الحوار المتمدن - موبايل


في يوم العمال...هرطقات بين الإستلاب و الإبداع

مضر رياض الدبس

2013 / 5 / 1
ملف حول مشكلة البطالة في العالم العربي وسبل حلها، بمناسبة 1 ايار- ماي 2013 عيد العمال العالمي


في يوم العمال...هرطقات بين الإستلاب و الإبداع
في الفترة بين 1994- 1998 تضاعفت ثروة 200 شخص أو مؤسسة يمثلون أغنى الأغنياء في العالم ، أصبحت الأصول و الثروات التي يملكها أغنى ثلاثة من أصحاب المليارات في العالم تعادل إجمالي الدخل القومي المحلي لجميع البلدان الأقل نمواً في العالم التي تضم نحو ستمائة مليون نسمة، و المصدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 1999. تلك نتيجة الدوغما - العقيدة - الإقتصادية العالمية، و لو أتيح للجميع العلم و المعرفة بأحوال القرن ، فربما نكون ، كحد أدنى ، أمام ربع مليار هرطوقيّ بهكذا دوغما ، نقول "لو أتيح" لأن نفس المصدر يفيدنا في تقرير للتنمية الإنسانية العربية للعام 2002 بأن نسبة الأمية عام 1995 في كل العالم حول 22%، و في العالم النامي هي 30% و في البلدان العربية حول 45%. أرقام تشرح مأساة، يتجاهلها من يعرفها، فيما من يجب أن يعرفها لا يجيد القراءة.
نسوق هذه المقدمة ربما فيض تبريرٍ و تَفَهُم: تبريرٌ للهرطقة أمام الرأسمالية، و تفهمٌ لدوافع من آمن بالرأسمالية كمعطى أرثودوكسي راسخ، فخرج جازماً بنهاية التاريخ.
هو السؤال: في أننا مازلنا نعيش في مجتمعات تمارس الإقتصاد أو نحن صرنا نعيش في اقتصاديات ابتلعت المجتمعات؟ هل الإقتصاديات، حقاً، قضت على المجتمع المعروف لدينا أم أن هذا فيه من المبالغة ما يدعونا لمراجعته؟ لاشك أننا لا نبالغ إذا قلنا أن الأغلبية الساحقة من المجتمعات البشرية، كما يدعوها أورليخ بِك، هي "مجتمعات مخاطر" و تشكل "مجتمع المخاطرة العالمي"، و لا تقتصر المخاطر على البيئية أو الصحية منها _سواء الطبيعية منها كالزلازل و الفيضانات أو التي اصطنعها النظام العالمي الجديد مثل الإحتباس الحراري أو استعمال المبيدات الحشرية و المواد الكيميائية في الإنتاج الزراعي و الهرمونات و المضادات الحيوية في تربية الحيوانات_ بل تشمل أيضاً سلسلة المتغيرات الوثيقة الصلة بحياتنا الإجتماعية المعاصرة، من أهمها ربما التقلب في العمالة و الإستخدام، و تزايد الإحساس بانعدام الأمن الوظيفي، و كذلك غزو المكننة المتزايد أو "الأتمتة" (Automation)، إن كل هذا يؤدي إلى تغيير في أشكال التضامن أو الروابط بين الافراد: ففي المجتمعات التقليدية التي يمارس كل الأفراد فيها مهناً متشابهة فإن المجتمع ينزع للتضامن العقائدي حيث تكون عقيدة واحدة تربط بين أبناءه فيما عند تقسيم العمل يكون نوع الإرتباط هو الحاجة الإقتصادية للآخر و بالتالي ،كما يرى إميل دركهايم، تبدأ المعايير بالتفكك و تبدأ حالة من الضياع، و هي الإحساس بانعدام الهدف و اليأس و حالة من القنوط ناجمة عن الحياة الإجتماعية الحديثة. نقرأ بهذا انتقال من حياة في مجتمعات إلى حياة ضمن اقتصاديات، مما يدفع الكثير للإحساس بعدم وجود دلالة للحياة. يذكرنا هذا بمقاربة كارل ماركس حول الإستلاب أو الإغتراب (Alienation) حيث أن تقسيم العمل بالإضافة لعدم امتلاك وسائل الإنتاج يجعل العامل يفقد السيطرة على نشاطه و قدرته على التحكم بعمله و يفقد تدريجياً قدرته الإبداعية أمام الروتين و الرتابة فيصبح العمل مجرد وسيلة للكسب و تنعدم دلالته الأخرى.
في أواسط القرن التاسع عشر اخترع الأمريكي كريستوفر سبنسر مخرطة آلية تقوم بإنتاج البراغي و المسامير اللولبية وفق برنامج مسبق، و سمّاها "أوتومات" و مهد هذا الإبتكار لدخول قوي للتقانة في حياتنا انتهت باختراع الروبوت، و انقسمت الأراء بين من قال أن هذة الأتمتة تمثل اتجاه معاكساً للإستلاب و بين من تبنى وجهة نظر تقول أنها تقتل الإبداع و تعزز الإستلاب حيث يتحول العمال إلى مجرد آلات يعملون بدون تفكير أو إبداع. أمام هذه الصورة، هل نحن حقاً أمام عامل، ذو ياقة زرقاء، يعيش في اقتصاديات لا مجتمعات و يعاني الإستلاب و يُقتَل فيه الإبداع؟ حتى أصحاب الياقات البيض و من يمارسون اقتصاد المعرفة أليسوا، بنفس المعنى السابق، يعانون الإستلاب؟ لا نبالغ إذا قلنا أننا نشهد فهماً معاصراً للعبودية خصوصاً إذا أمعنَّا في فهم سيكولوجيا العامل في مجتمع المخاطر المؤتمت الفاقد للتضامن العقائدي و المتضامن اقتصادياً بشكل يقسَّم فيه العمل تقسيماً تايلرياً صارماً بهدف زيادة الإنتاج لا أكثر، تقوم هذه التايلرية على فكرة آدم سميث التي استهل بها كتابه ثروة الأمم (1776) بوصف لتقسيم العمل في مصنع لدبابيس الزينة حيث لاحظ أن عامل بمفرده يصنع ما يصل لعشرين(20) دبوس في اليوم، فيما لو قسم إنتاج الدبوس الواحد على فريق مكون من عشرة عمال، بحيث ينتج كلاً منهم جزء من الدبوس، فإن بوسعهم أن ينتجوا ثمانية و أربعين ألف(48000) دبوس في اليوم. أي معدل إنتاج العامل ارتفع من 20 دبوس إلى 4800 دبوس في اليوم، أي أنه تضاعف 240 مرة قياساً لما كان يعمله بمفرده. و بعد حوال القرن على هذا طرح تايلر فكرة "الإدارة العلمية" من خلال دراسة العملية الصناعية و تجزئتها إلى عمليات تشغيل بسيطة و توقيتها و تنظيمها على نحو دقيق و صارم، ثم ربط هنري فورد، في مصنعه للسيارات في ميشيغان عام 1908، بين الإنتاج بالجملة و تنمية الأسواق بالجملة فكانت الفوردية امتداد للتايلرية. كان لكلتا النظريتين عيوبهما الإنتاجية في التصلب و بالتالي عدم القدرة على تلبية متطلبات السوق، و الأهم من هذا النقد هو المتصل به حول أن هذه النظريات لم تعطي العامل اي هامش للثقة و كذلك لم تتسم بالمرونة في السياسات العاطفية اتجاه العمال. هذا أدى لظهور اتجاهات ما بعد فوردية أكثر مرونة و أقل مركزية و أقل تخصصاً بهدف و بنيّة زيادة الربحية لا تحسين أوضاع العمال. وما يزال العامل هو الخاسر الوحيد في معادلة هو أساس الربح فيها. ما يزال العامل المساهم الأساسي في هذا الإقتصاد الحر فيما زيادة حرية الإقتصاد تزيد من استلابه أو ارتهانه للآخر. و على الأغلب ما يكون هذا الآخر هو الغرب الذي أصبح العقل سجيناً له و لمحاكماته فأصبح العربي، مثلاً، يستطيع أن يطوِّر مفهوم ماكدونالديّة الفطور أو كنتاكيّة الغداء. ليس في هذا دعوة للإنطواء على الذات أو الرجوع للماضي و الإنغلاق فيه ، بل الدعوة للتفكر في جوانب الجشع خلف الرأسمالية العالمية و دعوة لتقديم الإنسان على الإنتاج فلا يتقدم القلة على حساب سلب حياة الأكثرية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نائب وزير الدفاع السعودي يزور العراق وسط مساع لتحسين العلاقا


.. أفغانستان.. طالبان تسيطر على منطقة قريبة من العاصمة كابول


.. وفد سعودي يزور دمشق..هل غيرت السعودية سياستها الخارجية؟




.. لحظة إطلاق صواريخ من غزة إلى إسرائيل فجر الأربعاء


.. في عملية نوعية للقسام.. مقتل جندي إسرائيلي وإصابة 3 آخرين بع