الحوار المتمدن - موبايل


إيناس

جمال الدين أحمد عزام

2013 / 3 / 16
الادب والفن


إيناس

..أهلا بك، كيف حالك؟..كيف حالك أنت؟ لم يعجبني صوتك في الهاتف..أنا بخير..لا يبدو ذلك، ما هذا الذي تقرأ؟ قضايا فساد!..نعم، أريد أن أعرف كيف يميتوننا و نحن أحياء..كلا، لقد تغيرت كثيرا، ما كل هذا اليأس! و ما هذا الوجه العابس! أهذا أنت! رئيس إتحاد الطلبة بالجامعة المفعم بالحيوية و الأمل!..لقد طرأت تغيرات كما ترى..لا أعرف ماذا تقصد! ضحكت في غضب..أنت أعمى البصيرة، هذه نعرفها، و أعمى البصر أيضا! ضحك بدوره..و هكذا عدت، هذا أنت.
دار بناظريه في شقتي الصغيرة..ما هذا الجحر الذي تعيش فيه؟! و ما هذه المدينة المهجورة؟! لا أصدق أنه يمكنك أن تحيا في عزلة كهذه بدون جيران أو أصدقاء، أين بيت الحارة القديم الذي لا ينقطع عنه الناس و كأنه نزل! أين ضحكتك المجلجلة التي تتخلل مداعبات الأصدقاء! كلا، لا ينبغي أن تحيا هنا. عقبت متحسرا..لقد كانت خطيئتنا الكبرى أن انتقلنا إلى هنا، و لكنها موضة المدن الجديدة..ليست كل المدن الجديدة كذلك..على كل، هذا مصيري و أنا به راض..كلا، اسمح لي، أنت مستسلم. صمت للحظة ثم أردف..اسمع، لدي عرض لك، هناك شقة جميلة لصق شقتي باتت شاغرة، صحيح أن المدينة قليلة السكان و لكننا نجتمع أسبوعيا أنا و الجيران هناك و نمارس أنشطة متعددة، فرصة تأتي و تسكن معنا لتتعرف على الناس، ربما تكون علاقات جديدة و من يدري ربما تجد امرأة تحبها. قهقهت حتى استنكر..ماذا! لا يمكنك ذلك! لا يمكنك أن تحب!..أنا أحب! هذا يتطلب معجزة..و لم معجزة! ألست إنسانا!..هل أنا كذلك؟! ثم أردفت ساخرا..عن أي حب تتحدث؟!..أنت من يقول ذلك و قد كنت أكثرنا رومانسية!..أنت من قال؛ كنت..هل يمكن أن تتبدل بهذا الشكل! ألا تتذكر أشعارك الحالمة! مسرحيتك التي أديناها عن الحب حتى بلا محبوب، ما بالك؟!..لقد انتهيت يا صديقي، هذا ما جرى. ثم علا صوتي مع علو غضبي..ثم أنا لا أعلم بأي حق بعد عشر سنوات غياب تأتي و تقيم حياتي! هل تعرف ما حدث لي خلال تلك المدة؟ طبعا لا تعرف، لأني كنت بمفردي، لم يبالي بي أحد، حتى أصدقاء العمر! حتى أنت! لأحس بمعنى المعاناة و الوحدة، لأحس بالعوز و الذل، لقد تنصل الجميع ابتداء من الأسرة و الأصدقاء و الجيران و انتهاء بالدولة و نظامها، عرفت طعم الاختناق من الحاجة و فساد الذمم و افتراس القوي للضعيف، عرفت معنى أن تموت من الجوع و المرض و غيرك يرتع في مال الوطن المسروق، عرفت معنى الصراخ في الخواء المعتم؛ تتأوه و لا يسمعك سوى صداك، و تكلمني عن الرومانسية و الحب!!..حسنا، حسنا و لكن لا تنسى أنك شاركت في مأساتك إذ عزلت نفسك هنا. استشطت غضبا..و أنت أيضا! ألم تترك الحارة! لقد تركت البلد بأكمله يا رجل! عقب ناظرا من طرف خفي..لا أنكر أني أخطأت نفس الخطأ. ثم بدا الغضب في صوته و هو يردف..و لكن ألم يخطر ببالك أني ربما عدت لأحاول تصحيح خطأي و الاعتذار عن تقصيري! أطرقت و لم أعقب و سادنا الصمت لعدة ثوان ثم جاء البواب حاملا صندوقا.
بادرته مشاغبا و هو يفتح الصندوق..هذا إذن إختراعك الجديد! أما زلت تخترع تلك الإختراعات الفاشلة! عقب غير مبال لسخريتي..هذا اختراع سيغزو العالم. انتهى من فتح الصندوق و أخرج منه خوذة مرفقة بجهاز صغير. تهكمت..قديمة! لدي جهاز مثله، أليس هذا محاك! لا تتعب نفسك فقد مللت من الواقع الافتراضي. رد و هو يعده..و من تحدث عن الواقع الافتراضي، هذا الجهاز للحلم الافتراضي..بدأنا التخريف..لم تفهمني، هذا محاك للواقع و لكن في حلمك..كيف ذلك؟..بمعنى أنه يشتبك مع عقلك اللاواعي أثناء النوم..كلمني بلغة أفهمها..حسنا، هذا جهاز إخترعته أساسا لعلاج الأرق؛ داء العصر، تضع الخوذة فيبث ذبذبات تساعد على الاسترخاء و النوم، ثم طورته ليبث النائم أحلاما معدة سلفا لتسليته ريثما يصحو. ضحكت..يعني تمنح من يستخدمه النوم بالإضافة إلى حلم هدية..حسنا، طالما فهمت فلنجربه..اسمعني، لا تحاول، فلم يتبقى لدي إلا عقلي..لا تخشى شيئا، فليس له أعراض جانبية، كما أن لدي براءة إختراع و موقفي قانوني، هيا!..حسنا، لن أخسر شيئا، حتى عقلي لم يعد لينفعني بشيء.
تمددت على سريري و الخوذة على رأسي و صديقي يضبط الجهاز..حسنا، هكذا، و الآن استعد، ستشعر بعد التشغيل مباشرة بقشعريرة خفيفة في رأسك سرعان ما ستزول ليتلوها إحساس بالراحة ثم يبدأ بث الحلم في صحوك لمدة دقيقتين لتحفيز عقلك الباطن فيلتقط طرف الخيط مما يجعل عملية اشتباكه مع البث و بالتالي استكمال الحلم ممكنة بعد دخولك في طور النوم الحالم..حسنا، لم أفهم شيئا فهيا بنا.
أحسست بارتخاء في عضلاتي و بشعور لذيذ بالنعاس ثم رأيتني أعبر طريقا في مدينة حديثة و آخرون على الضفة المقابلة من الشارع يعبرون نحوي، ثم...! ما هذه الرائحة! زال فجأة شعوري بالنعاس بعدما كدت أدخل في النوم و فتحت عيني فوجدت صديقي ينزع عني الخوذة بسرعة. صحت..ماذا هناك؟! رد و هو لدى القابس يحاول نزع الفيشة الملتهبة..الجهاز يحترق، يبدو أن الجهد هنا عال. ضحكت رغم ارتعادي..كلا، لا تتحجج بذلك، أنت كما عهدتك، مخترع فاشل. كان منهمكا في طرد الدخان و أنا أكاد أبكي من شدة الضحك.
كان المكان هادئا في مطعم الفندق الضخم حيث من المفترض أن أقابل عملاء الشركة التي أعمل بها لتوقيع بعض العقود. جاءني اتصال منذ لحظات، الموعد ألغي لكن الحساب مدفوع لذا استغللت الفرصة و طلبت عشاء ملكيا لأتعرف على طعام علية القوم. و بينما كنت أستكشف الأكلات الغريبة أقبلت نحو طاولتي بخطى حثيثة ثم سحبت الكرسي قبالتي و جلست تتصنع الاتصال بهاتفها الخليوي لتداري وجهها و هي تهمس لي في توتر.. أرجوك واصل ما تفعل بشكل طبيعي، سأجلس قليلا حتى يمضوا فحياتي في خطر! فعلت ما قالت فقد بدا عليها الصدق مدعوما باحساس عجيب بالألفة و كأني رأيتها من قبل. كانت تنظر من طرف خفي لأناس مريبين دخلوا المكان. مرت عدة ثوان، عاد الهدوء إلى الوجه الجميل و تنفسَتْ الصعداء و هي تنزل الهاتف عن أذنها..الحمد لله، مضوا. لم أنتبه لاختفائهم إلا عندما قالت ذلك فقد كنت مسحورا بحسنها، الوجه الدقيق الملامح الذي لم ينل من جماله الاضطراب، العينين الواسعتين الرائعتين و الأنف المستطيل الصغير و الشفاه الوردية اللامعة، كنت منبهرا بتلك الأناقة المذهلة و التي تبدت رغم بساطتها في ياقة القميص البيضاء و التي لا يظهر منها سوى ما يحد رقبة الكنزة البنية لتضفي ذلك التباين الرائع معها و مع السترة السوداء. لا أعلم لم تلألأت الأشياء في المكان عندما تكلمت مبتسمة! المصباح بيننا و الثريات الصغيرة المتدلية من السقف و أدوات المائدة، لم إنتابها هذا الألق المبهر! هل لأن بسمتها كشفت عن تلك العوارض المصقولة المتناسقة فشعت بريقها عليها أم لأن كلامها الهامس الذي إنساب لما تحركت الشفتان الرقيقتان ألقى بتعويذة سحرية على الوجود بأكمله..أنا آسفة، اقتحمت طاولتك. ثم ارتسم الرجاء على وجهها فزاد من عذوبته..اسمح لي، سأطمع مزيدا في كرمك أن تمنحي دقيقتين إضافتين فربما ما زالوا في الخارج. وجدتني أنطق بصعوبة من الخجل..لا بأس، اجلسي ما شئت. ثم دعوتها لتأكل..شكرا، لست جائعة. كادت الدقيقتان تمضيان و ترحل فبادرتها آملا في إطالة اللقاء..من هؤلاء؟ و ماذا يريدون منك؟ ردت و هي غارقة في التفكير..هذه قصة طويلة. وجدتني أعتذر..آسف، لم أقصد التدخل. يبدو أنها لم تسمعني فقد فتحت هاتفها دون أن تعقب، تأملتُ أناملها الرقيقة و هي تضغط الأزرار، أنهت كتابة الرسالة، التي لم أتطفل بعيني لقراءتها، ثم أغلقت الهاتف و تركته على الطاولة بجوار حقيبتها. نهضت..هلا انتظرتني؟ سأذهب إلى الحمام. أومأت مزدردا لعابي بعد أن اطمأننت أن رفقتها ستطول و لو قليلا. ابتعدت حاملة عطرها المذهل معها. مددت يدي أتحسس هاتفها الصغير مكان أصابعها. كنت مذهولا بعالمها الذي حملته إلي، كل ما فيه أنيق و رقيق و صغير عدا تلك الحقيبة الجلدية الكبيرة ذات الحزام العريض المعلقة بظهر الكرسي. عادت إلي فعاد السحر المنعش. لم تجلس و وضعت الهاتف في الحقيبة ثم علقتها على كتفها و همت بالرحيل. فنهضتُ مبادرا في حسرة..إلى أين تذهبين؟..شكرا لك، زال الخطر. حاولت يائسا..سأرافقك لأطمئن عليك..لا داعي، ستعرض نفسك للأذى. ثم ابتعدت مسرعة، حاولت اللحاق بها و كأني ألاحق رمقي الأخير فالتفتت محذرة..لا تلحق بي! خشيت أن تظن أني أريد مقابلا لاستضافتها تلك الثواني فتراجعتُ. جلستُ أمام الطعام و قد شبعت تماما رغم أني لم أتناول لقمة واحدة.
أثناء تسكعي في طريق العودة دخلت إلى شارع جانبي صغير فوجدت شبحا يعدو نحوي، إنها هي، هذا هو عطرها، تبينت وجهها لما اقتربت في ضوء عمود الإنارة الباهت، كانت تلهث..أدركني! إنهم ورائي!
كانت أصوات أقدام راكضة تطاردنا و نحن نعدو. تسألني..إلى أين؟.. لا تقلقي، فأنا أعرف تخريمة ستقودنا إلى مكان آمن. ضاق بنا الطريق و دلفنا إلى زقاق أفضى بنا إلى حارتي..أين نحن؟..لا تخشي شيئا، هنا أنت في أمان. اقتربنا من المقهى، استقبلني صاحبه باشا..أهلا يا أستاذ! أخيرا تذكرت أهلك!..أهلا يا معلم زكي، كيف حالك و حال الجميع؟..نحن بخير، المهم أنت، ماذا ألم بك في المدينة الجديدة الخاوية؟ كيف طاوعك قلبك على مفارقتنا؟ هل نسيت أنا ربيناك هنا!..لم أنس فضلكم علي أبدا و لكنها ظروف الحياة و تقلباتها..حسنا، قبل أن نندمج في الحديث، تفضلا بالجلوس أنت و الجميلة التي معك..آه! آسف! نسيت أن أعرفك على...! أكملتْ كلامي مصافحة له..إيناس، اسمي إيناس..ماذا تشربان؟
كنا نتدفأ بالسحلب بينما تحكي لي..إذن، لماذا لم تلجأي للشرطة؟ للنيابة؟ ضحكت متهكمة..على ذكر الشرطة، مطلوب القبض علي..هل أدركوا تلفيق شيء لك بهذه السرعة!..و من نفس نوع قضيتهم، فأنا موظفة الإئتمان المتهمة بتسهيل قروض دون ضمانات، لفقوا لي حسابا منتفخا بأموال الرشاوى و مستندات بتوقيعي..هذه أنت المتهمة في تلك القضية المشهورة؟! إنها حديث الساعة..أرأيت! لقد أصبحتُ نجمة!..و العمل؟!
أقبل علينا المعلم مبتسما..هل انتهيتما من السحلب؟ هل أعجبكما؟ ابتسمتْ..جميل يا معلم..إذن، حان وقت العشاء..شكرا يا معلم، لا داعي، تخدمنا لو أرسلت أحدا إلى شقتي لينظفها فضيفتنا ستبيت فيها..لا تقلق يا أستاذ، سيتم تنظيفها ريثما نتعشى. كدت أعاود الإعتذار..لا تحاول، لن تتهرب من العشاء، ثم ما هذا الإستبداد؟! إذا كنت لا تريد أن تأكل فما ذنب هذه الأميرة! ضحك ثلاثتنا ثم انسحبتُ من الضحك و أنا أنهض و أدنو منه، سكتت لما رأتني أهمس في أذنه و بقايا الضحك على وجهه..أنا مرتعب، أخشى أن تبيت بمفردها فهؤلاء اللذين تعرفهم يريدونها بشدة..عيب يا أستاذ، هنا لن يجرؤوا على شيء، سنمزقهم. قاطعتنا إيناس..هل تسببت لكما في مشكلة؟! يمكنني أن أبيت في أي مكان؟ ضحك المعلم مواريا قلقي عنها..هو فقط يخشى المبيت معك في الشقة، لو كان الأمر بيدي لجعلتك تبيتين لدي و لكنها نفس المشكلة فأنا لوحدي بعد وفاة المرحومة و سفر ابني محمود و شيطاني أشطر من شيطانه! قهقهنا بشدة ثم سألتني..أين ستبيت أنت إذن؟ أجاب المعلم بتلقائية..عندي أنا يا أستاذة. ثم نظر إلي نظرة ذات مغزى..و لا تقلقي من شيء ستكونين تحت عيوننا فشقته في مقابلة شقتي تماما. ثم أردف رابتا على كتفي..هل تذكرعندما كنت تختلف مع أبيك و تأتي لتبيت مع محمود! ضحكت..نعم، و كنت تضمن لي موقفا قويا في التفاوض..لقد كرهني أبوك رحمه الله بسبب شقاوتك..و لكنه كان يقوم بالمثل مع محمود..و هل تظن أنه كان يفعل ذلك من طيبته؟! ضحكت..إذن، لماذا؟..لينتقم مني. ثم تخلل الضحك كلامه..كان قلبه أسود عليه رحمة الله. لم يكد يتم جملته حتى ضحكنا أنا و هو حتى دمعت أعيننا.
ظلت الليلة حالمة رغم ما تخللها من توتر. كانت أمامي في نافذة شقتي بينما كنت في نافذة غرفة محمود القديمة. كانت الأنسام الشتوية تداعب الليل المقمر و هي تروح و تجيء بيننا حاملة إلينا أريج الريحان النابت في الإصيص أمامي. كانت مؤرقة، ربما هدأ خوفها عن أول الليلة و لكنها ظلت قلقة متحسبة للخطر. لم يأتني نوم أنا أيضا من لذة سحرها الذي غمرني و إن خالطه خوف من أن أخذلها و أنا بلا سند سوى من أهل الحارة الشجعان في مواجهة نظام بأكمله. قطعتُ صمتنا عندما ضحكتُ فابتسمتْ..علام تضحك؟!..لا أبدا، تذكرت صديقا لي جرب علي جهازا لمقاومة الأرق..ليت هذا الجهاز معك الآن..لهذا السبب أضحك فالجهاز فاشل كصاحبه..ماذا حصل؟!..احترق و كاد يحرق رأسي. تقطع كلامي بضحكنا و أنا أواصل..حرر رأسي من الخوذة بأعجوبة بينما كان الدخان يملأ المكان. استمررنا نضحك قليلا ثم غلبنا الصمت فغالبته..هل رأيتك من قبل؟ لم ترد و تنهدت فسألتها..هل لا زلت خائفة؟..لن أكذب، نعم خائفة و لكني أعتمد عليك لإنقاذي..هل سأستطيع؟!..بالتأكيد..ليس في هذا العالم..هذا العالم من صنعنا. أطرقتُ فأردفتْ..قل لي، هل أنت ممن يعيشون في العالم كما هو كائن أم كما ينبغي أن يكون؟ رفعت رأسي..لا أدري..لا بد أن تحدد، أنا عن نفسي اخترت الاختيار الثاني..لذا تعتقدين أنه من صناعتنا..نعم، و يمكن لمن صنع شيئا أن يقوم بصيانته و بإصلاحه بل و بإعادة صناعته من جديد..ثائرة أنت إذن..صدقني، كلنا ثائرون مهما إدعينا التكيف..كلامك جميل و لكن لا سند له من الواقع فالواقع شديد النتشوية..الحلم هو السند، هو الذي سيخلق الواقع الجديد..ليتني بمثل تفاؤلك..لا بديل عن ذلك..هل تعلمين أنك مستفزة، شابة شديدة الجمال و انتحارية! ليس من حقك أن تموتي بالمناسبة. ضحكت ضحكتها الصغيرة اللذيذة..أنا لم أختر، القضية سقطت في حجري و كان لا بد أن أنجح في الاختبار، لو كانت قروضا بلا ضمانات و حسب لكان الاختبارهينا و لكن القضية أكبر من ذلك بمراحل، إنها عملية نهب منظمة تحت إشراف النظام؛ قروض بلا ضمانات يتم بها شراء مؤسسات مملوكة للدولة من مصانع و شركات بثمن بخس ثم تهدم و تباع كأراض بناء بمكاسب فاجرة! توسلتُ يائسا..خائف عليك..أم خائف مني؟!..كيف لي أن أخاف من كل هذه الروعة! كادت تضحك..قل لنفسك..أنت لا تعلمين ماذا صنعت بي الليلة! سألت مبتسمة سؤال من يعرف الإجابة..ماذا صنعت!..ربما صنعت معجزة!!
كنا لدى مقهى المعلم زكي نفطر..هل أنت واثقه من هذا الرجل؟.. بالتأكيد، إنه صديق أبي المقرب..هل أنت متأكدة أن هذا هو الحل!..ليس لدي حل آخر فأنا محتاجة إلى من لديه خبرة قانونية و أثق به، سأسلمه الحقيبة، هو يدري كيف سيستخدمها..حسنا، هو محام شهير و بارع و لكن هل سيصمد! فحقيبتك هذه قنبلة نووية ستجرجر النظام كله!..فليكن! رن هاتفها فنقش التوتر ملامحها العذبة..إنه هو، أخيرا رد على رسالتي.
كان الشك يساورني و القلق يربك أمعائي بينما نقترب من المكان الذي حدده المحامي. لم أقتنع أبدا بالمكان المهجور الذي سنقابله فيه و في هذا الوقت المتأخر من الليل. و لكني كنت أغالب شكوكي بهذا اليقين في عينيها و بذلك الأمل في أن تجد من يشاركها حملها الثقيل. وصلنا إلى الميدان الصغير، وجدناه في مركزه، صافحها..أهلا يا إيناس. ثم أشار إلي.. من هذا؟!..هل نسيت يا عمي! إنه الصديق الذي أخبرتك عنه. بدا عليه التلهف..حسنا، هل هذه هي الحقيبة؟ أخذها منها و علقها على كتفه بسرعة. أضاءت المكان فجأة كاشفات قوية بينما هو يقول منسحبا إلى سيارة فتح بابها وراءه..آسف يا إيناس، القضية أكبر من الجميع. علا وجهها الهلع ممزوجا بالدهشة و صاحت..حتى أنت يا عمي!
لم أعرف ما العمل و هم يقتربون منا كالذئاب الجائعة، صرخت فيهم..كلا! ابتعدوا! لن يقترب منها أحد. أوليتها ظهري فاردا ذراعي لأحول بينهم و بينها بينما يضيق حصارهم علينا..كلا! لن تأخذوها. هاجمني اثنين منهم، أخذت أقاومهما بشدة و أصرخ..إيناس! إيناس! سحبها اثنين آخرين و غاصا بها بعيدا في الظلام. فجأة تركاني فعدوت إلى الظلمة حيث أخذوها.
ظللت أعدو حتى انقضى الليل، ها هي هناك واقفة في ثوب أبيض ذو قلنسوة شفيفة يضيئه نور الصبح البكر الذي يغمر الجنة الخضراء حولها، يبتسم وجهها المشرق و تهمس مادة ذراعيها..أقبل. شعرت بثقل في جسدي، وجدتني مقعدا عاجزا عن الحركة، فزعتُ، صرختُ..لا أستطيع، لقد تذكرت، أنا قعيد هالك. ثم ازدرت لعابي مرددا..لقد كان حلما! أخذت تدنو مني و بسمتها تزداد عذوبة..و هل هناك أجمل من الأحلام!..أنت مجرد حلم! مجرد وهم!..بل أنا حقيقة، هل كان ما شعرت به زيفا!..و أنا الذي ظننت أن المعجزة تحققت!..المعجزة متحققة بالفعل، أنت الذي نسيتني أو بالأحرى تناسيتني و أبعدتني حتى عن أحلامك. هدأت قليلا و إن تهدج صوتي..و لكن يبدو أن ذلك لم يردعك..هكذا أنا، منتصرة دائما. سالت دمعة على خدي فمدت يدها و مسحتها..تمنيت لو كنت أستطيع أن أجدك هناك و لكن ليس هناك أمل..هناك أمل، طالما وجدتني هنا..كيف و أنا مشلول محطم..إنها رؤيتك للعالم، هل تذكر! تحيا فيه كما هو كائن أم كما ينبغي أن يكون!..لا أملك أدنى قوة لتغيير أي شيء في العالم..و لكنك لا بد تملك الأمل..لا أمل هناك بدونك! فماذا إن لم أجدك هناك؟!..تكون على الأقل وجدتني هنا. تهدج صوتي بعنف..ويلي! سأصحو حتما، سأفتقدك بشدة، لا أدري كيف نسيتك من قبل!..لم تنسني، إنما أقمت أمامي سدا متذرعا بالبؤس و الظلم و الحرمان، و لكن شيئا ما شرخ السد، قد يكون شرخا خفيفا إلا أنه كان كافيا لهدمه..هل ستضيعين مني مرة أخرى؟!..لم أضع منك أبدا، فقط لا تحبسني مرة أخرى..سأعود إلى هناك حيث الألم و الوحدة و الوحشة..لم و لن تكون وحدك، فأنا معك دائما..أريد أن أعناقك بشدة و لكني لا أستطيع. إزدادت ابتسامتها إتساعا..تذكر! أنت هنا.
وجدتني خفيفا فنهضت، أمسكت بيديها، ضمتني إلى صدرها، استغرقتُ في بكاء شديد ارتج له جسدها الرقيق حتى سقطت القلنسوة عن رأسها كاشفة عن الشعر الأسود، ارتحت راحة عجيبة و أحسست بدفئها يغمرني ثم تثاقلت بالتدريج.
عدت، فتحت عيني، أحسست بثقل الخوذة على رأسي، كان صديقي جالسا على الكرسي بجوار السرير، مال علي و ربت على صدري..هل أيقظك ضوء المصباح؟ ابتسمتُ و ما زال دفئها يسكنني..كلا، أنا من صحوت. استغرب مبتسما..مالك تبتسم؟..لقد كانت خدعة جيدة. ازداد تعجبه..أية خدعة؟!..لا تتخابث علي، الجهاز! عندما أطلق دخانا و تعطل، لقد أقنعتني تماما أني لم أكن أحلم..عن ماذا تتحدث؟!..بالمناسبة، ما أخبار إيناس و الحارة!..إيناس! من إيناس؟! و عن أية حارة تتحدث؟!..حارتنا؟..حارتنا! حارتنا لم تعد موجودة، هل نسيت أن نصفها هجر و هدم و النصف الآخر تحول إلى مكاتب!..هيا، دعك من هذا، أنا أتكلم عن الحلم، فقد أهديتني حلما جميلا..حسنا تمهل، أي حلم؟..الحلم الذي برمجته على الجهاز..و لكن الجهاز لم يعمل!..كفاك، قد صحوت..كلا، صدقني، الجهاز لم يعمل سوى دقيقة واحدة ثم انقطع التيار و الذي لم يعد إلا عندما استيقظت..ماذا! لم يعمل؟! لم يعرض شيئا؟!..كلا، عرض دقيقة، عندها كنت صاحيا..هل تعرف ماذا عرض فيها؟..لا شيء ذو معنى حسبما أتذكر من الإعداد، أعتقد بعد دقيقة تكون عبرت الشارع بينما هؤلاء على الضفة المقابلة يعبرون نحوك..هذا فقط! ثم ومض عقلي،" هل رأيتكِ من قبل؟"، فغمغمت..تذكرتها، إنها أحد العابرين..هل قلت شيئا؟..كنت أقول لا أعرف كيف أشكرك؟..تشكرني على ماذا و أنت لم تجرب الجهاز بعد! انتظر سأعيد وصله بالكهرباء و... ابتسمت له حتى كدت أضحك..لقد كان شرخا جميلا صغيرا رقيقا. لم يكد يعجب من قولي حتى سألته في تلهف..قل لي، هل ما زال عرضك قائما؟
تمت








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حواديت المصري اليوم | حكاية ممثل شهير في الأصل ملحن كبير.. م


.. يستضيف الاعلامي دومينك ابوحنا في الحلقة الاولى من Go Live ا


.. عبد الغني النجدي باع الايفيه لاسماعيل يس و شكوكو بجنيه .. و




.. دراما كوين | تترات المسلسلات من الموسيقى للغناء.. أصالة وعمر


.. تحدي الضحك بين الفنانة رولا عازار وأمل طالب في #التحدي_مع_أم