الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الرفيق رائد فهمي في باريس : - الأزمة السياسية في العراق تحوّلت الى ورم سرطاني -

عبد الرحمن دارا سليمان

2013 / 2 / 28
مواضيع وابحاث سياسية


الرفيق رائد فهمي في باريس :" الأزمة السياسية في العراق تحوّلت الى ورم سرطاني"


قامت منظمة الحزب الشيوعي العراقي في فرنسا بدعوة الرفيق "رائد فهمي" عضو المكتب السياسي للحزب، الى لقاء مفتوح مع أبناء الجالية العراقية هناك، وذلك في مساء يوم السبت الثالث والعشرين من شهر شباط ، من أجل مناقشة الوضع السياسي الراهن وتطوراته الخطيرة بعد سلسلة التظاهرات والإعتصامات الأخيرة في مدن الأنبار وصلاح الدين والموصل وديالى، ودخول العملية السياسية عموما في مراحلها الحرجة إثر تراكم الخلافات والنزاعات بين أطراف ورموز القوى السياسية المتنفذة وفشلها الذريع في التصدّي لها في أوانها المناسب وتوفير الأجواء اللازمة لمعالجتها بالسبل السياسية السليمة. فكانت النتيجة تجديد وتغذية نزاعاتها التي باتت تدور في حلقة مفرغة لا مخرج منها، دون شعور بالمسؤولية ومراعاة للمصالح العليا، ودون أدنى إعتبار للضرر والخطر الناجمين على السلم الأهلي وعلى مستقبل البلاد .

وقفة تقويمية لجرد الحساب

بدأ الرفيق "رائد فهمي" حديثه بالإشارة الى حصيلة السنوات العشرالماضية منذ سقوط النظام الديكتاتوري السابق عام 2003 ، وقال:"نحن ندفع اليوم، الثمن الباهض للتدخل العسكري الخارجي"، ولابدّ من التذكير هنا، الى أنّ الحزب الشيوعي العراقي كان من بين القوى السياسية القليلة التي شجبت منذ البداية مبدأ التدخل العسكري للإطاحة بالنظام السابق وكان شعاره في تلك السنوات "لا للدكتاتورية ولا للحرب". وأضاف قائلا ، "إنّ إنهيار النظام الديكتاتوري قد ترافق مع إنهيار الدولة نتيجة إرتباط مؤسساتها العديدة بالنظام وبرأس النظام السابق، فأصبحنا بالنتيجة، أمام مهمتين أساسيتين: الأولى إستعادة السيادة الوطنية، والثانية إعادة بناء الدولة" . وعلى الرغم من بعض الإنتقادات التي واجهها الحزب حينذاك نتيجة مشاركته في العملية السياسية إلأّ أنه آثر شكل النضال السلمي في سبيل إنجاز تلك المهام، فالنضال الوطني تعريفا، لا يمكن تحديده بإحدى وسائله فقط ، كما لا يمكن في عالم السياسة الحكم على النوايا مسبقا وخصوصا أنّ وثائق المعارضة السابقة كانت تشير الى بعض ملامح الدولة المقبلة وتُجمع على أسس ومبادئ الديمقراطية والتعددية السياسية. ومع ذلك فإنّ شكل الدولة المطلوبة، كان ولا يزال موضع صراع مرير، بسبب عدم إدراك القوى السياسية التي إستجدت مصالحها وإمتيازاتها على ضوء الخارطة الجديدة، خارطة توزيع وتقاسم السلطة والثروة والنفوذ على أساس المكوّنات الطائفية والأثنية والمذهبية، لحجم الرهانات المرتبطة بالمحافظة على التحالف الداخلي الذي إنفرط عقده ولم تعد قادرة لحدّ اليوم على إعادة لحمته وبناء تحالف سياسي داخلي عريض. فهي ليست على استعداد للاقتناع بضرورة التخلّي عن الأساليب التي إنتهجتها وإستمرت في ممارستها، وقبولها بمبدأ التنازلات المتبادلة لصالح الإرادة الشعبية وللصالح الوطني العام .

ثمّ تطرّق الرفيق فهمي في هذا السياق، الى معركة الدستور التي وإن حسمت مسألة هوية الدولة الديمقراطية الإتحادية وجرى تثبيتها في نصوصه، بيد أنّ عددا غير قليل من مواد الدستور قد ظلّت حمّالة أوجه، مما أدّى ويؤدي عمليا، الى إستمرار الخلافات حول تأويلها وتفسيرها من قبل الأطراف السياسية. ولكي يكون الدستور هو القانون الأساس للدولة وعمودها الفقري، ينبغي أن لا تقرره الأغلبية الإجتماعية فحسب، بل يقرره المجتمع بأكمله حتى يعكس الإرادة العامة وتصبح الدولة فضاء عموميا وقانونيا وحقوقيا، يستظل به جميع المواطنين بغض النظرعن إنتماءاتهم الاثنية والدينية والمذهبية. لكن ما يعطّل العمل على تحويل الدولة الى هذا الإطار العمومي الجامع، هو السعي الدائم للحكومات المتعاقبة والجماعات السياسية المتنافسة الى خلق بؤر ومراكز قوى متضاربة داخل كيان الدولة والإدارة العامّة وتعمل بالتعاون مع شبكات المصالح الداخلية والخارجية المرتبطة بها على خدمة الأجندات الخاصة والأغراض الضيقة، وهو ما يعرقل نشوء دولة وطنية حديثة وفقا للمسارات السياسية التي أتبعتها القوى المتنفذة منذ عشر سنوات. ولا يعني ذلك بطبيعة الحال، سوى إستمرار الإداء الحكومي السيء، وإستمرار العنف والتوتّرات وتمديد النزاعات السياسية وتجديدها والتي تنعكس مباشرة على المجتمع في كلّ الحقول والميادين الإقتصادية والثقافية وفي قطاعات الصحة والتعليم والخدمات والإدارة العامة.
خطأ تأسيسي في العملية السياسية
وتساءل عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي: " كيف ينبغي علينا أن نفهم العملية السياسية ؟ وكيف يمكن تغييرها ؟"، فأشار الى أنّ جوهر العملية السياسية هو إدارة وقيادة المرحلة الإنتقالية من قبل القوى السياسية المشاركة فيها والموكلة اليها مهمات الإدارة والقيادة على إختلاف برامجها ومشاربها وتوجهاتها، بهدف بناء النظام السياسي المستقر الذي يضمن حقوق جميع ابنائه على اختلاف اتتماءاتهم القومية والدينية والمذهبية ومعتقداتهم، اي النظام الذي يلخصه شعار العراق الديمقراطي الاتحادي الموحد، واعتمدت العملية السياسية مبدأ التوافق والمشاركة في الحكم باعتباره ضروريا في مرحلة تأسيس النظام الجديد لتأمين اوسع قاعدة دعم وتأييد مجتمعية له. غير أنّ مفهوم التوافق تعرّض للإفقار والتشويه من الناحية العملية واختزل إلى نظام محاصصة طائفية وأثنية يقضي بتوزيع مواقع السلطة ومراكز النفوذ بين القوى السياسية المتنفذة التي احتكرت لنفسها تمثيل المكونات. وطال التشويه ايضاَ شأنه بذلك شأن مفاهيم أخرى تتعلق بالمعاني الأصيلة للديمقراطية والإتحادية والفيدرالية وغيرها.

أزمة حكومة أم أزمة نظام للحكم ؟

وقال أيضا، ونتيجة لهذا الفهم والتطبيق لمبدأ التوافق، اصبحت المحاصصة الطائفية والأثنية تمثل السبب الأرأس والأساس للأزمات المتلاحقة التي ينتجها ويعيشها النظام السياسي القائم عليها والحكومة المنبثقة عنه. ولا يفضي هذا النظام كما شهدنا ذلك منذ سقوط النظام الديكتاتوري سوى الى طرق مسدودة. ففي ظلّ نظام حكم المحاصصة، لا يغيب فقط التصوّر الموّحد الضروري لبناء الدولة ولرسم السياسيات في المجالات المختلفة، بل تنعدم امكانية التوصل إلى رؤى مشتركة بسبب عدم استناد التشارك في الحكم إلى برامج سياسية تقوم على مشتركات بل على تقاسم للسلطة ومغانمها ومنافعها وعلى نزاعات ومناكفات متواصلة حولها بين القوى المتنفذة، ولهذا السبب لم تعد المرحلة الإنتقالية مرحلة مؤقتة وواضحة المعالم والتوجهات، بل أصبحت مرحلة إقامة دائمة وعاجزة عن التقدّم خطوة واحدة نحو الأمام ولا يتجدّد فيها سوى أشكال المناكفات والنزاعات على الحصص وأشكال التربّص والإيقاع بالخصوم السياسيين والردّ على الدسائس بالدسائس. وهكذا فإنّ إستمرار حالة الشلل السياسي في البلاد يضعف قدرة الدولة ومؤسساتها الإدارية والعسكرية والأمنية للسيطرة على الأزمات من جهة، ويضعف الشعور بالولاء الوطني العام لدى الأفراد والجماعات من جهة أخرى. وكلّ ذلك يعني بالطبع، زيادة الإختراقات الأمنية والتفشي المتزايد لظواهر الرشوة والفساد والإنهيار المتسارع لما تبقّى من منظومة القيم الإجتماعية. فالأزمة المتفاقمة التي تلف البلاد اليوم وتنذر بمخاطر وخيمة، ليست أزمة حكومة فقط وانما ازمة نظام حكم المحاصصة الطائفية الأثنية، والتي استفحل ورمها نتيجة التغاضي عنها والتقاعس في البحث عن اسبابها وجذورها والتسويف والتردد في مواجهتها، حتى أصبحت مستعصية على العلاج وتحولت إلى ورم سرطاني خبيث يهدّد المصير العام ويدفع بنا جميعا نحو الهاوية. ومما يترتب على استمرار وتعمق أزمة نظام المحاصصة هو إضعاف الشرعية الدستورية بالمعنى العميق لها، لتحلّ محلها شرعية البنى الإجتماعية التقليدية كالعشيرة والطائفة والمؤسسات الأهلية الأخرى، وهو ما يتعارض جوهريا مع هدف بناء الدولة المدنية الحديثة. وجراء أزمته البنيوية، بات النظام يعتاش على توليد الأزمات ويستمدّ منها أسباب البقاء وأسباب التعبئة والتجييش والشحن الطائفي بإعتبارها الشرايين الداخلية التي تضمن إستمرار تنمية المصالح الخاصة ورعايتها. وبدون أدنى شكّ، فالحكومة كجهاز تنفيذي تتحمل القسط الأكبر من المسؤولية عن هذه الأوضاع دون إعفاء الأطراف السياسية الأخرى من هذه المسؤولية . فالمجتمع العراقي الذي أنهكه التطلع لحياة تليق بالبشر، هو من يدفع الأثمان الباهضة في نهاية المطاف، وما التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية بشأن معاناة المواطنين من شظف العيش والبؤس والكآبة والأمراض العصبية والنفسية ، إلاّ الترجمة الأمينة لإنفصال النخبة السياسية وإستقالتها أخلاقيا إزاء ما يدور في القاع الإجتماعي .
وأضاف الرفيق فهمي قائلا:" هذا هو المعنى الحقيقي لإستبدال الوطن بالمكوّن" .

الخشية من التقسيم

وقال بهذا الصدد، أنّ مخاوف التقسيم قد بدأت تتسرب الى الشارع العراقي بصورة جدّية أكثر من أي وقت مضى ، وصارت تداعياته محور حديث الناس في مجالسهم، وتطرّق الى مخاطر وإشكاليات فكرة التقسيم مشيرا الى أنّ منطق التشظي سوف لن يتوقف وليس هنالك أية ضمانات داخلية وإقليمية ودولية حول كيفية التعامل مع الأوضاع حينها، فالبلاد في حالة غليان والعلاقات السياسية على أسوأ أحوالها وكلّ ذلك يمكن أن يقودنا نحو المجهول. ومن المؤكد أن بعض الأطراف السياسية مستبطنة فكرة التقسيم نتيجة غياب البعد الوطني من المعادلة وثمة أجندات خارجية تدفع بهذا الإتجاه، غير أنها ستقف عاجزة إن توفرت الإرادة الوطنية الموّحدة . وتسائل الرفيق فهمي: " هل ثمّة إمكانية للإحتواء؟" فأجاب قائلا، لا توجد حتمية في تحقق المخاطر المحدقة بالبلاد، ولا تزال الفرصة متاحة لتجنبها واعادة البلاد والعملية السياسية على سكة السلامة، ولكن الزمن ليس مفتوحاً، والضرورة ملحّة للاسراع في اتخاذ الاجراءات والخطوات السياسية المطلوبة لتهدئة الأوضاع وتطويق الأزمة وقطع الطريق امام القوى السوداء المتربصة بالبلاد والطامحة لاعادة الاستبداد وخلق الأجواء المناسبة للاستحقاقات الانتخابية القادمة،وفي مقدمتها الاستجابة للمطالب المشروعة للمتظاهرين والتوجه جدّيا نحو عقد حوار وطني شامل وتطبيق الاتفاقات المتبادلة والاسراع في التصويت وسّن التشريعات والقوانين العالقة والعمل على تخفيف وإزالة بؤر الاحتقان المتعددة.
وأختتم عضو المكتب السياسي للحزب حديثه قائلا ، أنه على القوى المدنية الديمقراطية، وفي مقدمتها قوة التيار الديمقراطي، حاملة المشروع الوطني الديمقراطي الكفيل باخراج البلاد من ازمتها، مضاعفة جهودها ومبادراتها لتجميع قواها وبناء وحدة عملها ونسج اوسع الصلات الجماهيرية من اجل تحويل امكاناتها ورصيدها السياسي والفكري والشعبي إلى قوة سياسية مؤثرة تسهم في تغيير موازين القوى في المجتمع، وسيبقى الرهان قويا على الضغط الديمقراطي نظرا لوجود مصالح إجتماعية واسعة وأوسع بكثير من المصالح الخاصة .




عبد الرحمن دارا سليمان
باريس













التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هاجس مشترك يؤرقهم.. كيف تحارب الصومال تهديدات حركة الشباب؟


.. طائرة بوينغ 747.. بعد أن أحدثت ثورة في عالم الطيران تتخلى عن




.. مقاتلات إسرائيلية تشن غارتين استهدفتا مواقع للمقاومة الفلسطي


.. هل طوقت القوات الروسية باخموت بالفعل؟




.. موجز الأخبار – الثالثة صباحا 02/02/2023