانتفاضات، فأعلن أوباما إسقاط بلاده ملياري دولار من ديون مصر وتونس مناصفة كما حث المؤسسات الاقتصادية الدولية على تقديم الدعم والشراكة التجارية للبلدين وضخ الاستثمارات لهما. وفي قمة الثماني في فرنسا في آذار| مايس 2011، دعي رئيسا الحكومتين الانتقاليتين في تونس ومصر وأمين الجامعة العربية للمشاركة في بحث خطة دول الثماني لدعم الدول العربية الطامحة للديمقراطية، وتعهد البيان الختامي للقمة بتقديم 20 مليار دولار لدعم مصر وتونس.
 
    وفي الاتجاه السياسي ومع نزوع السياسة المصرية الجديدة، نحو تبني نهج مستقل حيال إيران والقضية الفلسطينية، هرعت الإدارة الأمريكية لصياغة الخطط الكفيلة بكبح جماح تلك السياسة. وبالتوازي حرص أوباما على مد جسور الثقة مع الأنظمة العربية الجديدة وإظهار دعمه الواضح للانتفاضات، كما جدد التزام بلاده بتحريك عملية السلام في الشرق الأوسط استنادا لمبدأ الدولتين.
 
      وفي الاتجاه الثقافي، ظهرت مقترحات أمريكية بضرورة التعاطي مع العرب من منظور مغاير للصورة النمطية السائدة في الغرب، والتي طالما روجت لفكرة بأن الشعوب العربية غير ثورية لا تتوق للديمقراطية والتغيير، كما ظهرت طروحات أمريكية بضرورة مراجعة التصنيفات الأمريكية التقليدية للقوى السياسية الفاعلة في البلدان العربية ما بين "معتدلة" و"غير معتدلة" وتبني معيار جديد يصنفها إلى "قوى شرعية" وأخرى "غير شرعية".(5) ولو تم اعتماد هذا التصنيف حقيقة فإنه سيمثل تغيرا مهما تجاه الأنظمة المستبدة التي لازالت الولايات المتحدة تدعمها.
 
     ومثلت الانتفاضة الليبية اختبارا للإستراتيجية الأمريكية. فقد كان الصمت أولا. ثم مع تصدع النظام  بدأت البيانات تصدر على استيحاء، تعبر عن اهتمام، ثم قلق، ثم استنكار لما يحدث في ليبيا من قمع المتظاهرين، ثم مناشدات لضبط النفس، ولوقف العنف. ومع أن تطورات الأوضاع في ليبيا تشير بأن السكان المنتفضين سيتعرضون لمذبحة ولن اتنتهي إلا بإسقاط النظام، كان الموقف الأمريكي متأخرا وضعيفا.
   
     واستمرارا لهذا الموقف، تبنت الولايات المتحدة سياسة عدم تصدر المشهد فيما يتعلق بعملية اعادة الاعمار في ليبيا، مثلما فعلت في الحملة العسكرية للناتو التي مهدت لسقوط القذافي. كما قامت الإدارة الأمريكية بالإفراج عن مليار ونصف مليار دولار من الأموال الليبية المجمدة في البنوك الأمريكية دون تقديم مساعدات مالية أخرى، أسوة بالدول الحليفة الأخرى التي قدمت مساعدات للثوار الليبيين، في ظل رفض الرأي العام الأمريكي تمويل إعادة اعمار جديدة في الشرق الأوسط بعد تجربتي العراق وأفغانستان، وهو ما وضع قيودا على طبيعة الدور الأمريكي وقدراته في التأثير في مسار الوضع في ليبيا.(6)
 
     عدم قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بمتطلبات ما بعد الانتفاضات ناتج من الأزمة المالية والاقتصادية. وهم ما أكدته وزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون/ حيث قالت في 16 آب| أغسطس 2011 إن الولايات المتحدة قد تخسر فرصتها في إعادة رسم السياسات في الشرق الأوسط، إذا تسببت ضغوط الميزانية في تقييد الدعم الأمريكي للقوى الديمقراطية الناشئة في دول، مثل مصر وتونس. وأضافت: "الولايات المتحدة أمامها فرصة في الوقت الراهن في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولكنها غير واثقة من أنها ستتمكن من انتهازها، لأنها لا تملك الموارد لذلك".(7) وينبغي أن ينظر للتصريح هذا بأنه موجه أيضا للرأي العام الأمريكي والقوى السياسية الداخلية التي تعارض تقديم المساعدات.  
 
      إن حجم التأثير والنفوذ الذي ستتمتع به الولايات المتحدة في ترتيب الأوضاع في البلدان التي أطيح بأنظمتها سيتوقف بدرجة كبيرة على طبيعة المرحلة الانتقالية وتفاعلاتها السياسية-الاجتماعية لبناء دولة مدنية ديمقراطية، وعلى المنظومة السياسية التي تدير الحكم ومتانة النسج الاجتماعي  وبعده عن النزاع الديني والطائفي والعرقي الذي يشكل مدخلا سهلا للتدخل في الشؤون الداخلية من خلال شعور قادة المكونات السكانية والسياسية المتنازعة بأنهم بحاجة للدعم الخارجي لتقوية مواقعهم في أرض النزاع وهذه ما عكسته تجربة العراق المريرة.    
 
الهوامش
 
1-       راجع مصطفى علوي، "كيف يتعامل العالم مع الثورات العربية؟"، السياسة الدولية، العدد 184، 2011، ص 36-41.
2-       راجع خليل العناني، "الثورة المصرية..التداعيات الإقليمية والدولية"، شؤون عربية، العدد 145، 2011، ص 79-81
3-       المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، التوازنات والتفاعلات الجيوستراتيجية والثورات العربية، الدوحة، 2012، ص 9-10.
4-       جايمس لاروكو، "الولايات المتحدة والثورات العربية"، شؤون الأوسط، العدد 138، 2011، ص 54-59. جايمس لاروكو مدير مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الإستراتيجية، جامعة الدفاع الوطني في الولايات المتحدة الأمريكية، وسفير سابق في الكويت، كما عمل في السفارة الأمريكية في تل أبيب.
5-       راجع بشير عبد الفتاح، "أمريكا والربيع العربي"، شؤون عربية، العدد 146، 2011، ص 66-67.
6-       راجع عصام عبد الشافي، "العامل الدولي: تراجع الدور الأمريكي في البيئة الإستراتيجية الجديدة"، السياسة الدولية، العدد 186، 2011"، ص 91.
7-       المصدر نفسه، ص 92.
 








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل تلعب تركيا دورا في التوتر بين روسيا وأوكرانيا؟ كيف؟


.. في الأراضي غير الصالحة للزراعة.. هذا هو أصل لعبة الغولف


.. إيران تتوعد إسرائيل بالرد في المكان والزمان المناسبين




.. عمليات عسكرية استباقية لردع -داعش- عن العودة لبعض المدن العر


.. حادث نطنز.. صيبة عين!! وأردوغان.. بطاطا وبصل! | #الليلة_مع_ن