الحوار المتمدن - موبايل


وقائع سورية مغيَّبة بمناسبة ذكرى أول أيار المخضبة بالدماء

عبد الله حنا

2013 / 4 / 24
ملف حول مشكلة البطالة في العالم العربي وسبل حلها، بمناسبة 1 ايار- ماي 2013 عيد العمال العالمي


تلقيت دعوة من موقع الحوار المتمدن للمشاركة ، بمناسبة الأول من أيار ، في ملف عن " مشكلة البطالة في العالم العربي وسبل حلها " . في الأوضاع الراهنة لا أرى أن مشكلة البطالة في العالم العربي وسبل حلها هي المشكلة الرئيسية التي تواجه العالم العربي في ذكرى اول ايار لعام 2013 . وعلى الرغم من أهمية مشكلة البطالة وتأثيراتها ، إلا أن ما يواجهه العالم العربي اليوم يتخطى مشكلة البطالة إلى قضايا جوهرية لا بدّ من معالجتها بمناسبة الاحتفال بذكرى اول ايار . فالربيع العربي وما أثاره من مشكلات وفي مقدمتها صعود الاسلام السياسي إلى واجهة الأحداث ، يتطلب الغوص في المشكلات الاقتصادية الاجتماعية ( ومنها البطالة ) وما يؤثر فيها من عوامل تراثية ، وما يحيط بها من عوامل خارجية في عصر الرأسمالية المعولمة .
ولهذا ، وانطلاقا من امكاناتي المتواضعة وانا أعيش بصورة مؤقتة خارج سورية ، منتظرا الفرج ، رأيت من الواجب ملامسة بعض القضايا المتعلقة بالطبقة العاملة وحركتها النقابية في سورية ، في الوقائع التالية :


1
الاحتفال بالأول من ايار في المشرق العربي
جرى الاحتفال بأول أيار في المشرق العربي ، حسب علمنا ، عام 1907 . فقد احتفلت سرا في بيروت ، في ذلك العام ، مجموعة من المثقفين والطلاب الذين درسوا في اوروبا وعادوا يحملون افكارا اشتراكية أو ليبرالية مناهضة للاستغلال .
أول احتفال علني واسع النطاق بأول أيار جرى أيضا في بيروت عام 1925 ، تحت اشراف حزب الشعب اللبناني الواجهة العلنية للحزب الشيوعي المؤسس عام 1924 . وبعد الاحتفال سار المئات من المحتفلين من عمال ومثقفين وطلاب في شوارع بيروت حاملين الأعلام الحمراء وهم يرددون مطالب عمالية تتعلق بزيادة الأجور وتحديد ساعات العمل وغيرهما .
هذا الاحتفال بأول أيار وما تلاه من احتفالات في السنوات اللاحقة في بيروت ودمشق كان ثمرة لظهور التجمعات العمالية ، وصدى لتبلور فكر عدد من المثقفين المتأثرين بأفكار الثورة الفرنسية والطامحين إلى اشتراكية غامضة الملامح ، وأخيرا نتيجة لنشاط الأممية الثالثة ( الكومنترن ) .
فالاحتفال باول ايار في المشرق العربي ليس وليد ظهور الطبقة العاملة ، بل هو سابق لها ومتزامن مع نشؤها ومرتبط ارتباطا وثيقا بالتطورات السياسية ومشاركة مثقفين حاملي راية الفكر الاشتراكي .

2
الطبقة العاملة بين منزلتين
علاقة الإحزاب ( ونقصد الحزب الشيوعي وحزب البعث ) بالنقابات العمالية والمهنية علاقة وشيجة . والأحزاب مع النقابات تشكل العمود الفقري للمجتمع المدني في البلدان التي سارت شوطا بعيدا في ميدان التقدم متجاوزة العصبيات الطائفية والمذهبية والعشائرية وهي من مخلفات ما قبل الرأسمالية . وبما ان المجتمعات العربية لم تنتقل نقلة جذرية من العلاقات الإقطاعية إلى العلاقات الرأسمالية فإنها عاشت ولا تزال في منزلة بين المنزلتين ، أي لا هي مجتمعات إقطاعية بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، وليست أيضا مجتمعات رأسمالية أنجزت الثورة الصناعية ودخلت ميدان الحداثة . ولهذا لم تستطع جذور الحياة الحزبية والحركة النقابية من التغلغل عميقا في تراب مجتمعات لم تقطع صلاتها بأفكار المجتمعات الإقطاعية ، وماقبلها ومنها إيديولوجية النخاسة . ويلاحظ أن الصعود النسبي للحركة النقابية في منتصف القرن العشرين المتزامن مع انتعاش الحياة الحزبية لم يعش طويلا .

3
مراحل الحركة النقابية السورية
أولاً- مرحلة النشوء والتكون في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين ، حيث تجاذبها تياران:
- تيار النقابية (الحرفية) المساير للسلطة والمهادن لأرباب العمل (تيار صبحي الخطيب).
- تيار النقابية الثورية الساعي لتفعيل الحركة النقابية ودفعها في طريق النضال المطلبي غير المهادن والعمل الوطني المتزن . وهنا برز النقابي الشيوعي إبراهيم بكري كممثلا لهذا التيار النقابي .
ثانياً- مرحلة الانطلاق وترسخ أقدام الحركة النقابية في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، المتزامنة مع نيل الاستقلال الوطني واضطرار الحكم (البرجوازي – الإقطاعي) ذي النزعة الليبرالية لتقديم عدد من التنازلات للعمال وإفساح المجال نسبياً للحرية النقابية .
وفيما يلي بعض المحطات المفصلية، التي عاشتها الحركة النقابية في معمعان نضالها المطلبي والسياسي :
- صدور قانون العمل السوري لعام 1946 وقيام إبراهيم بكري، بمساعدة الحزب الشيوعي، بتقويم هذا القانون والعمل لتحسينه وإرشاد العمال على طرق الاستفادة من مواده ذات النصوص المتعددة التفاسير . وقد أصدر بكري عام 1948 كراسة بعنوان: (حقوق العمال في قانون العمل السوري).
- تأسيس " مؤتمر العمال السوريين " عام 1950. وكان إبراهيم بكري مع خليل الحريري (أبو فهد) العمود الفقري لهذا التنظيم النقابي، الذي حاول تحرير الحركة النقابية من (التيار النقابي الحرفي) دون نجاح لأسباب كثيرة وفي مقدمتها طبيعة المجتمع السوري ، الذي عاش منزلة بين منزلتين ( إقطاعية ورأسمالية ) .
- كان لقيام جبهة وطنية مناهضة للأحلاف العسكرية وساعية للسير في سورية في طرق التنمية والاستقلال الاقتصادي (بمعونة الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية آنذاك)، دوراً بارزاً في تأهيل الحركة النقابية وتلاحمها .
وكانت الأجواء الديمقراطية في عهد المجلس النيابي 1954 – 1958 ملائمة لتطور مؤسسات المجتمع المدني من أحزاب ونقابات وتراجع الولاءات العشائرية والطائفية والعائلية، ويلاحظ في هذه الفترة تصاعد أفكار التنوير العربي والعقلانية وترسخ مفاهيم الحرية والنضال الوطني جنباً إلى جنب مع اشتداد ساعد النقابات واشتداد وتيرة كفاح العمال والفلاحين لنيل مطالبهم .
- هذه العملية النهضوية، الوطنية الثورية، الديمقراطية، وضعت المجتمع السوري على أبواب مرحلة جديدة متقدمة .
تبدَّى أحد معالم هذه الظواهر نقابياً، بنجاح القائمة النقابية المتحدة عام 1958 لتحالف الحزب الشيوعي والبعث والمستقلين على قائمة النقابية الحرفية بزعامة صحبي الخطيب، الذي ترأس الحركة النقابية عشرين عاماً .
ثالثاً- مرحلة خلخلة الحركة النقابية وتحجيمها وجعلها ذيلاً للسلطة. إن رياح مباحث (الدولة السلطانية) أجهضت في عامي 1959 و1960 عملية التطور، وتلقت مؤسسات المجتمع المدني وفي مقدمتها الأحزاب والنقابات ضربات قاتلة . وجاء قانون العمل الجديد الصادر عام 1959 في عهد الجمهورية العربية المتحدة ليقدم للعمال مكتسبات متعددة ويحرمهم في الوقت نفسه من الحرية النقابية .
رابعاً- المرحلة ، التي تلت انفصال سورية عن مصر ( 1961 – 1963 ) ، التي تميزت بنهوض العمال للدفاع عن المكتسبات الاجتماعية، التي حصلوا عليها أيام الجمهورية العربية المتحدة، في وقت منعوا فيه أيام الجمهورية العربية المتحدة من حرية الرأي والتنظيم بعيداً عن أعين المباحث السلطانية ، التي شددت النكير على أي نشاط .
وفي هذه المرحلة بدأت الحركة النقابية تستعيد أنفاسها في خضمّ معارك طبقية بين العمال والراسماليين وبين الفلاحين وملاك الأرض .
خامساً- مرحلة ما بعد 8 آذار 1963 ووصول البعث إلى الحكم . وقد اتصفت سنواتها الأولى بالحراك النقابي المستقل ، وتدريجيا أخذت المباحث السلطانية ( أجهزة أمن الدولة ) تهيمن على هذه الحركة محوّلة إياها إلى ذيل للسلطة ، وظيفتها التصفيق للحكام وتبرير ممارساتهم ونهبهم للقطاع العام . وفي الربع الأخير من القرن العشرين لم يبق من الحركة النقابية إلا إسمها . وكثيرا ما وُصف المسؤولون النقابيون " المدعومون " بأنهم تجّار دون أن ينتسبوا إلى غرفة التجارة . هذا المستوى المنحدر للحركة النقابية وتحوّل هياكلها إلى عظام هشة وجسم بلا روح ، كان ظاهرة من ظواهر الإنحدار العام الذي عزل المجتمع عن السياسة وجعل الأحزاب السياسية أثراً بعد عين . هذه الظاهرة جرت في ظل حكم عسكري مباحثي ، اتخذ من حزب البعث واجهة مدنية لتزين حكمه المتصف بسيطرة البورجوازية البيروقراطية والطفيلية على السلطة .
وفي ظل تلك الأجواء ، في الربع الأخير من القرن العشرين ، كانت تُصاغ خطب النقابيين مجردة من الروح لا تستطيع حراكا أمام خراب القطاع العام واستباحته من قبل الفئات البيروقراطية المهيمنة وغيرها من الطفيليات . كل ذلك كان يجري أمام أعين النقابيين الشرفاء ، الذين إما أغمضوا العين عمّا يجري من اعتداء على المال العام ، أو انزووا في بيوتهم ولا حول لهم ولا طول .
من هنا تبدو أهمية فهم مرحلة الثلث الأخير من القرن العشرين وقراءتها قراءة متأنية ، وأحياناً قراءة ما بين سطورها في أمور لم يستطع النقابيون وغيرهم من البوح بها في ظل الأوضاع الصعبة، التي عاشوها في مرحلة الهبوط العام للحركة الاجتماعية والشعبية ، وتراجع دور اليسار وهيمنة العناصر الانتهازية والمتملقة والمتزلفة ، التي سيطرت على المفاصل الأساسية في الحركة النقابية ووضعتها في خدمة البورجوازيتين البيروقراطية والطفيلية .
***
والملفت للنظر أن هذا التراجع جرى تحت شعار " النقابية السياسية " ، التي تتحدث في السياسة كما يشاء " أولي الأمر " , وتصمت عن مطالب العمال ونهب القطاع العام من الفئات البيروقراطية والطفيلية . ولا عجب في ذلك فقسم من القادة النقابيين , الذين عيّنَت بعضهم " الأجهزة " أصبحوا جزءا من البيروقراطية , التي اغتنت ولم يعد لهم صلة بالفئات العاملة وتغيرت مفاههيمهم وعاداتهم وتبدلت أخلاقهم وسلوكياتهم واصبحوا عمليا جزءاً من الطبقة الحاكمة المستغِلة باسم " الاشتراكية ".
***
عندما نشرت عام 1973 كتاب " الحركة العمالية في سورية ولبنان " صدّرت الكتاب بالإهداء المعبّر التالي :
" إلى الذين لم تُفسَد نفوسهم ولم يتخلوا عن الطبقة المقهورة التي انحدروا منها أو تكلموا باسمها "
في ذلك الحين تحدّث معي نقابيان قائلان : " إنك لم تهدِ الكتاب لأحد ، لأن جميع النقابيين أُفسدوا " . وأرى أن ثمة مبالغة في كلام النقابيَين . ففي ذلك الحين من عام 1973 كانت جماهير نقابية لا تزال ترنّ في آذانها إيقاعات النضالات السابقة ، وكانت لا تزال مخلصة لطبقتها التي انحدرت منها ، ولمّا يطرق الفساد أبوابها .
النقابي المخضرم إبراهيم بكري، الذي سلخ القسم الأكبر من حياته في العمل النقابي، وعاش مراحل صعود الحركة النقابية وهبوطها، أصدر في السنوات الأولى من القرن العشرين كتابين :
- أوراق حزبية ونقابية 2004.
- آراء ومواقف سياسية وطبقية 2005.
وقد أولى إبراهيم بكري في كلا الكتابين اهتماماً أساسياً لنشر أوراقه النقابية وآرائه السياسية بعد عام 1970.
واللافت للانتباه أن بكري لم يتطرق إلى الحركة النقابية في أيام شموخها في خمسينيات القرن العشرين، وهو أحد أركان تلك الحركة الصاعدة ، وعلم من أعلام الحركة النقابية ، قبل أن تهبّ عليها رياح التسلط والاحتواء، وتهزّها هزاً مميتاً .
عاصر إبراهيم بكري معظم مراحل الحركة النقابية، فتأثر بها وأثّر فيها بفضل انتمائه إلى الحزب الشيوعي . وهو كغيره انحنى أمام عواصف الحكم البورجوازي البيروقراطي الطفيلي ، الذي فرّغ الحركة النقابية من تراثها الثوري وحوّلها إلى أداة طيعة في خدمته .
وهذا التقيم ينطبق أيضا على النقابيين البعثيين وغيرهم ممن لمع اسمهم في الربع الثالث من القرن العشرين .

4
الأجواء الاقتصادية – الاجتماعية
المؤثِرة في تخلخل الطبقة العاملة وتراجع تكونها
في خمسينيات القرن العشرين اخذت تظهر معالم تكوّن الطبقة العاملة السورية ، وازدادت هذه المعالم وضوحا في ستينيات ذلك القرن ، ولكن هذه المعالم اخذت في الاختفاء نتيجة مجموعة عوامل نشير إلى اهمها :
1 ـ استمرار بقايا العلاقات الإقطاعية ورسوخ أقدام بعض ظواهر ما قبل العهد الرأسمالي وما قبل الدولة الحديثة : كالقبلية والعشائرية والعائلية والطائفية والمذهبية وغيرها .
2 ـ وجود الأنماط الحرفية والفكر ’’ الد كنجي ,, . المولّد لفكر ووعي اجتماعيين منغلقين على ذاتهما ...
3 ـ ضمور معالم البرجوازية الوطنية المنتجة صناعيا , أو المرتبطة بالإنتاج المحلي . وهذا مما أسهم في تراجع العقلانية وأفكار الحداثة والعلمانية والوعي الوطني , الذي طمحت إليه هذه الطبقة في سعيها إلى السوق الوطني الموحد ، قبل ضعفها نتيجة التأميم وعوامل أخرى .
4 ـ تراجع عملية تكون طبقة عاملة برزت بعض سماتها في منتصف القرن العشرين , ثمّ ما لبثت أن تراجعت أو اختفت ظواهر التكوّن هذه , تحت وطأت عوامل كثيرة . وهذه الظاهرات اثرت على سلبا على الحزب الشيوعي وغيره من الأحزاب اليسارية ، التي ادّعت تمثيل الطبقة العاملة .
5 ـ تراجع حجم الفئات الوسطى ومكانتها وتقلص دوائرها الاجتماعية مما أدى إلى أمرين :
* تسلّق أعداد قليلة نحو الأعلى لتحتل مركزا في حلقة العلاقات الطفيلية والبيروقراطية , التي تشدد الخناق على الطابع العصري الحديث للدولة وتدفع بالأمور باتجاه تحويل الدولة من دولة احترام القانون وتطبيقه على الجميع دون " استثناءات " إلى " دولة تسلطية " تستأثر الفئات الحاكمة فيها بالنصيب الأكبر من الثروة المجموعة من المواطنين , أو الآتية من العوائد النفطية. وويل لمن يحتج أو يرفع الصوت مناديا بالعدالة الاجتماعية وتوزيع فوائض الإنتاج على الجميع !!!.
* هبوط القسم الأكبر من الفئات الوسطى نحو الأدنى . ولكن الفئات الوسطى في هبوطها لم تتحول في أكثريتها إلى قوى منتجة (عمالية , فلاحية , حرفية , مثقفة مبدعة فكرا ) بل غرِقت وتغرق في الأعمال غير المنتجة , ويتحول قسم منها إلى فئات رثة أو مهّمشة . ولهذه الظاهرة آثار خطيرة في مختلف مناحي الحياة . وهذه الظاهرة ، ظاهرة تراجع الطبقة الوسطى ، هي أحد أسرار تراجع الثقافة وسطحيتها نتيجة ما أصاب الفئات الوسيطة مبدعة الحضارة من وهن وإذلال وقهر كانت الدولة الأمنية وأجهزة مباحثها مسؤولة عن ذلك الإذلال والفقر .
ولا بدّ من الإشارة هنا إلى دور الاقتصاد الريعي في تراجع تكوّن الطبقة العاملة ودورها في الحياة السياسية في وقت تجلّت فيه ظاهرتين هما : ترسّخ أقدام الدولة المنية وصعود الاسلام السياسي
إن ظاهرتي : صعود تيارات الاسلام السياسي وتحكم الدولة الأمنية بمصائر البلاد والعباد يعود في حيّز كبير منه إلى هيمنة الاقتصاد الريعي على معظم الأقطار العربية .

5
الإقتصاد الريعي أصل البلاء
في الربع الأخير من القرن العشرين أخذت كفّة الدولة الريعية تبسط سلطانها على الدولة ما قبل الاقتصاد الريعي في كل من بلاد الشام والعراق ومصر وتحل مكانها . ومع ازدياد قوة شكيمة الدولة بفضل الريع النفطي المتركّز في يد الدولة , أخذت مؤسسات المجتمع المدني بالتراجع مع الهجوم الكاسح لقوى الدولة ذات السمات الريعية المحجِّمة لمؤسسات المجتمع المدني بقصد وضعها تحت مظلة " الدولة الأمنية " , التي أخذت سماتها تنتصر على سمات الدولة ذات الطبيعة الحداثية للبورجوازية الوطنية المنتجة . وبكلمة أوضح أدى ازدهار الدولة الريعية النفطية إلى ترسّخ أقدام الدولة الشمولية ، الدولة الاستبدادية .
وفي الضفة المقابلة لم يؤدّ الريع النفطي إلى ازدياد شكيمة الدولة التسلطية فحسب, بل قاد أيضا إلى ترسيخ دعائم التيارات الدينية المتزمتة والمتحجرة والمنغلقة على نفسها بفضل ما وصل إلى صناديقها من " أموال نفطية " " بترودولارية " َبَنتْ بفضلها مؤسسات متنوعة الأشكال والألوان , مما جعلها " دولة داخل الدولة " . وجاء التقدم التقاني وظهور المحطات الفضائية واستخدام تلك التيارات لها, ِليُحجّم من دور التفكير العقلاني ويضعف التيارات الدينية المستنيرة , التي لا تملك " البترودولار " المستحوذ على أفئدة ضعاف النفوس وما اكثرهم .
كما أن بعض " الدول الريعية " العربية ومعها إيران رسّخت استبدادها , بفضل ما يصب في خزائنها من عائدات النفط , وقد ساعد المال النفط-ي كلا من الاسلام السياسي السني والشيعي في الانتشار وما يتبعه من اتجاهات متزمتة ومتحجرة حصرت تيارات التنوير الاسلامي في دوائر ضيّقة .
استفادت تيارات الإسلام السياسي استفادة مذهلة من الاقتصاد الريعي القائم على انفاق جزء من العائدات النفطية الخليجية أو الإيرانية على هذه التيارات ودُعاتها ومؤسساتها . ويمكن القول : إن الريع النفطي , بل قل " البترو دولار " اسهم اسهاما قويا في تمكّن هذه التيارات من كسب جزء كبير من قلوب الجماهير المؤمنة بفضل ما توفره أموال النفط من إمكانات مادية وبشرية لنشر أفكار هذه التيارات وفتاواها .
ومن جهة أخرى فإن غلبة الاقتصاد الريعي في معظم المجتمعات العربية ( مضافا إليها المجتمع الإيراني ) رسّخ دعائم الدول التسلطية في العالم العربي وإيران , وفقدت هذه الدول ما كانت تكتنزه من سمات الدولة الليبرالية الحداثية ..
فالبورجوزية المحلية المنتجة والفئات الوسطى المتنورة كانت الحامل الاجتماعي للدولة الليبرالية, التي ترعرعت بين ظهرانيها مؤسسات المجتمع المدني وما رافقها من قوانين وضعية ومنهج عقلاني واجواء علمانية منفتحة . ومع سيادة " البورجوازيات " البيروقراطية والطفيلية وتقلّصْ دور الفئات الوسطى تلاشت طبيعة الدولة الليبرالية بفضل هذه الظاهرة من جهة ، وتحت وطاة الأحداث الداخلية والخارجية والموروث التاريخي من جهة أخرى . وهذا الأمر يفسر ايضا تسارع قوة التيارات السلفية المعادية لما بنته النهضة العربية ( وكذلك النهضة الإيرانية ) من مواقع وطنية وتنويرية . وللاقتصاد الريعي دور هام في تراجع تكوّن الطبقة العاملة وانمحاء حدودها . ويملك كاتب هذه الاسطر في ارشيفه بدمشق دراسات ميدانية تدلّ بوضوح على التأثير السلبي للريع النفطي على المسار الثوري للحركة العمالية .

6
قطاع الدولة يرسّخ دعائم الدولة الأمنية
" القطاع العام " أو بالأصح " قطاع الدولة " قام في كل من مصر وسورية والعراق على ركيزتين " : تأميم الرأسمال " الكبير " وإدارة الدولة لمؤسساته من جهة , وقيام الدولة بتشييد مشاريع صناعية وخدماتية بفضل أموال النفط من جهة ثانية . وقد ساعد هذا القطاع الفئات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة على تحسين أوضاعها , إلا أنه من جهة أخرى أمسى بقرة حلوب للفئات الحاكمة , التي اغتنت بفضله وبفضل " الدولار النفطي " المتدفق على هذه الدول اعتبارا من سبعينيات القرن العشرين . وقد أدت هذه الظاهرة إلى احتلال هذه الفئات البيروقراطية والطفيلية مراكز الصدارة في المجتمع وتمكنت من الهيمنة على الفئات العمالية وتسييرها وفق مصالحها مقدمة لها ما تيسّر من فتات " المائدة النفطية " .
وجرى الأمر نفسه بالنسبة لأكثرية المثقفين , الذين تحوّلوا إلى مثقفي السلطان ( أو فقهاء السلطان ) يتغنون بفضائله . أما ما تبقى من المثقفين فكان مصيره كما كتب عام 1909في جريدة المقتبس النهضوي الدمشقي صلاح الدين القاسمي : " لم يبق أمام العلماء إلا الصمت أو مغادرة البلاد " ... وهكذا خسر اليسار القاعدة الشعبية التي كان يستند إليها مما دفع بعض قيادات تلك الحركة إلى السير في ركاب من بيدهم الجاه والسلطان والمال . ومَنْ احتجّ ورفع الصوت عاليا فكان مصيره معروفا وزبانية الدولة الأمنية يستضيفونه في فنادقهم المجهزة بكل وسائل " الإقناع " .
وهكذا تدفقت الثروات إلى جيوب البيروقراطية الحاكمة وحليفتها البورجوازية الطفيلية وأصبحت أرصدة هذه الفئات في البنوك وما امتلكته من عقارات مبالغ أسطورية حسب ما تتناقله ألسن الناس في هذه البلدان . ومن هنا نفهم سهولة تحول سورية والعراق ومصر إلى دول تسلطية في وقت فقدت فيه هذه الدول ما كانت تكتنزه من سمات الدولة الليبرالية الحداثية .. ومعروف أن البورجوزية المحلية المنتجة والفئات الوسطى المتنورة كانت الحامل الاجتماعي للدولة الليبرالية ، التي ترعرعت بين ظهرانيها مؤسسات المجتمع المدني وما رافقها من قوانين وضعية وأجواء علمانية منفتحة . ومع سيادة " البورجوازيات " البيروقراطية والطفيلية وتقلّصْ دور الفئات الوسطى تلاشت طبيعة الدولة الليبرالية بفضل هذه الظاهرة من جهة , وتحت وطأة الأحداث الداخلية والخارجية من جهة أخرى .
وبكلمة مختصرة أسهم " القطاع العام " , قطاع الدولة , بدور كبير في ترسيخ دعائم الدولة الأمنية وفي سحب البساط من تحت أقدام اليسار , الذي أُلقيت على كواهله مسؤولية فشل القطاع العام .




7
التحركات الشعبيةالسورية
بين
مطرقة " الدولة الأمنية التسلطية " وسندان الإسلام السياسي
التمعن في هذه الوقائع المختصرة المكتوبة مع مجئ أول ايار المثخن بالجراح ، تلقي الأضواء على ما يجري في سورية منذ عامين ونيّف .
لم تكن التحركات الشعبية المنطلقة من درعا في ربيع 2011 بنت يومها ، بل هي حصيلة جملة عوامل داخلية وصدى للتحركات ضد انظمة الطغيان في عدد من الأقطار العربية . ما نريد التأكيد عليه هنا هو ان التحركات الشعبية السورية المنادية بالحرية والكرامة كانت لها خلفيات اقتصاية اجتماعية موجهة ضد ممارسات البورجوازية البيروقراطية ودولتها الأمنية . وعلى الرغم من أنّ هذه الخلفيات كانت حديث الناس ، إلا انها غُيّبت بعد اندلاع التحركات لأسباب لا مجال لذكرها هنا .
ومع إمعان النظام السوري في قمع المظاهرات السلمية بالرصاص الحي ، خفتت أصوات المطالبين بالحرية والكرامة ، وتقلصت أعداد المنادين بأن الشعب السوري واحد ، وأخذت تجتاح البلاد عاصفتان صحراويتان :
- عاصفة المتزمتين الإسلاميين , التي تنهل من التراث المملوكي العثماني وتكفيريات ابن تيمية , مسعِّرة للأحقاد وضاربة عرض الحائط بالتراث العربي الإسلامي المجيد في أيام عزه ، والذي ضمّ بين جناحيه سائر مكوّنات المجتمعات العربية الإسلامية وأنتج حضارة إسلامية مزدهرة ومنفتحة على العالم بين القرنين الثامن والثالث عشر الميلاديين .
- عاصفة الحشد الطائفي ( العلوي ) الذي سعّرته بعض قوى السلطة لحماية ثرواتها وما سرقته من أموال الشعب . وهذه القوى الرأسمالية البيروقراطية والطفيلية تُخِيف الطائفة العلوية زاعمة أن " وجودها " مهدد بالخطر إذا لم تمتشق السلاح وتسير وراء الحكام . كما تعزف قوى الحكم على أوتار إخافة الأقليات الدينية والمذهبية ( مسيحيون ودروز واسماعيليون ) ودفعها لمساندة النظام خوفا من قدوم " عثمانية " جديدة تعيدها إلى عهد السلطان المستبد عبد الحميد وأجداده .
هاتان العاصفتان الصحراويتان المشبعتان برمال النفط ( الخليجي والإيراني ) حوّلتا سورية قاعا صفصفا ، وهزّتا المجتمع هزّا عنيفا يهدد بتصدعه وانهياره .
لقد تشابكت في التحركات الشعبية ، الموجهه في العمق ضد الرأسماليات الطفيلية وصلفها ، الدوافع الطبقية والطائفية ، وتداخلت بصورة طغى الدافع الديني المذهبي على الدافع الطبقي ومن ضمنه الحياة المعيشية للمواطن الفقير والمقهور .
ونتيجة لهمجية النظام واسترساله في القتل والإرهاب من جهة ، وسيطرة " الدعاة الإسلاميين" وفضائياتهم وأفكارهم المتزمتة المنغلقة والمتحجرة من جهة أخرى ، غُيّبت الممارسات الاستغلالية والاستثمارية للفئات الحاكمة ، واقتصر حديث الدعاة على تأجيج المشاعر الطائفية وتسعير الحقد المذهبي وكره الآخر وتكفيره والاستعلاء عليه .
وفي تلك الأجواء اتجه التحرك الشعبي السلمي ، بسبب استخدام المباحث السلطانية للرصاص الحي في تفريق المتظاهرين ، باتجاه العسكرة ، وتحويل سورية إلى ساحة حرب اقليمية ، ومركز تجاذبات دولية تتداخل فيها دوافع متعددة يتصدرها الإرث الاستعماري للدول الرأسمالية المهيمنة على العالم .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - شكر وتقدير
علي فهد ياسين ( 2013 / 4 / 27 - 18:33 )
الشكر والتقدير للاخ الكاتب على جهده المفيد في تقديم هذا المقال الرائع

اخر الافلام

.. ثين روزنباوم: الرئيس بايدن يدعم الأكراد والرئيس ترامب لم يكن


.. تعرف على تركيبة الحكومة الإسرائيلية الجديدة التي أسقطت نتنيا


.. شاهد: ملهى ليلي في لايبزيغ بألمانيا يفتح أبوابه لبضعة أيام ف




.. شاهد: بايدن وزوجته في ضيافة الملكة إليزابيث بقلعة وندسور…


.. ستيفن هيكي: انا متفاءل أنه قريبا سيكون هناك اتفاق جديد بين ا