الحوار المتمدن - موبايل


زهرةٌ لا تألفها الزنابير

فريد الحبوب

2013 / 4 / 30
الادب والفن





قصة قصيرة ... زهرةٌ لا تألفها الزنابير
في الطريق المؤدي إلى منزله ، لاحضت عودته مسرعاً في سيره سرعة غير طبيعية ، قلت عندها أن في الأمر شيئاً ما .
قرر إن يتركها وينعزل ، وانحنى بعدم مبالاة لكل هباتها وجمالها ، غض الطرف وهو ينفخ الدخان بوجهها من سيكَاره الضخم ، متقززاً من كل شيء ، صار غريباً ولا يطيق سكوته وقراءة الجرائد ولون النهار وطريقة الناس في العيش ودائرة الائتمان التي يعمل بها ، والغيض الذي يراه في محيا الفقراء، وزحمة الأسواق، وصور الرموز، وخير الناس وشرهم، بدى كما لو أنه ينظر لكوم قمامة ، فما عساه يفعل وهو يرزح تحت يأس شديد وحانق من غربته التي تفجرت بشكلاً مفاجئ تركته يذبل في تخومات تعاسته، أضطجع على جنبه، ثم انقلب على وجه وغطى نفسه بالشرشف ونام وأغمض عينيه حزيناً بعد عناء طويل ، نام ، وصار يستيقظ في نهايات النهار . لم يعد النهار نهاراً له ، ولم يعد البشر بشراً بالنسبة له، كأن حريقاً شب بأمنياته وقلبه وأحلامه وأنسانيته، وبعد إن شرب كل الكؤوس والحانات والأرصفة والدروب المهجورة ،وبعد إن تنزه مع الف مومس حتى نفذت خزينته الماليه التي جمعها عبر عشرون عام ، لم يعد ينتظر عودة الأمل ، بل قرر تغير شكل أمله ومناه ،وفي أخر طلعة له في النهار، لبس أفضل مالديه وشبك ربطت عنقه بدقة ، ورغم غزارة المطر ظل يمشي حتى وصل أخيراً إلى مشتل صغير يبيع النباتات وأشجار الزينة ومختلف أشكال الأزهار، شعر بالراحه وهو يهمس لنبتة الزهرة التي أشتراها بآخر ما يحمله في جيبه، حملها إلى حديقته ، غرسها بشغف ، وراح يأتمنها على كل ما تبقى لديه في هذه الحياة. نعم صار يأكل جنبها، ويقراء ويكتب وينام ، تسليه وتواسي أحزانه ، صارت النبتة وجه حياة ، ووجه امرأة ، وأمان قلبه وحانته الصغيرة التي يتحدث فيها للجالسين وسطها ، صارت محبة وود الجوار القديمة ، والصباح المبتسم وأعياد الناس ، أنها بداية لأستعادة الثقة بينه وبين أي مخلوق ، وبينه وبين السماء.
كان يبكي ويضحك جنبها ، فعلى سبيل المثال حين تتساقط قطرات الماء من على وريقتها يتهيأ له كما لو أن هناك بشراً قد سقطوا قتلى ، وحين تُميلها رياحٌ شديدةً يتذكر الشقاء الذي يعانيه المحرومون ، كما إن زهرة مغلقةٍ على نفسها ما زالت في طور التفتح تخرج في أغصانها الصغيرة توحي له بعودة النبل والسمو وحلاوة الحياة ، ويتبدد له خوف كبير لو إن النبتة اثناء السقي تغني آلامه الماضية ولا تكف عن الوقوف على باب حزن الابرياء ولوعتهم وتشكي سلسلة عذابهم في هذه الحياة التي خربها ساح وحام ويافث، وذات مساء ، وبعد إن شرب كأساً من الويسكي أعتقد أنه يحتضر وهو يطالع الزهرة ذابلة، منكسرة البهاء والحياة ،أخذ يلف الغصن المنحني بالمنديل يسقيها بالماء بروية وهدوء، ويقبل أوراقها، ويدفع ببعض التراب من أجل أسناد عودها الذي وهن بشكلٍ كبير ، وحين نفذت ضماداته التي لم تجدي نفعاً ، وتراخى المنديل أطلق صرخة حزن وبكى بكاءاً مراً وهو يشاهد عش زنابير يتفجر من تحت ساق الزهرة . أقتلع النبتة وأسقطها وهو يطارد يراعه تأبى إن تنطفىء.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تفاعلكم: مروة كرم تتألق في رمضان وأفلام العيد في مأزق!


.. تفاعلكم | الكوميديا تسيطر على أفلام العيد في مصر


.. الفنانة أروى في حلقة رائعة جداً مع أمل طالب في التحدي مع أمل




.. يوميات رمضان من غزة مع الشاعر الفلسطيني سليم النفار


.. فنان يكشف لـ «دراما كوين» مساندة كريم عبد العزيز له في الاخت