الحوار المتمدن - موبايل


أين تسهر هذا المساء

سلمى مأمون

2013 / 2 / 21
مواضيع وابحاث سياسية


بينما كنت اشاهد فيلما أمريكياً على احدى القنوات التلفزيونية الفضائية، مرت امامي لقطة لبطلة و بطل الفيلم و هُم يحضرون عرضا سينمائيا بحديقة عامة. قفزت الى ذهني على الفور تلك الحديقة الجميلة أمام بيتنا، التي شهدت اواخر الستينات من القرن الماضي تنظيم (وحدة افلام السودان) لسلسلة عروض في الحدائق العامة بالخرطوم في اطار نشاط قسم (السينما المتجولة). كانت في ذلك الوقت تعرض افلاماً تسجيلية، تعريفية عن السودان و تاريخه و مواقعه الأثرية و ثرواته الطبيعية. رغم ان العروض كانت آنذاك بالابيض و الاسود فقط لكنها كانت حدثاً هاماً و مبهراً.

نتخذ مواقعنا على الفرشات فوق العشب و تحضر الحافلة البيضاء قبل المغيب بقليل و يتم انزال الادوات و نصبها و ضبطها و يسحب الموظف المعني أشرطة غامقة طويلة مخرمة الأطراف من علب صفيح دائرية و يثبتها على ماكينة تنصب خلفنا، ينبعث منها ضوء كشاف يتم تسليطه مباشرة على مستطيل ابيض ذو قائمتين طويلتين و سرعان ما يصدر ذاك الصرير المتواصل فتظهر الأرقام في عد تنازلي و تدخل الصور و الصوت الجهوري للمعلّق مصحوباً بالموسيقى التصويرية و يبدأ العرض. تتنقل الكاميرا بين المراعي و المشاريع الزراعية بالتركيز على اعرقها (مشروع الجزيرة) فنرى حقول القطن و اعداد من النساء و الرجال منثورون مد البصر و هم يجنون محصول السودان النقدي الأول، و نتابع عمليات حلج القطن و تعبئته و نطوف بحقول الكركدي و الصمغ العربي و السمسم و غيرها من المحاصيل النقدية في ذلك الوقت و نتعرف على عدد من المصانع و تأخذنا الكاميرا الى ميناء بورتسودان حيث يتم شحن ثرواتنا لتصديرها الى الخارج، و نطوف نتعرف على معالم الخرطوم بمدنها الثلاثة و جسورها و (مقرن) النيلين و الحديقة الرائعة الباسقة الاشجار بقربه.....و نحلق مع الصور المدهشة!

نسيت أمر الفيلم الذي كنت اتابعه، و قطعتُ (الفلاش باك) و عدتُ الى الحاضر المُرّ الذي فقدنا فيه كل تلك الثروات الطبيعية و حُلّت فيه مؤسسة الدوله للسينما في العام 1991 و جرى تسريح العاملين و تعرّض عدد آخر من السينمائيين العاملين (بمصلحة الثقافة) للفصل السياسي بموجب قانون (الصالح العام!) و تم حل المصلجة نفسها، و هُدمت دور السينما. و أخذت افكر بحسرة بهذه الكفاءات التي تم تشريدها و محاصرتها و بينها عدد من المخرجين المتميزين الذين نالوا جوائز دولية على افلامهم. و افكر بابنائي و بأجيال من الشباب الذين حرموا من مجرد تجربة التأنق و الذهاب الى السينما (ست الاسم) و مشاهدة اجود الافلام المصرية و العالمية، و ليس ارتياد هذه العُلب المغلقة المتبقية التي فرضوا عليها عرض أردأ افلام الحركة من (بوليوود) و ربما بعض الافلام المصرية بعد تشريحها عميقاً بمشارط الرقابة.

لقد صودر منا جميعاً، رفقة كل الأجيال اللاحقة حقنا في ان ننهل من فنون السينما و مشاربها المتنوعة و شخوصها الملهمة و أن نتذوق جمالياتها و متعتها التي لا تضاهيها اي عروض فيديو او (دي في دي) و إن عرضت على شاشة مسطحة بأقصى قياس ممكن. فان المشاهدة عبر شاشة السينما الأصلية تجربة متميزة و تفوق اي مشاهدة أخرى عمقاً. لأن السينما فن قائم بذاته لا يتم استيعابه بالكامل و تلقي مؤثراته و عظمه رسالته الا عبر الشاشة العريضة.
بديهي أن وجود السينما العالمية في حياتنا مكمل ضروري لكي نتثقف و نواكب العالم و حركة تطوره و نتأثر. و مثلما نحتاج بلا انقطاع ان نطلع على ابداع الآخر نحن ايضاً نحتاج أن نبدع انتاجنا و نشارك بارساء مساهمتنا في هذا التراث الانساني. لهذا لا تنحصر الحسرة فقط في غياب السينما العالمية الجيدة عن المشاهد السوداني، بل في اضطهاد السلطة للسينما السودانية و تجريدها من الرعاية و الدعم و حبسها في نطاق محدود، بما لا يتعارض مع التوجهات المعلنة. بينما مجالها حيوي و متجدد و لا تنضب فيه الافكار الابداعية و يحتاجه الواقع بشدة لتتفتح مداركه على الحلول للعديد من القضايا و الهموم الملحة...و لكن!!!!

كان ياما كان في زمن لم يغب بعد عن الذاكرة، كانت الصحف اليومية الصادرة في الخرطوم ، تنشر شريطاً بصفحتها الثانية تحت مُسمّى (أين تسهر هذا المساء!) هي رصد لمختلف الفعاليات الثقافية بالعاصمة و العروض المسرحية و فرق السيرك الزائرة و غيرها اضافة الى قائمة بدور السينما بالمدن الثلاث و العروض التي ستجري فيها...كلام بات وقعه كحكايات الجن بالنسبة لواقع اليوم الذي استبد به القحط الثقافي و الفني. بئس الحال و قد صار السهر (اذا جاز ان نسميه كذلك) خارج البيوت بالمطاعم و الكافتيريات للامتلاء بالطعام. لانه التعويض الوحيد المتاح في شظف الثقافة و الترفيه. بل هو اليوم الترفيه بحد ذاته!!

فن السينما كغيره من الوان الثقافة و الفنون و الابداع، يتنسم الحرية و لا ينمو بمستنقعات القهر. فلنطرح تساؤلاً بسيطاً: كيف يمكن تنفيذ افلام فنية سودانية في ظل سياسة التمكين و فرض الحجاب على النساء؟ الاجابة البديهية تنسف الامكانية من اساسها. بينما الضرورة لانتاج هكذا افلام، خارج الاطار التمكيني تظل موجودة و مُلحة. و لكنها مؤجلة في الوقت الحاضر. لذا لا يسعنا الحلم بأن تقوم للسينما السودانية قائمة في وجود هذا النظام (المستوحش). يلزمنا وضع جديد باولويات جديدة تحترم الانسان و عقله و حريته. و تخطيط لسينما سودانية تستثمر لصالح التنوير.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مظاهرات في عدة دول عربية ضد القصف الإسرئيلي لغزة ودعما للفلس


.. هل ما يحدث بين الفلسطينيين وإسرائيل أولوية للعرب؟ باحث سياسي


.. المبعوث الأميركي يبحث في تل أبيب سبل التوصل للتهدئة




.. مقتل 10 فلسطينيين من عائلة واحدة في غارة على غزة


.. غارات إسرائيلية تستهدف بنوكا تابعة لحركة حماس