الحوار المتمدن - موبايل


ماتروشكا

جمال الدين أحمد عزام

2013 / 3 / 10
الادب والفن


ماتروشكا

من هذين هناك؟ بالتأكيد هما جاسوسين لتوفيق، يريد أن يعرف ما توصلت إليه في القضية. هم اللذين نحوني عنها و الآن يريدون سرقة مجهودي، لكني لن أستسلم، هذه قضيتي أنا و أنا الذي سيحلها. ها هي صور مسرح العمليات و خريطة الدماء...
علق على الحائط لوحة و ثبت عليها الصور بالدبابيس ثم ألصق بجوارها خريطة الدماء و مخطط لسيناريو الجريمة. كان يرفع عينيه ينظر إلى أعلى حيث يقفان يراقبان ما يفعل داخل الغرفة الزجاجية...
هل أغلق بالستائر! كلا، سأتركهما، على كل كونه يتجسس فهذا منطقي لأنهم لن يستطيعوا فعل أي شيء بدوني فأنا ثلاثين سنة خبرة في التحقيقات الجنائية. لا أعلم كيف جرؤوا على استبعادي هؤلاء الملاعين.
حسنا، سأراجع ما توصلت إليه. ها هي الحقائق، لدينا ثلاثة قتلى داخل شقتهم؛ الأم (أربعون عاما) و الإبن (عشرون عاما) و الإبنة الصغيرة (سبعة أعوام). غادر الأب مسافرا في مهمة في التاسعة صباحا و الجريمة ارتكبت مساء، بين الواحدة و الثانية وفق تقدير المعمل الجنائي لتوقيت الوفاة. اكتشفت الجريمة عندما عاد الأب في السادسة مساء. الحراسة كانت غائبة، فقد ألغى الأب التعامل مع شركتهم و استبدلها بأخرى كانت ستستلم في الثامنة مساء. قدم الأب إلتماسا يعتذر فيه عن السفر حتى تستلم الحراسة الجديدة لكنه رفض. كما أن معظم الجيران في الضاحية الراقية مسافرون لقضاء إجازتهم الصيفية، الخلاصة أنه ليس هناك شهود. القتل لم يكن بغرض السرقة فلم يسرق شيء كما شهد الأب.
و الآن علي أن أراجع مخطط الدم. لدينا بقعة دماء كبيرة بها آثار حذاء بين المطبخ و غرفة المعيشة المفتوحة عليه حيث نزفت الأم نتيجة طعنة سكين. آثار الحذاء المدممة تمتد من هذه البقعة عبر غرفة المعيشة إلى أسفل نافذة الحمام في الجهة المقابلة للمطبخ. و هذا أثر مدمم لسقوط السكين بعيدا قليلا عن جثة الأم و قرب بداية الردهة ثم هذه بقعة أخرى على حافة الأريكة في غرفة المعيشة و بقعة ثالثة على الأرضية بجوار الأريكة لصيقة ببقعة دم الأم حيث استقرت جثة الإبن. و أخيرا بقعة رابعة على حائط الردهة المفضية إلى غرفة المعيشة سالت على أرضيتها حيث قتلت الفتاة. كلتا يدي الأم ملوثة بدمها بينما يد الإبن اليمنى ملوثة بدمه. و لدينا أسلحة الجريمة؛ سكين طعنت به الأم، و لم يجدها محققو المعمل، و حافة الأريكة حيث سقط رأس الإبن و حائط الردهة حيث رطمت رأس الفتاة.
سأعود الآن لورقة السيناريو. لا توجد آثار اقتحام لباب الشقة و لكن هناك آثار حذاء مدممة ممتدة إلى أسفل نافذة الحمام المفتوحة مما يعني أن القاتل هرب منها بعد تنفيذ العملية. السيناريو يقترح أن القاتل دخل ابتداء من نافذة الحمام ثم تسلل حتى المطبخ، حاول طعن الأم من الخلف إلا أنها أحست به و التفتت صارخة، أزاحت النصل جانبا فجرح ساعدها الأيمن لكنه طعنها فسقطت بين المطبخ و غرفة المعيشة تنزف، جاء الإبن إثر صرخة أمه منطلقا نحو المطبخ فارتطمت رأسه بالمقلاة المغسولة المعلقة فسقطت، حاول الإمساك بيد القاتل من الخلف فارتمى السكين من يد الأخير على الأرضية العارية مخلفا أثر سقوطه ثم دار متملصا و دفع الإبن أرضا فارتطمت رأسه بحافة الأريكة القريبة و لكنه لم يمت على الفور تحسس رأسه من الخلف بيمناه ثم زحف على الأرضية مبتعدا عن الأريكة قليلا ثم ظل ينزف. خرجت الصغيرة من غرفتها في آخر الردهة فزعة صارخة، من شدة صراخها لم يفكر في استخدام السكين و انطلق إليها ليسكتها، دفعها بقوة فارتطمت مؤخرة رأسها بالحائط و سقطت جالسة ممدودة الساقين، خدمته الرطمة بموت الفتاة فورا فعاد أدراجه مسرعا، التقط السكين و خطا عفوا على بقعة دم الأم و هو في طريقه إلى الحمام حيث دلف و هرب من النافذة.
يبدو السيناريو جيدا إلا أن به ثغرات كثيرة و أسئلة لا تجد إجابات. السيناريو يقول أن القاتل من الخارج بينما لا أثر لهذا القاتل الشبح تماما فتحليل الحمض النووي ينفي أي أثر لأحد من خارج البيت، و الارتكاز على آثار الحذاء الرجالي المدممة في الحمام حيث النافذة مفتوحة ليس دقيقا، فلم لا تكون تلك الآثار لأحد من أهل البيت، صحيح أن مضاهاتها بحذاء الأب أثبتت عدم التطابق لكنها ربما تطابق حذاء الإبن المفقود، لذا لن ينتفي إحتمال القاتل الداخلي إلا بإيجاده. و هناك أمر آخر محير؛ أثري الحذاء المتجاورين في بقعة دم الأم للفردة اليمنى و أحدهما مقدمته في إتجاه الحمام و هذا طبيعي أما الآخر ففي إتجاه الردهة و لا آثار بعده. و قد فسر المعمل ذلك؛ أن القاتل في طريق عودته بعد قتل الفتاة استدرك اندفاعه لما تذكر السكين فدار بجسده ناحية الردهة و خطا بيمناه في البقعة و هو راجع بظهره و التقطه ثم دار مرة أخرى مرتكزا على يسراه خارج البقعة و لكنه خطا فيها خطوة أخرى بنفس القدم اليمنى و واصل انطلاقه نحو الحمام، و هذا تفسير تخميني غير مقبول. و بالإضافة إلى كل ذلك فإن هؤلاء العباقرة افترضوا في السيناريو فرضا لا أساس له؛ أن الأم كانت هي المستهدفة بينما الإبن و الإبنة قتلا اضطرارا مما يفتح الباب لأسئلة أخرى؛ لم لم ينتظر القاتل ساعة واحدة فقط، كان الإبن سيأخذ أخته إلى المستشفى، كما جرت العادة، لتحصل على جرعة دواء السرطان، كان حينها سينفرد بالأم، ألم يكن يعرف تلك المعلومة؟! لم يراقب المنزل و لم يخطط و دخل ليقتل الأم هكذا؟! أم من كان يقصد؟ أم...!
ترك الحائط و جلس إلى مكتبه ممسكا برأسه. لابد أن أجد السيناريو الصحيح. لن أشتت نفسي و أبحث عن فروض الآن. هكذا تعلمت و علمت تلامذتي؛ الأدلة الملموسة أولا و أخيرا. لهذا هم يفتقرون إلي للعثور على ما خفي من أدلة أو إعادة تحليل و تمحيص الأدلة التي وجدت بالفعل، و لن يجدوا من هو أكثر مني إحترافا.
ها هو جاء، فلي جواسيسي أنا أيضا..أغلق الباب بسرعة يا صلاح، هل أعدت الفحص؟..نعم، الجرح على جبهة الإبن الذي سببته المقلاة المعلقة ليس ناجما عن ارتطامها برأسه و هو يدخل المطبخ لينقذ أمه بل نتيجة أنه ضُرب بها..مرحى، شكي في هذا الجرح كان في محله فهو أعمق من كونه نتيجة ارتطام..و لكني نبهتك لوجود بصمات ليد الأم اليمنى على يد المقلاة.. لم يكن ذلك كافيا، فربما تلك البصمات نتيجة إمساكها بها لتعليقها..تعجبني دقتك. سكت هنيهة ثم أردف..و آثار الحذاء؟..هذه هي المفاجأة، إنها لحذاء الإبن و قد وجدناه أخيرا، كما أننا وجدنا آثار أخرى له ملوثة بدماء الأم في مسرح الجريمة ..كيف ذلك؟ هل يمكن أن يخطئ المعمل خطئا كهذا!..كلا بالطبع و لكنها تلك السجادة الطويلة التي كانت ممتدة عبر الردهة إلى غرفة المعيشة، وجدتها ملقاة من نافذة المطبخ في حديقة الجيران و فيها حذاؤه و مفاجأة أروع. تحفز بشدة..هل وجدتم سلاح الجريمة؟..ها هو. و وضع أمامه كيس به نصل سكين و يده مفصولة عنه..ما أروعك!..إنه سكين المطبخ، مفصول يده جراء الصراع أو جراء سقوطه، وجدنا عليه دماء الأم كما أنه مطابق للجرح في بطنها..و البصمات؟.. بصماتها على اليد..هذا منطقي..كما عليه بصمات مدممة للإبن أيضا..يبدو أننا اقتربنا. ثم استدرك..هل عرف توفيق بأي من هذا؟! ابتسم صلاح..أنا ذاهب إليه الآن و لكني أطلعتك أولا..أنت عميل مزدوج رائع يا صلاح.
أطرق قليلا يفكر ثم رفع رأسه ليطرح على صلاح ما وصل إليه..الإبن هو القاتل إذن و قد مات قبل أن يزيل آثار جريمته بالكامل. ثم تساءل بصوت خفيض..ما الذي أدخله الحمام مباشرة بعد قتل أخته؟ هناك ما دفعه لذلك دفعا. أجابه صلاح..ببساطة، دخل لتنشق دواء الربو، فالإنفعال أهاج صدره، سألنا الأب فأخبرنا أن الإبن يضع البخاخ على الرف فوق حوض الحمام دائما. علا بصوته..صحيح، فتقرير الطب الشرعي يوضح أنه بالرغم من أن النزف هو سبب موته إلا أنه كان يختنق بالفعل بسبب أزمة الربو و بالتالي ربما حاول استعمال دواءه، كيف لم أفكر في هذا الإحتمال إلا الآن!..هذا طبيعي، فالسيناريو الأول يفترض أن الإبن ضحية مات في مكانه، لذا لم تفكر في تعاطيه لدوائه من عدمه..إذن وجدوا آثارا للدواء في حلقه..كلا..لم يجد البخاخ في الحمام، أليس كذلك؟..بل وجده..وجدتموه فارغا إذن؟..بالضبط..و لكن ذلك لا يثبت أنه حاول استخدامه أثناء الجريمة، إلا إذا...! أومأ صلاح مبتسما..نعم تماما كما حزرت وجدناه ملطخا بالدم، دمه هو، ألا تتذكر أنا وجدنا يده ملطخة بدمه!..بلى، و لكنا نفينا أن يكون الإبن قد ترك مكانه حيث قتل لأنا لم نجد آثارا لدمه في أي مكان آخر، أنا واثق أني لم أر أي بخاخ مدمم أو غير مدمم..ذلك لأني وجدته مخبأ مع السكين و الحذاء. ثم أخرج له كيس صغير به البخاخ و واضح تلطخه بالدماء فعقب..ألن تتوقف عن تلك العادة يا صلاح؟! لم تخبرني عن كل شيء بالقطارة! كنت تختبر قدراتي مثلا!..أنت تعلم أني أحب إضفاء الإثارة على العمل..حسنا أيها المثير، و الآن...! مد بصره إلى الظرف في يده ثم أردف..أرني الصور لنضبط السيناريو الجديد. نشر الصور أمامه..كما ترى الأثار المدممة الجزئية بطول السجادة توضح انطلاقه ناحية أخته و عودته، لاحظ أنها تخف بشكل واضح في طريق العودة..و لم هي مشتتة هكذا؟!..لأن أزمة الربو كانت قد بدأت..حسنا، أرني هذه، ها هي، خطا مرة أخرى في بقعة دم الأم بنفس القدم ليذهب إلى الحمام، و لكن أين آثار نزف رأسه؟ لا أرى آثارا لقطرات دماء على السجادة أو خارجها!..أنت محق و لكن الدماء كانت تسيل من قعر رأسه و تتشربها ملابسه القطنية، انظر إلى صورة قميصه من الخلف..حسنا..و الآن انظر إلى هذه الصورة، هل ترى كيف أن بقعة دماء الطفلة السائلة من الحائط و الممتدة إلى الأرضية على جانبي يديها لها حد مستقيم توقفت عنده! لقد كانت مبتورة بشيء ما، فوضعت ذلك في الاعتبار بالإضافة للأثر في بقعة دم الأم في اتجاه الردهة و الذي لا أثر بعده، و هذا ما جعلني أفترض أن هناك سجادة مفقودة و ساعدني حدسي في إيجادها عندما وجدت نافذة المطبخ مغلقة بركاكة. ثم ابتسم بخبث..بالمناسبة، حتى أكون قلت لك كل ما لدي، وجد المعمل كدمة على كتف الأم ظهرت متأخرة. تهلل وجهه..رائع يا صلاح، هكذا اكتملت القصة.
أخذ يحك ذقنه بابهامه و هو يروح ويجيء أمام صلاح ثم بدأ يتكلم..إذن فلنراجع السيناريو الجديد، حاول الإبن طعن الأم بسكين المطبخ من الخلف و لكنها أحست به و التفتت مزيحة النصل فجرح ساعدها إلا أنه أصر و أمسكها من كتفها بقوة، لم يترك ذلك أثرا تحت أظافره من جلدها لأن كُم الأم كان حائلا، حاولت الإفلات من مسكته، لم تستطع فتناولت المقلاة و ضربته بها على جبهته، و لكنها كانت قد تأخرت فقد نجح بالفعل في طعنها، ضربة المقلاة جعلته يترنح، سقط إلى الخلف و لم يزل ممسكا بالسكين فخرج النصل من بطنها و هو يسقط برأسه على حافة الأريكة و ارتمى السكين من يده حيث خلف أثر سقوطه على الأرضية. كان شبه واع و أخته، التي كانت نائمة لمرضها و صحت بسبب صراخ الأم، واقفة تصرخ في آخر الردهة و دماء الأم تسيل، بدأ صراخها يتنامى في أذنيه فأفاق تحت نير إحساسه بالخطر و بحث بعينيه فوجد السكين على الأرضية مكسور يدها و أدرك أن لن يجده نفعا، غالب ألمه و نهض، و صراخ أخته المتسمرة كان هيستيريا فانطلق نحوها ليخطو في دم الأم و الذي في تلك اللحظة، و بعد مرور عدة ثوان قليلة، كانت امتدت بقعته لمساحة سمحت بتلقي أثر حذائه، دفع الصغيرة فارتطم مؤخر رأسها بالحائط، و لأنه لا آثار لدمه عليها لذا فقد تحسس جرحه بيمناه بعد أن دفعها ثم بدأت أزمة الربو فقرر التوجه إلى الحمام، تحرك و أنفاسه مضطربة و خطاه مرتبكة و طبع بيمناه مرة أخرى في بقعة دم الأم ثم أكمل نحو الحمام ليستخدم البخاخ. تعجب صلاح..و لكن لا توجد آثار تدل على عودته من الحمام. ابتسم..هذا معناه أنه بعد محاولة استخدام الدواء الفاشلة تبينت له آثاره المدممة على البخاخ و الأرضية، غالب آلامه و ضيق تنفسه و قرر إخفاء الأدلة و أول ما فعل خلع حذائه متحريا ألا يترك آثارا جديدة على أرضية الحمام ثم خرج حاملا حذاءه و بخاخه ليجد آثاره على السجادة الطويلة أيضا فألقاهما عليها، ثم وجد مخ أخته متفجرا فتيقن أنها ميتة لذا لم يتفحصها بيده ثم سحب السجادة من تحت ساقيها الممدودتين ثم التقط السكين المكسور و كور السجادة عليها مع حذائه و البخاخ ثم بدأ ضيق التنفس يتحول إلى الإختناق مع تنامي الأزمة و قد نال منه النزف، لم يعرف كيف يخفي السجادة المكورة فألقاها من نافذة المطبخ ثم أغلقها، ثم ترنح راجعا و سقط قرب الأريكة زحف شبرا فقد كان يريد ازالة باقي آثار جريمته إلا أنه لفظ أنفاسه الأخيرة.
أخذ يدور بكرسي مكتبه حول نفسه مرددا..المقلاة! المقلاة! لماذا تلح على رأسي؟ مرة أخرى هناك ما ينغصني بشأنها، المقلاة أصابت الإبن في رأسه لدى حافتها...! ها هو سعيد يمر. فتح باب مكتبه الزجاجي و ناداه..يا سعيد! تعال..نعم يا سيدي..أريد أن أجرب معك شيئا، خذ هذا الطبق الفليني. و دس في جانبه قلم رصاص و هو يردف..تخيل أنه مقلاة و أنك تريد قتلي بها، ماذا ستفعل؟ ابتسم..سأضربك بها..كيف؟..هكذا! أمسكه من القلم و نزل به على رأسه برفق..ألم تلاحظ شيئا؟ لا بد أن تقع أكبر مساحة من المقلاة على رأسي، أليس كذلك؟ رد متعجبا..بلى!..شكرا يا سعيد، عد إلى عملك..لا تقل أنك تعمل على تلك القضية؟..ما بك يا سعيد! هل نسيت نفسك!..حسنا، حسنا، لا دخل لي.
لا يمكن، هذا هو الحل، هناك طرف رابع، مرة أخرى تلوح فكرة القاتل الخارجي، هناك من كان في الشقة، هذا هو تفسير ما حدث و هذه المرة هناك أدلة دامغة، آثار الحذاء، بعد تحليلها بدقة، ليست نتيجة ثقل جسد الإبن، إنها مطبوعة به، أمسك القاتل بالفردة اليمنى و ضغط بها على دماء الأم ثم طبع بها على السجادة و أرضية غرفة المعيشة و الحمام، و ما يؤيد ذلك أيضا أثر الحذاء في بقعة دم الأم و المتجه نحو الردهة؛ فلو كان الإبن، كما في السيناريو السابق، قد خطا في دمها بعد مقتلها بثوان لأزال تدفق الدم القوي بعدها و لو جزءا يسيرا منه و لكن صورة الأثر الكاملة في البقعة تؤكد أنها حصلت بعد تباطؤ التدفق بشكل كبير أي بعد مرور وقت أطول بكثير من عدة ثوان، أي أنه مضت فترة طويلة و هو واع أو حتى شبه واع و أخته تصرخ ثم توجه إليها و قتلها على فرض أنها ظلت تنتظره ربما عدة لدقائق، و هذا غير منطقي، أو أنه قتلها بعد قتله أمه فورا ثم عاد لبقعة الدم التي تكونت و خطا فيها و وجهه إلى الردهة ثم انطلق مرة أخرى نحو أخته المقتولة و هذا خبل!
لأعاود تصور ما حدث، حاول القاتل قتل الأم بالسكين من الخلف، أحست به فالتفتت و حمت نفسها بساعدها فجرحها النصل، تدخل الإبن لحمايتها، التفت القاتل نحوه، تناولت الأم المقلاة بيمناها لتضرب القاتل من خلفه، فادى الضربة، فجاءت معظمها في الهواء إلا أن حافة المقلاة طالت جبهة الإبن و أصابتها فتسمر للحظة التفت خلالها القاتل و طعن الأم بالسكين، ترنح الإبن للأمام فاصطدم بظهر القاتل و كتفه فارتمى السكين من يد الأخير على الأرضية و كسر، جلس القاتل لينسل خارجا من بين الأم و الإبن، أمسك الإبن بكتف أمه بقوة كرد فعل يمنعه من السقوط و لكنها دفعته ممسكة ببطنها، فسقط برأسه على الأريكة، تحسس جرح رأسه من الخلف ثم زحف مبتعدا عنها قليلا، ثم لم يستطع فعل شيء و ظل ينزف، كانت الفتاة لحظتها في الردهة تصرخ بجنون، اكتشف القاتل كسر السكين فانطلق إليها و رطمها بالحائط. ثم بدأ يشكل لنا مسرح الجريمة. تأكد من موت الأم و الإبن، أمسك باليد اليمنى لجثة الأخير، جعلها تمسك بالبخاخ ثم لفها حول اليد الخشبية للسكين المنفصلة ثم حررها ثم وضعها مع النصل على السجادة لتلف عليها فيما بعد. واصل القاتل إلصاق الجريمة بالإبن. جرده من حذائه و قام بالطبع على السجادة في إتجاه الإبنة ثم في إتجاه نافذة الحمام ثم وضع البخاخ إلى جانب السكين و الحذاء على السجادة، كورها عليهم ثم ألقاها من نافذة المطبخ في حديقة الجيران ثم أغلقها بغير إحكام.
سأله صلاح..هناك ما يحيرني تماما، لم طبع الآثار في غرفة المعيشة و حتى أسفل نافذة الحمام؟! يبدو أن ذلك أمرا زائدا لا يفيد في حبك السيناريو..كلامك صحيح إن كان أراد هذا السيناريو فقط..ماذا تقصد؟..أقصد أنه أراد أن يقدم بديلا ليغطي إحتمال ألا نجد السجادة المكورة فطبع تلك الآثار..تقصد سيناريو تضليل آخر..تماما، و كان اختلاقه لحكاية دخول الحمام و البخاخ مفيدا في كلا السيناريوهين فمع عدم اكتشافنا لوجود السجادة المكورة و بالتالي البخاخ نستنتج السيناريو الأول و مع اكتشاف وجودها نجد البخاخ و نستنتج السيناريو الثاني. ثم تنهد مردفا..يا عزيزي صلاح نحن أمام قاتل شديد الذكاء و الخبرة قادر على اتخاذ القرارات و التخطيط بسرعة فائقة أثناء الفعل نفسه؛ استخدامه للقفاز و ابعاده قدميه عن الدماء، رسمه لسيناريوهي التضليل، تملصه و خفة حركته التي لم تمكن أحدا من خدشه و لو خدش بسيط و كأنه شبح، كل ذلك يدل على احترافه. إلا أن احترافه هو الذي كشفه، فالفتاة الصغيرة لم تقتل بضربة عشوائية كما أراد أن يوحي لنا فطريقة الإرتطام فنية تقتل على الفور مما يدل على سبق عمد استخدمت فيه خبرة فنية سابقة؛ فلا يوجد أثر على جسم الفتاة يدل على دفعها و ذلك لأنه و ليحقق هذه الضربة أمسكها من جانبي رأسها و رطمها دون أن يترك كدمات محل ضغط أصابعه. سهم صلاح فجأة فقاطعه..أنت! فيم تفكر!..كيف عرف القاتل أن الإبن يعاني من الربو؟ يبدو أنه يعرف العائلة جيدا..صحيح و هذا يحل لنا لغز من المستهدف بالقتل..لم أفهمك..القصة واضحة يا صلاح، القاتل يعرف العائلة، يعرف روتينها، لقد خطط لقتل الثلاثة و لذا تعمد دخول المنزل قبل خروج الإبن و الإبنة لموعدهم اليومي إلا أن فشله في مباغتة الأم و تدخل الإبن جعله يعيد التخطيط لحظيا و ببراعة فائقة مكنته ليس فقط من قتل ثلاثتهم بل و بتقديم الجاني إما هاربا إذا لم نكن على قدر الدقة المطلوبة أو ميتا إن كنا أكثر دقة.
و يبقى السؤال، من هو هذا الشبح؟ ليس لدي دليل واحد على وجوده في مسرح الجريمة؟ كان لي أستاذ يقول لي مهما حصل لا تلجأ للإفتراضات، الأدلة و الأدلة فقط، فان عجزت فابحث عن سيدها.
كان الإثنان في الأعلى يراقبان ما يحدث عندما سأل أحدهما، و الذي يحمل حقيبة جلدية، الآخر، الذي يضع نظارة سميكة..ماذا يفعل الآن؟..إنه يحقق مع الأب.
..لا تكذب، لقد عدت لتقتلهم..كلا لم أفعل، ليس لديك دليل..بل لدي. ثم اتجه نحو المكتب و أمسك بصورة عرضها أمامه..صورة من هذه! لم اصفر وجهك! هل عرفته؟! يبدو أنك لم تركب قطارات منذ مدة بعيدة، لقد أصبحت المحطات مزودة بكاميرات أيها الأحمق، كان المطلوب مراجعة تسجيلاتها في محطتي الذهاب و العودة بين الحادية عشرة و النصف صباحا و الواحدة مساء، و لسوء حظك أن القطار هو الوسيلة العامة الوحيدة بين المدينتين، و الآن هل تحب أن أقص عليك ما فعلت، كانت فرصة المؤتمر جيدة، يال السخرية،"مؤتمر مكافحة الجريمة الدولي"، يا سلام، المؤتمر الذي وفر لك حجة الغياب لارتكاب أبشع جريمة، و انظر إلى براعة التوقيت حيث يصيف الجميع فلن يرك أحد عند عودتك أو يشهد على جريمتك، وانظر إلى الصدفة العجيبة، فجأة أصبحت شركة الحراسة سيئة و ألغيت تعاقدك معها و تركت البيت، و أنت المهووس بالحراسة، بدونها و بالتالي بدون تفعيل أجهزة الإنذار التي تتطلب شفرة جديدة عندما تستلم الشركة الجديدة في الثامنة مساء، كنت تفضل شركات الأمن المحترفة و تخشى الحراسة الشرطية الروتينية، أليس كذلك! ليس هذا و حسب بل و من هوسك تجعل تلك الشركات تحرسك بالأفراد و نظام الإنذار معا، على كل، قضيت ساعة في الفعاليات ثم استأذنت في الحادية عشرة و النصف بحجة الصداع و اتصلت من غرفتك في الفندق تطلب منهم عدم ازعاجك لتنام و لكنك تسللت خارجا من باب خلفي و بالطبع تركت سيارتك هناك ثم عدت في القطار و وصلت في الثانية عشرة و النصف ثم انطلقت إلى حيث كنت تخفي ملابسك و قفازيك، ارتديت ملابس العملية، تسللت إلى منزلك من نافذة الحمام دون أن تترك أثرا لتباغت ضحاياك و عندما انتهيت خرجت من باب المنزل..كذب! كذب!..لقد وقعت، لا تحاول..لم أقتل أحدا..اعترف أفضل لك و لنا..و لم لا تعترف أنت بفشلك..أنا لا أفشل..بل فشلت و تحاول انتزاع اعتراف مني بما لم أفعل، فكل ما قلته الآن عدا اثبات عودتي افتراضات لا دليل عليها..أنا لا أفترض أبدا، ليست هذه طريقتي..بل تفترض و تقيم الدليل على افتراضك، كل المحققين يفعلون ذلك..إلا أنا، الأدلة هي ما أتبع، الافتراض محض وهم..يبدو أنك و بعد خبرتك الطويلة لم تفهم ما تفعل أو لم تنتبه لما تفعل، الافتراض يوحي به الواقع و يحثه الحدس، إنه تفسير مبدئي للأدلة مقرون بحس داخلي..لا تتفلسف علي، ما تراه عيني و تلمسه يدي، هذا ما يعتد به، هذه هي الأدلة..لا قيمة لأدلة لا ينتظمها فرض مسبق، فالأدلة مهما كانت ستظل أدلة على الفرض المسبق، فإن ظهرت تفسيرات جديدة لها أو ظهرت أدلة جديدة تناقض الفرض فرضت فرضا آخر ينتظم هذه الأدلة أو التفسيرات بالإضافة إلى ما صح مما سبق..لا تحاضرني، لا تحول مسار التحقيق و اعترف، تضييع الوقت لن يفيدك. لم يبالي بتحذيره..الفرض هو الأساس. فعقب غاضبا..الدليل هو الأساس..بل إن الفرض في حد ذاته هو الذي يفتح الأفق لبحث يسفر عن أدلة إضافية و تفسيرات جديدة في عملية مستمرة حتى تصل إلى اليقين..ما هذه البلاهة! بهذه الطريقة لن أصل لأي يقين، سأستمر حتى ما لا نهاية..غير صحيح، فمع كل فرض جديد يزداد التصحيح و تزداد الدقة حتى تصل إلى ما ليس أدق، فالدقة لها حدود..توقف عن ذلك، ليس ذنبي أن خطب المؤتمر ما زالت تطن في أذنيك..بل أنت تفعل ذلك دائما في كل قضاياك، تلعب لعبة الفروض، تركب السيناريوهات و تفككها وفق ذلك دون أن تشعر..تريد أن تصرفني عن الإيقاع بك بتشكيكي في نفسي..بل أنت فعلت ذلك قبل قليل، افترضت أني القاتل و هذا استنفرك لإيجاد دليل على ذلك و لكنك للأسف وجدت دليلا على عودتي و هي قرينة لا تكفي لإثبات أني القاتل، لذا هيا فلتفترض فرضا آخر..بل عدت لتقتلهم..لم أفعل..لم قتلتهم؟..لم أقتل أحدا..قل لي إذن، من كان يعرف باختفاء الحراسة غيرك؟! من خطط لإبعادها؟..لم أخطط لذلك، لم أكن أعلم أنهم سيكلفوني بتلك المهمة في يوم رحيل الحراسة القديمة، ليس ذنبي أن اعتذاري رفض..دعك من هذه التمثيلية، كنت تعرف أنه سيرفض بعد امتناعك عن كل المؤتمرات السابقة كما أن رؤساك يكرهونك، و على العموم، فليكن، من كان يعرف أن ابنه كان يداوم على دواء للربو غيرك؟! من كان يعرف مكان البخاخ؟! من كان يعرف أن ابنته تخرج مع أخيها لتأخذ جرعة الدواء؟! كيف طاوعك قلبك لقتلهم!! انظر، هذه صورة ابنتك، أترى بشاعة ما فعلت؟!..ليس أنا..رطمت رأسها لتنفجر في الحائط، أترى الحائط، هذه دماؤها، لو كنت انتظرت قليلا لأماتها السرطان، أترى زوجتك التي كنت تتسلل من خلفها دائما لتفاجئها! و كانت تشعر بك دائما في كل مرة! و تقول أعرف أنك ورائي ثم تلتفت إليك فتعانقها لتملأ الكون ضحكا، ماذا فعلت بها عندما التفتت إليك لآخر مرة؟! انظر، هذه أحشاؤها! يعلو بصوته..لست أنا..أترى ابنك؟! ربما ظللت ترقبه و هو ينزف دمه حتى الموت لتلصق به جريمتك. بدأ يصرخ..ليس أنا!..هل ترى رأس ابنتك؟! أليس هذا مخها المنفجر! انظر جيدا، انظر!. صرخ بأعلى صوته..كفى! كفى! ثم انهار باكيا و هو يقول..نعم قتلتهم، لم أستطع التحمل، كيف يمكنني حمايتهم؟! أنام و أصحو في عذاب مترقبا مهلكهم، كل يوم جريمة أبشع من سابقتها، إنه عالم ملعون، لم يعد هناك أمان!!
التفت ناظرا إليهما في الأعلى مشيرا إليه و علا بصوته..هل رأيتما! لقد اعترف. ثم نظر إلى صلاح..هل رأيت يا صلاح! لقد اعترف! ثم التفت إليهما مرة أخرى و صاح..قولا لتوفيق أني وجدت القاتل كالعادة، أنا و ليس أحد غيري!
سأل من معه الحقيبة ذو النظارة مرة أخرى..ماذا يقول؟! لا أسمعه! إلى ماذا يشير؟!..إلى الأب..نعم، صحيح! و لكنه يكلم أحدا آخر..إنه صلاح، هل نسيت؟..آه! صلاح! و لكن ما هذه في يده؟ لا أتبينها..إنها صورة الأب..هكذا يتوهم بالطبع..بل الصورة حقيقية و قد أخرجها لهم حين عرض نتائج تحقيقاته التي قام بها من وراءهم..كيف ذلك؟! أليست القضية من خياله؟!.. يبدو أنك أسأت فهمي، إنها حقيقية، ألم تقرأ الجرائد؟ لقد كان يتحايل على استبعاده من القضية بزياراته السرية لزملائه في المعمل الجنائي كما أنه كان يتسلل إلى مسرح الجريمة و كانوا يغطون عليه. أردف صاحب الحقيبة متعجبا و هو يراقب الغرفة الخالية تماما إلا منه..و ماذا يفعل الآن؟!..إنه يعاود التحقيق.
و بينما كان يعاود تعليق لوحاته و خريطته في غرفته بالأسفل، بادر حامل الحقيبة و عينه تتابع ما يحصل، بينما ذو النظارة السميكة يرتدي البالطو..أريد أن أسألك شيئا..أسرع فلدي مرور. سأله و ما زال يتابع بعينيه ما يحدث في الغرفة..إذن، هل كانت تحقيقاته سليمة؟ هل تم القبض على الأب القاتل؟..و كيف سيفيدك هذا في تقييم جودة المستشفى؟ ما زالت عينه على الرجل في الغرفة و هو يرد..مجرد فضول. رد الطبيب في اقتضاب مادا بصره إلى الغرفة في الأسفل و هو يهم بالرحيل..أنت تنظر إليه.
تمت








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. يستضيف الاعلامي دومينك ابوحنا في الحلقة الاولى من Go Live ا


.. عبد الغني النجدي باع الايفيه لاسماعيل يس و شكوكو بجنيه .. و


.. دراما كوين | تترات المسلسلات من الموسيقى للغناء.. أصالة وعمر




.. تحدي الضحك بين الفنانة رولا عازار وأمل طالب في #التحدي_مع_أم


.. حسين في مسرحية جورج خباز: أنا بحبه لمار شربل، مَنّو طائفي