الحوار المتمدن - موبايل


الهوية الجمالية، و دلالاتها الثقافية في سيرة (قلب العقرب) لمحمد حلمي الريشة

محمد سمير عبد السلام

2013 / 3 / 31
الادب والفن


التأويل الإبداعي للكينونة، و الوجود بمستوياته المختلفة، و مجالاته الظاهرة، و الحسية، و الاستعارية هو ما يميز سيرة الشاعر الفلسطيني المبدع محمد حلمي الريشة، و كتاباته الثرية التي تؤسس لمنظور جمالي دائري، و لانهائي للوقائع الجزئية، و العلامات الكونية، و الرموز الاجتماعية، و الثقافية، و الخبرات التي يختلط فيها الوجود المادي بآثاره الطيفية، و المجازية في الذاكرة المشكلة لهوية شعرية متجددة، و تستعصي على النهايات الحاسمة، أو أشباح العدم؛ فسيرة الشاعر المعنونة ب (قلب العقرب)- و قد نشرت مجتزأة بمجلة الكلمة عدد فبراير 2013 - تؤكد انحيازه الروحي للتناغم الكوني داخل الذات، و خارجها رغم سطوة الاضطرابات، و مركزيات الأنساق المعرفية، و خطابات الهيمنة، و أهوال التناثر، و التفكك، و تهديد الغياب، و غيرها من الأغلال التي تبدو اسثنائية في رؤيته الإبداعية المتجاوزة لأي حدود تكوينية، أو فيزيقية مغلقة.
يستمد مدلول (الهوية) – عند محمد حلمي الريشة – طاقته من أصالة الحضور التي تتجلى في مرآة التحويل الجمالي المستمرة للعالم؛ فالكتابة هي المرآة التعديلية، و هي صوت الحضور الدائري المتولد من الحضور النسبي نفسه، و لكنه يستنزفه دوما في تلك الكتابة التي تتراكم فيها الصور، و الاستعارات، كأنها تؤجل سطوة الحتميات، أو تعيد إنتاجها في حالة اتساع عوالم اللاوعي الفسيحة، أو التوحد بتلك اللحظة التي يشرق فيها الصوت المبدع، و يتجلى في عزلته الافتراضية؛ و من ثم اتحامه الحدسي المباشر بالمستويات الشعرية المتعالية من الوجود، و التي تذوب فيها الفواصل بين الأصوات، و الأشياء، و الصور، و إضاءات الذاكرة، و شخوص الماضي.
و يعزز محمد حلمي الريشة من تقنيتين فنيتين في كتابته لسيرته التاريخية / الشعرية؛ هما:
الأولى: كثافة اللغة، و دقتها التعبيرية، مع تأكيده على الإثراء الجمالي للمدلول؛ فاللغة التوثيقية عنده تميل إلى الامتزاج بالحالات النسبية الفريدة، و آثارها المجازية الأصيلة في الواقع، و العالم الداخلي، و لغة الكتابة في آن؛ و كأن اللغة الخبرية بحد ذاتها لا تنفصل عن تراكمات الدلالة في التراث، و التجدد الاستعاري، و الوصف النسبي للحدث؛ فيمكننا استدعاء أطياف الأعشى التي أشار إليها المبدع حين عايش تجربة الحب؛ إذ نلاحظ ذلك التحول الجمالي في عالمه الداخلي، و السياق التاريخي النسبي للتجربة نفسها؛ و من ثم فالمدلول عنده توليدي لمجموعة من العلاقات، و المعاني العديدة القائمة في النص، و الدلالات الأخري الممكنة، و المؤجلة بفعل تلك اللغة الوثائقية الدقيقة، و الجمالية الاحتمالية في الوقت نفسه.
الثانية: إعادة إبداع النصوص في لحظتين زمنيتين تقعان بين استعادة لحظة الكتابة الأولى للنص، و ما أحاط بها، أو سبقها من أحداث، و حالات نسبية، و المدلول الثقافي الجديد المولد من وضع النص في سياق السيرة الذاتية؛ و كأن الشاعر يبعث بعض نصوصه؛ ليؤكد أصالة زمن الكتابة الماضي، و ما يحويه من معاينة البكارة الإبداعية للهوية الشعرية المتعالية داخل الذات من جهة، و يكسب النصوص نفسها دلالات ثقافية، و اجتماعية جديدة، تؤسس لرؤية تأويلية مغايرة يمنحها حضور السياق الاجتماعي، و تحولاته الراهنة للنص من جهة أخرى.
و يمكننا تلمس مسارين جماليين رئيسيين في حياة الشاعر الفنية، و سيرته كما كتبها بروحه، ووعيه المبدع؛ هما؛ المسار الأول: التشكيل الاستعاري للواقع، و البناء المتجدد للهوية الشعرية، و الثاني: الهوية الثقافية، و تأكيد مبدأ التجاوز.
أولا: التشكيل الاستعاري للواقع، و البناء المتجدد للهوية الشعرية:
لا تشكل الكتابة الجمالية مشروعا للشاعر فحسب، و إنما هي إبداع مستمر للكينونة، و طريقة في الرؤية، و تأويل ظواهر العالم، و الوقائع الجزئية؛ فثمة مبدأ حواري إبداعي ممتد في حياة الكاتب، يتجلى في ثلاثة مستويات من الدلالة؛ هي: تأويل الكينونة انطلاقا من الارتقاء الشعري، و التواصل المنتج مع النصوص الأخرى، و الحوار الجمالي مع الحالة الإبداعية نفسها، و تخييلها في صورة (الأنثى).
يمنح الشاعر نفسه اسم (شعريار)؛ و هو مزيج من دال الشعر الذي يومئ إلى أصالة الهوية الشعرية في ذاته، و الوجود النسبي الكامن في الإشارة التحويلية إلى الملك شهريار؛ فملكه هنا شكلي، و لا يرجع إلى هويته الشخصية في التراث، و لكنه ينتقل إلى قوة الحالة الإبداعية، و سلطتها الكونية، و الداخلية؛ و من ثم فالكاتب يفكك مركزية السلطة الذاتية، و يوحي بغياب الذاتي في قوة إبداعية متعالية تتضمن صورة شهرزاد، و قدرتها على الحكي، و التخييل؛ فهذه القدرة التحويلية تمثل انحيازا للشاعرية الأصيلة، و المتضمنة في الاسم الجديد الذي يوقع به الكاتب سيرته، و أعماله.
أما وصف (قلب العقرب) فيتجاوز الدلالات السلبية السابقة حول دال (العقرب) في الوعي الجمعي، و كأن الشاعر ينتخب من المعاني التي ارتبطت به فكرة (التحول الصاخب)؛ فالعقرب يبدو معبرا، أو تجاوزا للحالة النسبية الراهنة، و هو ما تحققه القصيدة بالفعل – في وعي حلمي الريشة؛ إذ تتشابك الضمائر، و الصور، و العناصر الكونية في تشكيل استعاري / واقعي جديد يوحي بتشكل طفرة للتجاوز، أو العبور باتجاه نقطة مضيئة متعالية، و العودة الملتبسة منها إلى الشعور بعودة الحنين إلى تجاوز آخر مغاير؛ و من ثم فالعقرب جوهرة للتحول، و الاختلاف في الوقت نفسه.
و يشير العقرب في التراث الثقافي العالمي إلى شكول متباينة من التحول، أو العبور من مرحلة إلى أخرى، أو اضطراب يعقبه سكون، أو عقاب؛ فقد ارتبط في أسطورة أرتميس، و أوريون بموت الأخير بعد أن أرسل إليه بواسطة جايا، أو أبولو، و تشير الأسطورة إلى امتزاج الحب بالاضطراب، و الصراع، و الموت، و يقترن في رباعيات إليوت بصخب التحول إلى سكون الشتاء؛ فالعقرب يصارع الشمس، ثم يأتي الحريق المدمر الذي يسبق قدوم الثلج، و هو ما يؤكد لقاء المفاهيم المتعارضة عنده؛ كالبدايات، و النهايات، و الربيع، و علامات الموت، و غيرها في النص.
و تحمل سيرة محمد حلمي الريشة مدلول التجاوز المستمر، ووهج البدايات الجديدة المميزة لمدلول العقرب، مع الإعلاء من إيجابية التحول في تداعيات النص، و الواقع.
و مثلما يعيد الريشة إنتاج ذاتيته، و اسمه من خلال منظور شعري؛ فقد تجلت ملامح الجمال النصي، و انفتاحه غير المحدود في رؤيته للآخر، أو الآخرين، و للأماكن، و حالات المعاناة، أو التناغم، و السلام الداخلي في لحظات الكتابة، و مدى تفاعلها الإيجابي مع النماذج الكونية، و الأبنية الاجتماعية المتحولة.
إن السمة النصية، و ما تحويه من تداعيات، و أطياف، و نماذج، و أساطير، و معارف تلتحم – إذا – بتشكيل الصوت، و الوقائع في هذه السيرة، و أرى أن تعدديتها، و انفتاحها على التصوير غير المحدود للعلامات، و النماذج الروحية، و اتصاليتها النسبية بالتاريخ تؤكد غياب الفواصل بين النص، و ما بعده؛ و كأن الجمال يتضاعف في تلك العلاقات البينية المعقدة.
يكشف الشاعر – إذا – عن سمة التداعيات النصية، و ما فيها من تعددية في الأصوات، و المواقف السردية، و الصور المولدة من كون الوعي جزءا من الصيرورة الإبداعية في مستوياتها الكونية، و الداخلية؛ و بصدد الميزة الإبداعية في نصية النص، و ما يتجاوزه يرى رولان بارت أن النص يبني لغته من خلال الدفق المستحيل لكل لذائذ اللغة؛ و من ثم يبدو النص فردوسيا في بحثه عن فردوس الكلمات، و طوباويا، دون مكان، و يمتلئ فيه الاختلاف بالكمال، و كل الدوال قائمة فيه هنا، و كل دال منها ليصيب هدفه؛ فيتجلى النص كحجر كريم مختلف الألوان موشى (راجع / رولان بارت / لذة النص / ترجمة د. منذر عياشي / مركز الإنماء الحضاري بسوريا مع سوي بباريس سنة 1992 / ص 31).
و أرى أن النصية حين تختلط بكتابة السيرة، أو المذكرات تضاعف من أخيلة الواقع، و مجازاته، و تبرز التفاعل بين النص، و ما سبقه من لحظات، و أحداث في لحظة من التشابك النصي الجديد الذي يمتزج فيه نص السيرة بنص آخر، أو بعمل فني قديم، و قد قام بذلك أندريه مالرو في كتاب المذكرات المضادة مثلا؛ فبدا نص المذكرات تعدديا، و يبعث الحياة في أيقونات الماضي الفنية.
يبعث الشاعر روائح المكان، و أطياف الشخوص في شهادته الخاصة بالشاعر علي الخليلي؛ فيستعيد روائح الفرن، و إنصات المعلم لبكارة البدايات، و النمو الإبداعي لجيل أدب الفجر الذي توتر بين الخبز، و الشعر، ثم يستدعي أطياف أوكتافيوباث، و إليوت، و كعب بن زهير، و نيتشه، و عبد اللطيف عقل، و فدوى طوقان، و درويش، و غيرهم؛ و كأنه يولد تلك التداعيات الفريدة من الذكريات ذات السمة النصية من شرارة بدايات الكتابة، و من ملامح اللقاء الإبداعي الأول بالمعلم علي الخليلي الذي يكتسب حضورا آخر ممتزجا بسيمفونية الأصوات التي تحمل روائح المكان، و انبعاث أصوات الشعراء، و الصور في التكوين النصي الجديد للسيرة.
هل يبدو المكان استعاريا؟
لقد تحول المكان هنا إلى فضاء داخلي في الوعي المبدع، بينما صنعت الأطياف، و الأصوات، و صورة الموناليزا الجديدة، و الغامضة على وجه فدوى طوقان حالة استعارية تقع بين لذة الاستعارة في النص، و جذورها الواقعية المفتتة في الذاكرة؛ و كأن النص يعيد بناء الهوية الجمالية من تلك الإيماءات الاستعارية في الواقع، و نصية النص.
و يحاور الشاعر الحالة الإبداعية المشكلة لهويته الذاتية، و مساره الجمالي في الواقع؛ فيمثلها بمجهول قوي يأتي من الداخل، و يحول الوعي باتجاه الإنتاجية، و ممارسة طقوس الكتابة.
و الإبداع هنا يتجلى كنموذج روحي متعال ينبع من اللاوعي، و لكنه يقبل التفاعل مع الأنا، و من ذلك التفاعل الإيجابي تولد القصيدة حاملة لدلالات الغموض، و الاتساع، و قوة النموذج، و دلالات المسار النسبي للهوية الجمالية في الوقت نفسه.
و يبدو هذا التصور واضحا في القصيدة التي كتبها الشاعر عن الكتابة في سياق ما يصاحبها من أحاسيس، و رؤى، و طقوس.
يقول:
"حين انتهى من وجهها البري أطفأ عينه / ذاك الدخان، تمدد الجسد الطري، تثاءبت كل المفاصل و الحواس / و رأى بأخرى أنه / في حالة الإغماء أنضج من فواكه تشتهى / لم يسترح في متعة / قلق يطالع بقعة اللون / الحكاية في براريها / المدى / و هو انتظارات الصدى / هي هكذا، أو هكذا / تأتي إليه كأنها الأولى، فيرشق سؤاله من فوهات جنونه: هل ما يراه هو القصيدة؟".
يغيب الصوت الشعري في لحظة تحول الحواس باتجاه تكوينات جمالية جديدة قيد التشكل من ذلك المصدر الخفي، أو الطاقة الإبداعية التي تتجلى كنموذج متعال عن الصوت، و متشكل من داخله في الوقت نفسه؛ فالقصيدة هي حالة الأداء بما تحويه من أصوات، و أطياف، و ألوان، و صور ديناميكية، و هي القوة المضيئة الدافعة لهذه العلامات نحو عوالمها النسبية الخيالية في الوعي، و اللاوعي.
و تمتد اللغة الإبداعية للحواس في تشبيه الشاعر لمنافذ النشر بالتوافذ؛ فالقصيدة تطل لديه من نوافذ الورق، أو من نوافذ الزجاج في النشر الإلكتروني، و تمثل القصيدة هنا فعل الحواس القصدي المرتبط بالنافذة، و ما يتجاوزها من عوالم خيالية، أو غير واعية فسيحة، و مليئة بما يحويه الوعي الجمعي من أساطير، و اتجاهات فنية، و رؤى يتداخل فيها الحلم، و الواقع بصورة لامركزية.
و ينحاز الشاعر لقصيدة النثر، و يطلق عليها "القصيدة بالنثر"؛ و كأن القصيدة هي الطاقة المبدعة اللامرئية، و النثر هو جسد القصيدة، و كونها النسبي الذي يحوي لعب الحواس، و الأفكار الجمالية، و يعزز من حرية التفاعل بين الأشكال الفنية، و الأفكار الجديدة التي لا تتعارض جذريا مع التراث، بل تثريه، و تضيف إليه.
و من المقاطع التي أوردها من شعره في هذا السياق:
"قمر نرجسي يفكر في صورته المائية مطولا / إذ شبه له أنه صانع المد / و يتناسى اغتيال أسماكي / كأنها الماء / لا لون له، و لا طعم، و لا رائحة / رغم أن منه كل شيء حي".
لقد اكتسبت العلامات، و الأشياء حضورا إنسانيا حرا في هذه الكثافة الشعرية؛ فالقمر يجمع بين أصالة التكوين، و الغياب في الأثر المائي، كما يجمع الماء بين الحضور، و الغياب، أو التأجيل الشعري، بينما يكمن صوت الشاعر في معاينة القصيدة، و أفعالها الخيالية، و تداعياتها النصية التعددية التي يعاد تمثيلها في تجليات الجانب الاستعاري من الأشياء، و الأصوات.
و أرى أن المدلول الروحي الخفي للقصيدة هو أصل في تصور حلمي الريشة عن شاعرية الشعر، بينما يتشكل المشهد المحتمل من الأثر، و الإيقاع النسبي، و الصور الكثيفة، و المتحولة في اللحظة.
و تختلط الجماليات النصية بالرؤى الداخلية حول الذات، و الواقع في السيرة؛ فحينما يتحدث عن مؤسسة بيت الشعر الفلسطيني يقول: "الشعر، و ما أدراك ما بيته"؛ و كأنه يقدم الغاية الجمالية على المؤسسة، أو يوحي بذوبان المادي في أخيلة الشعر، و طاقته الروحية المحفزة لفعل الكتابة، و حينما يكتب عن فعل الكتابة يقول: "طقوس الغيبوبة اللذيذة"، كأن الصوت يذوب في تداعيات النص، و بهجة تكويناته، و عوالمه المجازية التي تكمن في واقع عملية الكتابة نفسه، و يطلق على تجربته بالقاهرة: "ماء القاهرة، ووجه النيل"؛ فتتجلى الأصالة الإبداعية في بنية المكان، و إيماءات الوجوه، و الأصوات فيه.
و تتجاوز الأنثى دلالاتها الطبيعية في وعي محمد حلمي الريشة، رغم أن هذه الدلالات نفسها تضاف إلى الكينونة الجمالية الطيفية للأنثى كصوت متحول للقصيدة؛ فهي طفلة مجازية داخلية؛ و من ثم يكسبها النص قدرة على الحوار المستمر، و الاتحاد بروح الشاعر، و إعادة تمثيلها المجازي للقصيدة داخل تداعيات الكتابة، ووسائطها التوليدية للعوالم الاستعارية الجديدة.
هل صوت القصيدة يشبه طاقة الأنيما الأنثوية في تصور (غاستون باشلار)؟ أم أنها تفكك عزلة الارتقاء الروحي في الكتابة؟
يرى (باشلار) أن الأنيما هي الطاقة المنتجة للتأملات الشاردة، و أحلام اليقظة، و هي تحرر الحالم، و تمنحه السلام الداخلي، و تثري علاقته بالكون؛ فالتأملات الشاردة لحالم واحد – عنده – تجعل الكون كله يحلم. (راجع / باشلار / شاعرية أحلام اليقظة / ترجمة: جورج سعد / المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر ببيروت ط1 / سنة 1991 / ص 58 و 59).
تتخذ تلك الطاقة المنتجة شكلا استعاريا فرديا، و محتملا في الوقت نفسه عند الريشة، و يقوى حضورها في عوالمه الافتراضية؛ إذ تتجلى كعلامة منتجة لعدد لانهائي من الصور داخل الذات، و خارجها في سياق حوارية ذاتية، و كونية مضاعفة، و متجاوزة للمدلول المستقر في النص.
و يحاور الشاعر التراث الثقافي العربي، و العالمي و يثري – من خلال فاعليته الإنتاجية الخفية – هويته الجمالية، وواقعه؛ فصورة لاورا محبوبة الشاعر الإيطالي بترارك، و ما صاحبها من تأجيل، و غياب، و قداسة فنية في وعيه، تحولت عند الريشة إلى معادل فني لمدلول القصيدة التي تهيمن على الوعي دون أن يقبض عليها أبدا، كما تجلت في صورة محبوبته فاتن؛ فمنحتها حضورا استعاريا متعاليا يشبه ابتسامة فدوى طوقان التي تشبه لوحة الموناليزا لدافنشي.
إن مدلول الهوية الجمالية في سيرة الشاعر يمتد في تلك النزعة التعدددية الخفية داخل الذات، و في طبقات النص، و ما يتصل به من تراث ثقافي إنساني فاعل، و مؤثر.
ثانيا: الهوية الثقافية، و تأكيد مبدأ التجاوز:
للهوية الجمالية الفردية – بحد ذاتها – دلالات ثقافية ذات مغزى في سيرة حلمي الريشة؛ فلا يمكن فصل الهوية الذاتية الشعرية عن سياقها الثقافي، و الاجتماعي؛ و قد ناقش الشاعر مجموعة من القضايا الفنية في ضوء دلالاتها الثقافية؛ فهو مهموم بقضايا الاتصال بين المبدع، و القارئ، و ذاتية الشعر، و علاقة الشاعر بمؤسسات مثل اتحاد الكتاب، و انتخاباته، و المؤسسات الخاصة، و ما فيها من روح الإخلاص، و العمل المستمر، و إحساس الشاعر في أوقات الأزمات السياسية، و الاقتصادية، و غيرها.
تتشكل الهوية الجمالية للشاعر في سياق اجتماعي، و ثقافي متناقض يقع بين ضغط الحتميات المادية، و الأزمات، و شكول المعاناة المتعددة التي تعزل الوعي المبدع، أو تقصيه عن علاقات القوة القائمة في الواقع، و كذلك تأكيد حالة الكتابة لإنتاجيته الجمالية الممتدة داخل الذات، و خارجها.
إن العزلة لتتجه إلى انفتاح مطلق على ما يتجاوز الحدود الفيزيقية، و تعزيز النزعة العالمية من خلال الإعلاء من ذاتية الأدب، و المشروع الجمالي الذي يشير إلى التجاوز، و الخروج، و التمرد، و الاتساع الرحيب لأماكن الإبداع الحلمية، و فضاء القصيدة الداخلي الكبير.
و يميل الشاعر إلى قراءة المؤسسات الثقافية، و المجلات، و النصوص التي يختارها للترجمة في ضوء انحيازاته لفعل الكتابة نفسه، و ما يحويه من رغبة في البناء المتجدد للهوية الثقافية خارج المركزيات الكبرى في الحركة الثقافية؛ و من ثم فهو يؤكد الروح الفردية النسبية اللامركزية، و تجلياتها التي تعيد بناء مفاهيم التجمعات الأدبية، و مؤسساتها.
لقد حاول الشاعر أن يتجاوز كينونته من خلال طاقاتها الإبداعية الخفية، و الإعلاء من الروح الجمالية، و تجلياتها في علامات الكتابة الفريدة، كما أعاد قراءة الواقع، و المواقف الاجتماعية من خلال ما تحويه من رحابة مجازية محتملة.
د. محمد سمير عبد السلام – مصر








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فيلم Mortal Kombat الجديد. كثير من العنف كثير من الدم.


.. نمشي ونحكي | حلقة جديدة مع الفنان السعودي خالد عبدالرحمن


.. الممثلة اللبنانية #إلسا_زغيب تفوز على #أمل_طالب في حلقة قوية




.. يوميات رمضان من القاهرة مع الفنان التشكيلي محمد عبلة..


.. إيرادات السينما العالمية تنخفض بـ80 بالمئة جراء إجراءات كورو