الحوار المتمدن - موبايل


زنابق كهرمانة

فريد الحبوب

2013 / 3 / 12
الادب والفن


كنت في تلك الليلة فرح ورائق المزاج وتغمرني نشوة لا توصف، وخطرت في بالي أفكار أنني سأحدث القمر على طرف النهر أو تهبط نجمة على حجرتي وتتحول إلى مخطوطة نادرة، ،، وبدى لي بغداد لم تتعاقب عليها الدهور. بل مدينة نشأت على أعتاب لحظات هذا الليل، براثا مازال صخرة لم يتفجر إلى ينابيع، أعمدة الاضواء مطروحة على جنبي الشوارع والساحات، وبوابة الشمس حُلم كبير لم يُنحت ويُصنع منهُ جدران وأبواب، ونصب الحرية تنبث منه موسيقى جنائزية ويتأمله خالد الرحال قبل الصب، روح جواد لم تعد إلى بارئها بل صُهرت في البرونز، الذكريات لم تتراكم مثل ملايين الليرات، حتى إن كهرمانة الفتاة السمراء الحلوه كانت قد وقفت للتو على أبواب كَلواذه، فيما الجرات مازالت غير منصوبة من اجل إن يدخلها اللصوص، أما جرتها المملؤة بالماء فكانت الزنابق تفيض بها ، كانت صامته مبتسة أبتسامة عذبة وحنونة، تربت على أفخاذها وكتفيها لتزيح الغبار، عدلت ثوبها الخفيف وكي تغويني سارت خطوتين كغصن زهرة وحين فرشت ذراعيها كأنها تمسك اطراف الدنيا، تسربت عطور سامية كأنها عطور زهور حدائق نبونصر لزوجته اميتس الميدونية. ليت كل شيء يتم في حياتي بمثل ما يمر الأن .
تقدمت نحوها بضع خطوات واثقة وغيرت لغتي وناديتها... ككهررومونة
نظرت بحبور وانبست بصوت طفولي رقيق أخترق ظلمة الليل .
- تكلم لغتك وقل لي كيف عرفت أني هنا
وجدت الكلمات حين رجف قلبي
- وهل هناك داع لكي يقود عاشقاً لمعشوقتهِ...
-أأنا عشيقتك..قالتها بمزاح
- بلى، واحلى عشيقة.
-كم أنا سعيد لرؤيتكِ. كم ناديت ...كهرمانة
- أنا كذلك، همست، وفي وجنتيها سحر الشروق والغروب ..أظن الليلة ستكون طويلة
كان كلامها، رهبة الليل، الدفئ المنبعث منها،الرقة العذبة جرني إن أراها حبيبه تعود من عمق غابة صنوبر على جواد أدهم قضى ليالٍ طوال يسير بخبب هادئ، وحسبت نفسي عاشقاً يشد بيدية يد محبوبته ويقبلها ويمتص حلاواتها ..أي حب هذا الذي تهبيني أياه يا كهرمانة ...ضَحكت .....وضَحكت...... وضَحكت وقالت وفمها أبتلع كل هذياني لنخرج في نزهة.
وقبل إن ننطلق غطت الجرار بأغطية من الطين ذات طراز فخاري رائع وانحنت على الزنابق نفخت فيها وكأنها أستدعت روح لتحمييهن من اللصوص. ذهبنا نسير جاهدين من أجل أن نصل إلى فائق حسن، رأينا على الجدارية عينان واسعتان غارقتا بالكحل كأنهما عينا حبيبتي، التفت إلى كهرمانة وقلت.. هل تخونيني مع فائق حسن، لقد وهبت لكِ قلبي كُله وهأنت تهبين سر عيونكِ لغيري، نهض الرجل بعد إن سمعني وأنا أتكلم بغضب، قال والنار المتوقدة من خشب الفؤوس القديمة تهسهس قرب ساقية العاريتين.
- كلا، أنها عيون فتاة سومرية جاءني بها الهدهد من ركام الالهه الراقدة في بيت ابراهيم القديم، لكني قررت تغير فكرة الجدارية... وفي الصباح ستجدني قد رسمت هؤلاء الرجال والنسوة والطيور والمعاويل والفؤوس والمناجل واسراب الحمائم البيضاء... وشكا من حمى يعانيها منذُ زمنٍ بعيد، وبالفعل رأيت كم هائل من جميع من ذكرهم. وفيما طرقت رأسي شاعراً بالحرج الكبير، راحت كهرمانة تمسح بمنديل شفتيه، عرفت فيما بعد إن المنديل من صنع محد غني حكمت ...... اعتذرت مما تبادر الى ذهني وقبلت يدها ومن ثم مضينا نبحث عن خالد الرحال، كانت أمه قد ماتت قبل دقائق وقد تلبسته الوحشة والحزن والضنى، وفي غرفته المملؤة بالحناء كان هناك طفل يمسك بأعواد البخور، أوقدت كهرمانة الأعواد واستدعت له روح أمه، مدته بأملٍ جديد، وخرجنا من الباب الخلفي للمنزل وقرب شجرة السدرة الكبيرة المحملة ب " النبق" اللذيذ، تصاعد الشوق والزعفران ونار الرغبة، أحتضنتني، أسرت في جسدي رغبتها وتبادلنا القبل والعناق الحاد حتى غمرتنا التويجات واستسلمت بجسدها للسعات هيجان الحب حتى لهثنا لهاث عنيف، قلت في نفسي أن اشعر أني من ألالهه ليس بغريب ولكن أن تحبني كهرمانة فذلك أغرب عليَّ من أي شيء ، وعلى عجل وبسبب الرياح العالية والبرد لم نطيل الوقوف قرب تمثالي شهريار وشهرزاد، فقط ضمنا قصتنا ألف ليلة وليلة في تلك الأوراق . وارجئنا شكوى أبي نؤاس ووضعت رسالته في آنية سوداء مذهبة بحروف مسمارية قرب وسادة الملك شهريار ، ومن ثم مشينا طويلاً ، طويلاً جداً في الأزقة المظلمة نسترق القبل الطائشة وهي تغني مندفعة تمدني بالشجاعة والجرأة على ظمها وقول كل شيء يختلج صدري. كان الوقت يمر على عجاله وكم سألتها عن مصير بغداد ولم تجبني، ألاف الأشياء الجميلة نسجتها ورمت بها في كل مكانٍ نقصده. كانت تشد من عزيمة بغداد وهي تطالعها بعينين غارقتين بالدموع تتوسل وتتضرع بقلب أوهن من قلب طفل يارب الخير........... أخيراً جلسنا أمام بوابة المستنصرية حتى لاح شيء من خيوط الفجر ، تلألأت النجوم في المكان الذي نحن فيه، وظهرت ومضة مطمئنة في عينيها حين كف قلبي وقلبها عن رحلة الليل... قالت بصوت خافت وقد مالت للصمت ملايين النوارس..... أفتح الباب...فتحته، في طرفة عين، ضغطت بأطراف قدميها قدماي وتبخرت زوبعة ضباب قارعت جفون عيوني واختفت.

قلت لهم وهم يطالعوني بأستغراب في ذلك الصباح بالذات لم توقُضني صرخات بائع قناني الغاز، أو ديك جاري عدوي اللدود، بل طرقات الباب لصديق حميم لم أراه منذ عشرون عاماً.

تركت المقهى وهم يفكرون بكهرمانة.....








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مسرحية جورج خباز: غزل بالهوا الطلق مع حراسة مشددة ????????


.. المتحدة للخدمات الإعلامية توقف التعامل مع المخرج محمد سامي


.. صالات السينما في البحرين تعود للعمل بعد إغلاق دام أكثر من عا




.. بتوقيت مصر | اغنية انسي انسي | Rai-نا


.. Go Live - المنتج والمخرج ايلي معلوف