الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


كلبان وبندقية/ الجزء الثالث

ضرار خويرة

2013 / 4 / 16
الادب والفن


إنه يفتح عينيه على جثة كلب .. " معجزة هذه !!! ... لست من مِتْ ، هل افتداني الله بالكلب ؟ " ، لا زال يشعر أنه يحلم ، مسح بيديه على عينيه ، تناول كيس الماء وشرب كمن لم يشرب منذ شهر ، ثم فتح عينيه مرة أخرى على جثة كلب ... " لست أحلم ، إنها جثة كلب .. إنها الحقيقة ... لا ربما جد في كابوسي شيء " ، زاد من يقين ما يراه صوت أبي نايف :
_ زغردي يا امرأة ... الآن تتنتهي متاعبنا .. سنعود لحياتنا
أما هي فلم تزغرد لمقتل الكلب ، كانت تزغرد لعودة الحياة ... وأشرف يدقق النظر في الكلب المُسجى أمامه ، لقد راعته دقة التصويب ، إنه ثقب بحجم رصاصة في جمجمته ... لا يرف كيف قاده تفكيره نحو شكله بعد الموت ... إنه يرى الان ما هو أنكى ، خنجر يحز عنقه .. وصوت ثمل كله فظاظة :" هذا جزاؤك لخيانتك " ، كل مايجري أمامه لايدعوه للتصديق بأنها الحقيقة ، جثة كلب غدت بلا رأس ، رجلا بالكاد كان يعرفه ، حتى ملامحه متغيرة ، لاشيء إرادي في هذه اللحظات ، لاصوت لا حركة ،يتحكم العقل فيهما .. إنه يتحسس عنقه ، لقد تراءى له رأسه معلقا وسط الخيمة ، رشق وجهه بالماء ، ثم دقق النظر في الرأس ، لكنه رأى وجها اخر يعرفه ، في رحلة الذهاب والإياب بين الجثة والرأس تراءت له وجوه يعرفها ، إنه خائف كما لم يخف من قبل ... صدمة خوف أقعدته في مكانه لا يبارحه ، وأبو نايف خلف الخيمة يحز رأسا أخرى .. لا وقت يحسب أو يحس حين الخوف والهلع ....
ما لبث أن استعاد بعض روعه عندما رأى الأم تدخل عليه بطبق ، وتتبعها ابنتها بآخر ، ووجههما يتهلل بالفرح ، أبو نايف أيضا يحمل إناءان من اللبن ، همّت الأم وابنتها بالإنصراف لكن أبا نايف استوقفهما (مداعبا زوجته ) :" منذ مدة لم ءاكل برفقتك يا حسنة ... ألم تعودي تحبينني ( وقهقه ) .... سنأكل كلنا معا " ، وهو لا زال يتهيأ للصواعق القادمة ، وبرغم هذا لم يغفل عن غرابة البدوي : " من أين تأتيه رومانسيته هذه ... !!! " ، كان يمد يده للطعام صدفة تلك إن أصاب لقمة من الطبق ، لقد كان لايزال محدقا في الرأس على عمود الخيمة ، ولم يشعر بوجودها تتأمله ، من يملك قلبا للشغف الان ، إن الدقائق بين اللقمة والأخرى مساحة شاسعة امام الهواجس التي تنتابه ، وحين داهم وجهها عينيه ، حضرت في ذهنه صورة الرأس بشكل أشد ، لقد تراءى له رأسه على العمود ، وازداد خوفه عندما التفت لوالدها وهو يدحش اللقم في فمه دحشا ، ويضحك دونما سبب .." يالله .... يضحك ويمضغ ... أفم هذا أم كهف مسكون !! " ، لقد تناول أبو نايف كيس الماء وعلقه في الهواء ، كي تنزلق اللقم المتزاحمة في فمه ، دق بقبضة يده على صدره :
_ ما بك بني لما لا تأكل ... كُلْ ..
_ ها ... أنا ءاكل ( امتدت يده إلى الطبق )
_ أعرف يا بني أن لديك الكثير من الأسئلة تطرحها .. وأعرف خوفك وقلقك ... لكن الحديث ذو شجون وأنا أريد أن أبتهج ليلتي هذه .. ابتهج يابني معي ... ثم قهقه حتى كاد صدغاه ينفجران
ربما قللت من خوفه كلمات أبي نايف .. لكن لاشيء يخرجه من حالته تلك سوى معرفة القصة كلها ... أو النوم العميق الذي بات عسرا طلابه ...
وحده يجلس أمام الموقد ، يداعب جمراً يلتهب كالتهاب شوقه لمعرفة قصة الكلب ، الجميع نيام حتى هي وأمها ، وهذا البدوي التتري ، هاجس الرأس المقطوع طرد جميع هواجسه وهيأ لهوجس أخرى ، أشعل سيجارة وصب فنجانا من القهوة .. ومع كل رشفة بعد كل رحلة شهيق وزفير ... يتأمل وجه أبي نايف : " هذا المغولي المتوحش .. هولاكو العصر .. يغفو غفوة طفل بريء .. يا للمفارقة !! .. إن الشمس تبدأ مدها ، وخيوطها تناوش أرض الخيمة من جديد .. ألن يصحو .. ألن يخرج بالقطيع .. هل عرفوا النوم الان !! أريد تفسيرا لكل ما يجري في هذا البيت .. إنها اسرة من الجن ، لايمكن أن يكونوا بدوا " ، كل تلك الهواجس لم تغادره حتى اكتمال اجتياح النور ...
_ صباح الخير يا بني .... أقول صباح ....
_ ها .. صباح ... صباح الخير
ابتسم له أبو نايف وربت على كتفه (لا داعي بني لكل ذهولك هذا .... لاتخف مني لا أقطع رؤوس البشر ) ثم عاد يقهقه قهقهته ليلة الانتقام ....
_ ألن تخرج بالأغنام .. أرى أنها ..( قال ذلك وبصره معلقا ببندقيته )
إنه يفكر في شيء ما .. الخوف والرغبة في الحياة كلها عوامل مواتية لإغراء غريزة القتل .. إنه يفكر في هذا الأمر :" إنه القتل الاستباقي " ..
ثم التفت إليه : " ولكن حقا ، ماقصة الكلب أبا نايف " .... نفخ أبو نايف مافي صدره من غل ، وكأن التنهدات تطفئ نارا مستعرة بالانتقام ، حاول أن يجمع نفسه كي لايضعف ، لكن بالرغم منه ، انزلقت من طرفه دمعة وحشرجة في صوته ، كفيلان بأن تخبرا هشاشة قلب الرجل .. ومأساوية القصة ، لكنه أكمل ...
_ هذا الكلب ربيته جروا .. نعم كان جروا ... ربيته حتى صار بهذه الشراسة والقوة .. لقد كان يحرس القطيع ، وكنت حينها أنام .. نعم كنت أنام ..( ثم أجهش بالبكاء )
ربت أشرف على كتفه : " هدئ من روعك .. وما الذي جد حتى تطارده .. وتقيم وليمة نخب رأسه !!! "
_ هل لمحت سرج الحصان عند الحظيرة ... نعم كان لدي حصان .. كان زينة هذا القطيع ، بل كان أغلى منه كله .. لقد .. ( ومسح بكمه دمعة انزلقت ) .. كم من عريس امتطاه ، وكم من سائح التقط معه صورا تذكارية .. لقد كان فخري ....
واشرف تتملكه الدهشة من حديث الرجل الذي يصف الحصان كأنه ابنه :" ولكن ما علاقة ذلك بالكلب !!! "
_ وبعد يا عم ....
_ ذات ليلة قضم هذا الكلب الحبل وفك وثاقه ونهره البرية ...
حشرجة البكاء تسد مخارج الحروف ،لا شيء يصدر سوى صوت بكاء الرجل وامرأتين من وراء الساتر .. عاد إلى ذهن أشرف حادثة استشهاد مجد :" نعم .. لقد كنا أربعة .. ماهر تأخر ليحمي ظهورنا في حال حدث شيء ... ولكن ما الذي سيحدث .. وسعيد كيف كانت الخطة أن يسبقنا بساعات .. لماذا نحن الاثنان بقينا معا " .. لقد بكى ، إنه يشارك الرجل بكاءه ، رجلان وامرأتان ولا شيء سوى البكاء ،الذي انقطع ...
_ لقد وجدت الحصان .. ليتني لم أجده ، عنقه الطويل كان محفورا .. وبطنه أيضا .. كانت أحشاءه تتدلى منه .. وهذا الكلب اختفى .. كنت أسمع صوته ينبح في البرية ليلا ... لا أعرف لِمَ خانني
شعر بسخف ما سيقول ، فلم بخف ضحكة خجولة صدرت منه :" لعله أحب ذئبة وأراد أن يقدم لها هدية .. فكانت نهايته .. يا لحب الذئاب ، مكلف جدا " ..
هذا البدوي اللامنتظم يقهقه من جديد :" يا لخفة روحك يا رجل .. إنك رائع "
_ ولكن يا أبانايف عرفت قصتك .. ألن تعرف قصتي ...
_ إني تلمست بعضها بخبرتي ، فلا داعي ( ونهض من مكانه يحضر بندقية )
_ إذا هي بندقيتي ...
_ نعم هي ... لديكم سلاح دقيق يا بني ، فأحسنوا استخدامه
ولأن لا شيء تم على أكمله كعمليته العسكرية ، كان مضطرا ليرحل مع الغروب ولا تتم ضيافة البدو ، إنه يعانق أبا نايف بحرارة لم يتوقعها بعد الرغبة في قتله ، سلم على أم نايف وقبل جبينها ،وعندما تراءت له في الخباء ، شعر برغبة في عناق أبي نايف مرة أخرى ، همس في أذنه : " أعتذر لك سيدي ، ولا تسألني عن ذنبي " ، قال له أبو نايف :" مادمت أعتذرت فأنت لم تخطئ " ....
أما فاطمة وقفت تراقبه وهو يهبط التلة ، إنها تفارق حلمها تسال في ذاتها هل يتذكرها ويعود ، إنه لايراها كي يجيبها ، لقد كان يهبط المنحدرات ، ويقفز من صخرة لأخرى ، لكن بعزيمة وحيوية فلديه رغبة ما غير الخوف ، هدفه المرة نحو الشرق إلى رام الله ، إنه اختلاف الوجهات وتوحد الهدف ... تناهى إلى سمعها صرخة من تحت التلة .. ( سأظفر بكلبي .. سأظفر برأسه ، أبا نايف ) .....








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. علي بن تميم: لجنة جائزة -البوكر- مستقلة...وللذكاء الاصطناعي


.. تسجيل سابق للأمير الشاعر بدر بن عبد المحسن يلقي فيه أبيات من




.. الفنانة غادة عبد الرازق العيدية وكحك العيد وحشونى وبحن لذكري


.. خلال مشهد من -نيللى وشريهان-.. ظهور خاص للفنانة هند صبرى واب




.. حزن على مواقع التواصل بعد رحيل الأمير الشاعر بدر بن عبدالمحس