الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عاشق في الخمسين

جواد طالب

2005 / 4 / 9
الادب والفن


عاشق في الخمسين
لمرّة أخيرة. فقط لمرّة واحدة. أرجوكِ أجيبي. من يعلم كم سيبقى في جعبتي حين أكبر قليلاً. إذا لم تلبّني الآن سأبقى بين الذكور نكرة. سألقّب حتى نهاية حياتي بالعاجز الذي لم يشارك الفراش طوال حياته.

((ما بالك أيها العجوز، صحيح أنا مومس بدوام جزئي، لكن يحق لي أن أختار من أنام معهم، أليست لدي حياة غير أن أقبض من عجوز مثلك))
أرجوك لمرّة واحدة فقط، سأعطيك مبلغاً إضافيّاً، ها ما رأيك في هذا.
((آه منك ألا تتعلّم، قلت لك ألف مرّة، هذا مستحيل، ألا تسألني كلّ يوم وأجيبك بنفس الجواب، هيا اذهب فلدينا عمل هنا، آه مرحباً أتريد بعض المتعة، الأجرة مخفّضة في هذا الوقت من الشّهر)) وتدخل مع رجل آخر يبدو في الأربعين من عمره، وتترك العجوز يقف وحيداً على حافّة الطريق.

((ألم تفلح هذه المرّة)) قال له صديقه القاعد بجانب إشارة المرور عندما رآه قادماً. ((آه..كالعادة)) فهزّ رأسه وأوسع مكاناً له بجانب العمود وجلسا ينتظران أحد المارّين من ذوي المعاطف الفخمة حتى يتنشّبا به ويملّ منهما فيلقي لهما ما في محفظته من الفُرادا.

لطالما تخيّل العجوز تلك الليلة. سيعدّ السرير بأقمشة حمراْ، وينثر الزّهور على الجانبين, ويضع زجاجة النبيذ الفاخرة التي احتفظ بها طوال حياته، فإنها الآن في حالة جيّدة وقد تعتّقت لمدّة طويلة فصار طعمها مغرياً جدّاً. سيستقبل فتاته جالساً جسته المغري على السّرير، ويسلِّم بعدها نفسه للمتعة الأبديّة التي سيذكرها طوال حياته الباقية.

لكن للواقع حكم آخر. من أين ستُلقى له هديّة كذلك، ما دامت المغرورة مقابل الطريق لن تقبل. وهو متسوّل لا يحصل على المال إلى ما يشتري به ثلاث فطائر اليوم. وصديقه لا يعلو عنه شيئاً ولن يقوَ على إدانته أية أموال لأنه متراجع في مستوى تسوّله هذه الأيام. لا بدّ أنّه التقدّم في العمر.

أريد أن أسألك سؤالاً. ((بالطبع))قال له صديقه. لقد.. إيه.. شاركت الفراش مع إحداهنّ أليس كذلك. ((إيه.. نعم.. مرّات عدّة.. وكانت من أسعد لحظات حياتي)). بالله عليك قلّي كيف توفّقت إلى ذلك. ((آه.. كنت في صغري أعمل لدى حانوتي بخيل، وكانت له ابنة رائعة الجمال، لم أر في حياتي شيئاً أجمل منها. شعر أشقر، شفتان رقيقتان، ومسلك لطيف متجانس تريد أن تعتني به طوال حياتك. كان رئيسي البغيض يترك المنزل مع زوجته كل يوم ثلاثاء ليزور أمّه في المنزل المجاور. وأبقى أنا وحيداً في المتجر وتبقى هي في المنزل وحيدة أيضاً. صدّقني كان الأمر في البداية صعباً جدّاً، واحسب عدد المرّات التي ضربت بها على رأسي بالمقلاة، لكن أخيراً قبلت بيّ. وكنت من حينها أزجّ نفسي في نعيم مطلق كلّ ثلاثاء. وهي تبدو عليها علامات السّعادة في الليل والنّهار. حتى لاحظ ذلك صاحب المتجر واكتشف ما كان يدور بيننا فنزل مغتاظاً وأيقنت أنّني سألقى حتفي فهربت من المتجر وأنا أصرخ "سارق"" "سارق" فظنوا أن من يلاحقني حراميّ بالفعل فأمسكوه ونجوت أنا وأنا على هذا الرّصيف منذ الآن)). يا لها من قصّة جميلة، أرى أنّك مغامر حقيقي. ((بالطبع أنا كذلك)) وقام من جانب العمود وجلس بعيداً وبدا ينظر إلى السّماء، يتخيّل، وعلى وجهه ابتسامات سعيدة.

مرّت الأيّام ولا زالت المحاولات تخفق، وأحلام متسوّلنا تبوء بالفشل، وبدا المراد بعيداً جدّاً حتى أوشك على فقد الأمل ونسيان ما حلم به طوال حياته. شكراً لك يا سيّدي، أرجو أن نراك قريباً هنا. ومرّ العابرون نفسهم وألقيت في يديه النقود نفسها وبدا بحالة مزرية جدّاً وكأنّه فقد أيّة متعة في الحياة.

بعد مرور أسبوع على تلك الحالة، حصل شيء غريب من يعلم لعلّ الفرصة تأتي بعد الانتظار الطويل. في السّاعة الحادية عشرة ليلاً رأى المتسوّل شيئاً كبيراً ملفوفاً بغطاء أسود يتقلّب على حافة الطريق. ركض المتسوّل فزعاً ونزع الغطاء الأسود فرأى الفتاة من قبالة الشارع وعلى وجهها وجسمها دماء وآثار ضرب مبرح. حملها المتسوّل إلى مكان نومه ووضعها على الوسادة واحتال حتى وجد طبيباً من المقيمين في المستشفى القريب وجلبه إليها. ألقى الطبيب الذي خرج معه برداء النوم نظرة على الفتاة. ((رضوض سطحيّة فقط لا كسور اطمئنّ. قد فقدت كثيراً من الدّماء هيا احملها معي إلى المستشفى)). وظلّ المتسوّل هناك طوال الليل حتى جلبوا له كرسيّاً ونام بجانب الفتاة في غرفتها.

استيقظ صباحاً بجانب السّرير فوجدها مستيقظة تنظر إليه. آه... قد أفقت كيف حالك الآن. ((آه أشعر كالقمامة الملقاة في جانب السلّة)). ولكن ماذا حدث. ((أتذكر الرجل الذي ذهبت معه ذلك اليوم)). نعم المتأنّق، يا له من وسيم. ((آه إنه قمامة أيضاً، فرغ من المال ولا يزال يريد المزيد، وعندما تمنّعت، لم يعرف ما يفعل سوى أن..)). ((لا تدخين في الغرفة، أوامر المستشفى)). نقر أحد الممرّضين على الباب. لا تحزني سينال عقابه. ((يا لك من ساذج، لديه معارف كثيرة في مخفر الشّرطة، سينجو بها, كما أني لست غبيّة لأن أفد عملي)). ((بالمناسبة، قالو أنك سهرت معي طوال الليل)). لا تفرحي كثيراً، إفطار مجاني، وكرسيّ فاخر، وجدت أنّها فكرة جيّدة. ((أقدّر بالفعل ما فعلت لي)). هيا لا مشكلة. ((فكّرت كثيراً في أمر طلبك. إيه...والجواب نعم قبلت)). بماذا. ((نعم قبلت.. أن أشاركك الفراش)). هيا هذا ليس وقت المزاح الآن. ((أنا لا أمزح، بالفعل قبلت)). حقاً. ((نعم، ولكن عليك أن تدفع التسعيرة كغيرك)). لا مشكلة. ((لا تنظر إليّ هكذا، اتفقنا لمرّة واحدة فقط)). حسناً.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. صباح العربية | الفنانة الراحلة ذكرى تعود من جديد بتقنية -اله


.. مواجهة وتلاسن بكلمات نابية بين الممثل روبرتو دي نيرو وأنصار




.. المختصة في علم النفس جيهان مرابط: العنف في الأفلام والدراما


.. منزل فيلم home alone الشهير معروض للبيع بـ 5.25 مليون دولار




.. إقبال كبير على تعلم اللغة العربية في الجامعات الصينية | #مرا