الحوار المتمدن - موبايل


فراسة

جمال الدين أحمد عزام

2013 / 3 / 21
الادب والفن


فراسة

الملامح و القسمات، التضاريس و التجاعيد، عضلات الوجه، انبساطها و انقباضها، حركات الشفتين، انفراجهما و انضمامهما، رفة العين، ارتعاش الجفنين، اتساع الحدقتين، الزيغ، الحركة السريعة، التحديق و الرنو و الشرود، كل الأسرار و كل الكلام محبوس في الكرتين. الحاجبين فوقهما يرسمان بتقوساتهما المختلفة التكشيرة، البشاشة، الدهشة، الراحة. إنه الوجه بكل سماته، يتفاعل بعضلاته و تلون جلده و نحته ثناياه مع الخبايا المدفونة في الأعماق، يعلنها واضحة ظاهرة مهما تلبسته الأقنعة و هاضته السنين و تجعد و تغضن. و لكن من يتفرس و يفك الطلسم و يحل الشفرة.
لم أدرك تلك القدرة الخاصة الكامنة في إلا صدفة عندما رأيت جدي، الذي لم يكن يشكو من أي مرض، رأيته قبل يوم من وفاته، فتبينت في وجه إطلالة الموت. سمعت صراخ أمي في اليوم التالي فلقد مات جدي. لم ألق بالا فقد تكون صدفة، و لكنها تكررت مع خالي، رأيت المرض في وجهه. علم بعد يومين أنه مصاب بالسرطان و أخبرنا بذلك. أفزعتني تلك القدرة، جربتها مع زملائي في المدرسة، كانت قراءة الوجوه سهلة، أعرف أحيانا ما حل بهم و يكتمونه و أحيانا تنبئ الوجوه بما سيحدث و لكني ألتزم الصمت و لا أخبر أحدا بشيء.
أصبحت قليل الكلام فكل ما يشغلني تأمل الوجوه. بعض الوجوه مكشوفة تماما مفتوحة على العمق، و بعضها يحاول الإخفاء، و بعضها يتقن التنكر و الادعاء، و تلك الأخيرة هي التي أكتشفها بسرعة بعد نظرة واحدة. ما يتعبني هي تلك الوجوه التي تحاول، فالملامح تكون مضطربة تحت وطأة المحاولة، فتنتشر الاضطرابات على الوجه كتموج لسطح الماء الرائق فوق العمق فتكون الصورة مشوشة مما يستدعي التفرس لوقت أطول.
كانت إطلالة واحدة على وجه أختي تخبرني بما في داخلها، حتى رأيت يوما وجها غير الوجه. ليتني لم أعرف، ليتني أكون مخطئا. كنت الوحيد الذي يعرف لماذا ترفض الزواج رغم اقترابها من الأربعين. كنت في البداية غاضبا منها، ثم بدأت أشعر بألمها، ثم بدأت أواسيها دون أن تعرف أني أعرف. و لكني سأعرفه بمجرد رؤيته ذلك الذي أطفأ البراءة في وجهها.
قلت الوجوه الكاشفة و تنحت جانبا، لم يتبقى إلا وجوه مدعية و أخرى تحاول الادعاء. تمنيت لو تخلصت من تلك النقمة بعدما اكتويت بنار الكذب. الكل تقريبا يكذب على الكل حتى أنا. أتفرس وجهي كل صباح فأعرف مدى كذبي الذي سأكذبه اليوم، فأبدأ بتشكيله و تزيينه تلقائيا كما يفعل الجميع خوفا من ظهور الحقيقة التي أخجل منها لشدة سوءها، متمنيا ألا أقع فريسة أحد عباقرة التفرس، و إن كنت ساعتها سأواجهه بما يخفيه هو الآخر.
أصبحت التصرفات و الأقوال مجرد حركات و أصوات لا معنى لها بالنسبة لي، ففي عالمي أرى و أسمع الحقيقة. المشكلة ليست في إخفاء الحقيقة إنما في مدى بشاعتها و شدة مناقضتها لما ينبغي أن نكون عليه، أو ما نظن أنه ينبغي أن نكون عليه، أصبحت حركتنا في الحياة متأرجحة متباطئة كحركة خائف يمشي على سلك رفيع بين جبلين. ليتني أخدع أو أضلل فأرتاح، و لكن لا فائدة، فنظرة على الوجه لا تمر عليها ثانية تفضحه فورا، فقد نمت قدرتي معضدَة بتصديق الواقع لما حدث و ما سيحدث.
تأكد لي مع مرور السنين أن القصة ليست أننا و كما يبدو على السطح منافقون متجملون و حسب، بل هناك شيء كامن، شيء خبيث يبنينا من الداخل بتسلسل دون أن ندري، فيجعلنا نبدي ما تعارفنا عليه مما توارثناه من معتقدات أصيلة فينا مهما كانت حسنة أو سيئة، و نخفي تلك الاختراقات السرية التي تخالف هذا الإرث تمام المخالفة. نبدي الروحانية و الترفع عن المادة و نستبطن العكس من وله شديد بكل ما هو مادي، بالقصور و السيارات و الهواتف و الذهب و الجوهر. نرتدي عباءة الدين فوق أطنان من الجاهلية الجديدة البراقة المتمثلة في تقنية جبارة و سلع فانية. تخبرني الوجوه بالسوق الذي يسكننا، سوق تجاري ضخم لا يساوي أحد فيه شيئا إلا قيمة ما يملك من مادة الكون. لقد فجَرَت الوجوه كذبا و ادعاء بالتعفف و الاستغناء و الزهد و الورع، بينما المتعة الحسية و اللذة هي المحرك الحقيقي وراء الوجه الوجل السخيف. لقد أصبح الأمر مضحكا و مبكيا في الوقت نفسه، فالعينان تسح منهما الحقائق سحا، بينما اللسان يتحرك بكلام آخر.
لا بد في مجتمع كاذب من الفراسة حتى تستطيع التعامل مع الآخرين فلو صدقتهم ضاع وقتك. فعندما يخبرك أحدهم بأمر ما إنما هو في الغالب يريد أمرا آخر يكاد يكون عكسه، فتسير وراء الكاذب حتى تضل و لا تصل أبدا لباب الدار. لذا اعتزلت الناس فلم أعد قادرا على التعامل مع تلك الثنائية الغريبة. فلا خجلنا يمتنع فنتعامل بما هو فينا بصدق رغم فجاجته و نتوقف عن لعبة المهرج الذي يضحك وجهه دائما مهما حل به، و لا ما ندعيه ينتصر و يصبح هو حقيقتنا. هناك قوى شريرة خفية ممنهجة تصنع فينا هذا التناقض عمدا و تحيلنا إلى بهلوانات في سيرك الحياة، و لكنها بهلوانات تُبكي و لا تُضحك.
اعتزلت و تقوقعت على نفسي، لا أريد أن أرى الوجوه البلاستيكية المنحوتة بالأكاذيب. سأظل في غرفتي المعزولة عن وجوهكم بعيدا عن اللعبة الجهنمية. لم يعد الأمر مهما فقد اختفت الوجوه الصادقة تماما و لم تعد لرؤية الوجوه أي معنى، ففي النهاية، المخفي هو لذة أو متعة أو شبق أو مال أو جاه أو سلطة أو حقد أو حسد أو كراهية. كل جميل و نقي و راق ضاع و قوض مع لعبة الوجوه. كلا لن ألعب معكم، لن ألعب حتى مع نفسي.
و لكني بحكم العادة نظرت في مرآتي هذا الصباح و تفرست ملامحي فانتابني فزع هائل مما رأيت؛ فقد ضيعت عمري متفرسا؛ لم أحرك ساكنا و ها هو الموت مني اقترب.
تمت








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حواديت المصري اليوم | حكاية ممثل شهير في الأصل ملحن كبير.. م


.. يستضيف الاعلامي دومينك ابوحنا في الحلقة الاولى من Go Live ا


.. عبد الغني النجدي باع الايفيه لاسماعيل يس و شكوكو بجنيه .. و




.. دراما كوين | تترات المسلسلات من الموسيقى للغناء.. أصالة وعمر


.. تحدي الضحك بين الفنانة رولا عازار وأمل طالب في #التحدي_مع_أم