الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ما زلنا نواجه ماري أنطوانيت الطيبة

كريم كطافة

2005 / 4 / 28
الادب والفن


هذه السيدة لمن لا يعرف قصتها ولماذا تحولت إلى تورية استخدمها وما زال الأدباء والصحفيون حد الملل، هي زوجة لملك أو أمبراطور أوروبي رأت ذات صباح جموع الجياع تحت نافذة قصرها تصرخ نريد خبزاً. لعل المشهد آلمها، مما جعلها توبخ خدمها:
ـ طيب، إذا لم يكن هناك خبزاً.. لماذا لا تعطوهم بسكويتاً.. ما المشكلة..!!؟
هذه الـ(ماري) ذكرتني بها الآن؛ الطريقة التي جرى التعامل بها مع محنة الإبداع المهمش في العراق. واضح أن الصورتين إياهما اللتين عرضتهما صحيفة (إيلاف)، للشاعر العراقي (عقيل علي) في محنته، قد استفزتا الكثيرين من مثقفين وغير مثقفين. منهم من كتب عن الشاعر مستذكراً إبداعه وأهميته للمشهد الثقافي العراقي، وآخرون بدأوا يفكرون بحلول للمعضلة. منهم من ذهب به الاستفزاز إلى حدوده القصوى، راح يشكك بدوافع الصحفي والصحيفة، التي نكأت الجرح ويطالب بتقديم دعوى قضائية أمام المحاكم العراقية، والدعوة بتقديره مضمونة النتائج، ما أن يمسكها محامي شاطر حتى يحصل على تعويض من الصحيفة للضحية (عقيل علي). والصحيفة نفسها (إيلاف) وعلى أثر الضجة والاستفزاز الذي تسببت به للعراقيين المتابعين لقوس قزح هموم بلدهم وهي مشكورة بالطبع (على الأقل من جانبي)، اقترحت إنشاء صندوق برقم حساب معروف يتبرع له أصحاب الخير، ويكون الوارد للمبدعين العراقيين المهمشين تحديداً..!! أسمته (صندوق دعم المبدعين المهمشين). إلى هذا الحد، تبدو مشكلة الإبداع المهمش في طريقها للحلحلة، حالها حال ما تحلحل ويتحلحل وطنياً على الساحة. أكثر من هذا سمعت وقرأت عن عراقيين طيبين مثقفين وغير مثقفين من أصحاب الخير، اقترحوا شيئاً مشابهاً لصندوق (دعم المبدعين المهمشين) الإيلافي، كذلك فيه رقم حساب ولجنة وما إلى ذلك. الجهة الوحيدة التي لم تبد حماساٌ بعد للحلحلة، هي الوزارة الخاصة بالثقافة والمثقفين.. لعل السبب بتقديري هو انتهاء صلاحيتها، اليوم أو غداً سيستبدل وزيرها (الشيوعي العلماني) بوزير آخر قد يأتي من القوائم الفائزة أو من القوائم غير الفائزة والزعلانة.. وهذا الوزير قد يكون مثقفاً متعلمناً برؤية شمولية للإبداع كمنجز إنساني، وعندها سيكمل ما بدأه سلفه.. أو يكون مثقفاً متفقهاًً فقهاً شاملا لا يرى في عموم الإبداع الفني والأدبي سوى قول الحكمة والموعظة الحسنة، وعندها سيحول الوزارة بقضها وقضيضها إلى مسجد كبير.. الله أعلم.. الوزارة هي في كل الأحوال والظروف وزارة غير سيادية.
شخصياً سأمشي مع الاقتراحات إلى حدودها القصوى، لنرى معاً مدى جدواها. رغم أن أحداً لم يستشر بعد المبدعين أصحاب القضية في هذه الحلول، وعلى رأسهم بالطبع (عقيل علي) ذاته..!! الأمر ما زال يشبه أن يقترح الطبيب دواءاً للمريض ولا يهمه إن قبله المريض أم لا، على قاعدة تقول: أن المريض مريض والطبيب طبيب.
باعتقادي البسيط النابع من معرفتي ببعض المبدعين الحقيقيين والمهمشين كالعادة. ومرة أخرى اعتذر للاستخدام غير السوي لأن المبدعين لا يكونوا إلا حقيقيين.. لكن ماذا نفعل والأدعياء كثر.. أعتقد أنهم على استعداد لمواجهة الموت كذا مرة على قبول الصدقة. وهذا هو بالضبط الفرق بين المبدع وغير المبدع. قضية احترام الذات للمبدع هي جوهر وجوده.. وجوهر إبداعه.. وهي مشروعه في النهاية.. لذلك دون غيره هو مهمش، وسيظل مهمشاً ما دام الهدف الأول لمن يتسلطن على الثقافة في كل الأزمان الماضي منها والحاضر ولا أدري شيئاً عن المستقبل، هو كسر هذا الجوهر في المبدع (احترام الذات)، وهناك الكثير من الوسائل الناجعة لتنفيذ هذا المأرب الخطير، لم تبدأ بـ(أعطوا هذا الشاعر ألف درهم) وربما لم تنتهي بعد بمهرجانات عكاظية ومربدية وجنجويدية.. على الدوام كان المبدع هدف السلطة.. والصراع بين الاثنين مفتوح على احتمالات كثيرة، الأبرز منها، وظيفة براتب مجز، مقابل تخفيف متصاعد للصدق واحترام الذات في إبداعه.. وإلا فالأرصفة بانتظاره.. منذ زمن الطوفان والثنائي اللعين الراتب والرصيف يتناوبان على إذلال المبدعين.. وهذا هو السبب الذي يجعل الأدعياء متصدرين لواجهة المشهد والحقيقيين مهمشين.. لأن المدعي لا تعني له الثقافة سوى مكتب وطقم وربطة عنق مناسبة.. فرصة عمل يهتبلها قبل أن تهتبله الفاقة.. مرة أخرى ولهذه الأسباب لا أعتقد بوجود مبدع يحترم نفسه سيقبل بالحلول المبنية على الصدقة.
لكن رغم هذه القناعة دعونا نسير بالمقترحات إلى نهاياتها القصوى. ونبدأ بالمقترح الأول، اقتراح المحاكمة. افترض أن المحاكمة ستنعقد، وسيتصدى للقضية محام شاطر وسيكسب القضية عبر محكمة عراقية نزيهة، وستفرض المحكمة تعويضاً للشاعر (عقيل علي) مبلغاً مقداره ليس أقل من مليون دولار تدفعه صحيفة (إيلاف) وهي صاغرة..!! وأتخيل أن المحامي الشاطر سيحصل على الشيك المسحوب على مصرف الرافدين وليس على حساب بنك من القطاع الخاص وباسم الشاعر، ويذهب إلى زاوية الشاعر في الكرنتينة، ملوحاً أما وجهه بالشيك:
ـ عقيل.. بعد شتريد.. جبنالك مليون دولار..!!؟
شخصياً لا أعرف (عقيل علي) ولا هو يعرفني، لكن هناك شيء أجهله يجعلني متيقناً أن رد فعل (عقيل) على هذه الفرصة المليونية ستكون بالشكل التالي:
ـ عليك اللعنة.. لا تعكر ليلتي.. أجلب لي قنينة خمرة ودعني أبول على هذه الورقة اللعينة التي تلوح بها..!!
وقد يكون رد فعل (عقيل) بشكل آخر، من نوع رد منسجم مع هواجس وأماني كل أمة محمد من الماء إلى الماء بانتظار المليون اللعين.. سيفرح بالمبلغ وسيعلن عن مشاريعه المؤجلة من شراء بيت يكون فيه بار لكل مشروبات العالم المعروفة وغير المعروفة وأثاث والبحث عن زوجة وأشياء كثيرة كانت تنقصه.. عندها نكون قد صفقنا للمقترح.. نعم.. لقد نجحنا ووجدنا حلاً لمحنة (عقيل علي).. لكن ماذا بخصوص بقية المئات والآلاف من المبدعين المهمشين.. من سيلحلح محنهم.. هل سيبحث كل منهم عن صحيفة يورطها بنشر صوره ومن ثم يقاضيها.. أم ماذا..؟
أما الاقتراح الآخر، اقتراح الصندوق، فالسيناريو المتوقع سيكون التالي:
بما أنه صندوق سيحتاج إلى أمين صندوق، وهذا سيحتاج إلى موظفين مساعدين يعدون له قوائم بأسماء وعناوين وحالات المهمشين المحسوبين على الصندوق.. وهؤلاء بحاجة إلى موظفة للتخزين والأرشفة والحفظ الالكتروني على الكمبيوتر.. والجميع بحاجة إلى بناية والبناية إلى حراس، والحراس سيدعمون مداخل البناية بكتل كونكريتية تحميهم من الانتحار والقصف وهذه سينجزها لهم نجار قالب شريف لا يتقاض منهم سوى أجور (الكرستة والعمل) بدون ربح.. والجميع سيتقاضى راتب الحد الأدني من غير ربح كذلك، لأن في الأمر تطوع وعمل خيري.. وبعد الوصول إلى هذا الحد، سيكون عليهم تسجيل المؤسسة في وزارة التخطيط وهذه ستفرض عليهم شروط التشغيل والعمل في المؤسسات الربحية وغير الربحية.. وتلافياً للقال والقيل سيكتفي الكادر القيادي للمؤسسة بتعيين أقاربه في الوظائف الشاغرة خصوصاً من الذين يتمتعون بسيرة حسنة وجيب نظيف على أن لا تزيد نسبة النساء عن 25%.. وبعد أن تتكدس أموال المحسنين والخيرين من التجار والصناعيين أصحاب القلوب الرقيقة ومن المثقفين من أصحاب الدخول العالية والواطئة في الصحف الخليجية.. ويجري جرد الوارد والصادر، سيظهر أن هناك عجزاً في الميزانية، حيث الداخل لم يغطي الخارج.. ونحن إلى الآن لم نصرف ولا ديناراً بعد لا لمهمش ولا لمهمشة..!!
بينما الحل هو بسيط بساطة كل الحلول التي لبساطتها لا يراها من يبحث عنها أو يدعي أنه يبحث عنها.. الحل هو أن تعامل وزارة الثقافة كل مبدعي العراق كما تعامل الوزارات الآن بعثييها وهم غير مبدعين..!! كل وزارة خصصت رواتب تقاعدية للبعثيين غير المنسبين بعد على وظائفهم القديمة.. وهو راتب تقاعدي يجعل البعثي لو احترم نفسه لا يمد يده لا للمخابرات السورية ولا لغيرها من مخابرات العالم.. لماذا لا يتم شمول المبدعين من غير المشتغلين بوظائف بمثل هذه الرواتب لحين حصول الواحد منهم على وظيفة.. ولا أريد الاسترسال باستنساخ تجارب غير وطنية لكنها أكثر إنسانية، لشعوب وبلدان اعتبرت المبدع ثروة قومية، يجب الحفاظ عليها كأي ثروة قومية يعود نفعها على الجميع.. ويجري التعامل معه باعتباره صاحب مشروع خاص واستثنائي يحتاج إلى دعم مستمر لحين تحقيق مشروعه وفي مختلف جوانب الإبداع الإنساني..
أم أننا ما زلنا نفضل الاستماع إلى ماري انطوانيت الطيبة..؟
26/04/2005








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فيلم السرب للسقا يقترب من حصد 28 مليون جنيه بعد أسبوعين عرض


.. الفنانة مشيرة إسماعيل: شكرا للشركة المتحدة على الحفاوة بعادل




.. كل يوم - رمز للثقافة المصرية ومؤثر في كل بيت عربي.. خالد أبو


.. كل يوم - الفنانة إلهام شاهين : مفيش نجم في تاريخ مصر حقق هذا




.. كل يوم - الفنانة إلهام شاهين : أول مشهد في حياتي الفنية كان