الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


برتولد برخت حياة جاليليو (الفصل 1، المشهد 1) عن الإيطالية (يتحدث عن ثورة الشك ودوران الأرض...)

حذام الودغيري

2013 / 6 / 16
الادب والفن


جاليليو:
(يتنشّف)، نعم، أنا أيضا لمّا رأيْتْهُ أوّلَ مرّة، غَمَرَني ذاتُ الشّعور. هكذا يُؤثِّرُ في البعض. (يرمي المنديل لأندريا لينشّف له ظهره). الجدْران، القِباب، كلُّ شيء ثابت! لِأَلْفَيْ عام اِعتقدتِ البشريةُ جَمْعاء أنَّ الشمس وَ كَوْكَباتِ النّجوم تدورُ حوْلَها: البابا، كهنة الكنيسة، الأمراءُ، العلماء، القُيّاد، التجّار، بائعاتُ السمك والتلاميذ، كلُّهم كانوا مقتنعين بأنّهُمْ ثابِتونَ داخلَ هذه الكرةِ البِلّورية. لكنّنا الآن، يا أندريا، شَرَعْنا في الإبحار وينتظرُنا سَفَرُ ُ عظيم. فالزمنُ القديمُ ولّى وهذا زمن جديد. وكأنّ البشريّة منذ مائة عامٍ تنتظرُ حدوثَ أمرٍ ما.
المُدنُ صغيرةٌ، والرّؤوسُ صغيرةٌ: مُدجَّجةٌ بالطّاعون ِوالْخُرافاتِ. لَكِنِ اليومَ أصْبحنا نقول: بِما أنّ الأمورَ هكذا، فَلا يَنْبَغي أنْ تَبَْقى هكذا: كلُّ شيء يتحرّك يا صديقي.
كلُّ شَيْء بَدَأَ مع السّفن ـ تَروقُني هذه الفكرة. الإنسانية ُ تذكُرُ أنّ السُّفنَ زَحَفتْ أمداً طويلاً بِمُحاذاةِ الشواطئ، وفجأة، تخلّتْ عنها وانطلقت بعيدا في عُرْضِ البحار.
في قارّتِنا العجوز ظَهَرَتْ إشاعةٌ: هناك قارّاتٌ جديدة. وما أن بدأت سفُنُنا تتقاطَرُ عَليْها حتّى ابتهجتِ القارّات وصاحت: ليسَ البحُر اللُّجِيُّ المُخيفُ سِوى بِرْكَةِ ماءٍ صغيرة! وتأجّجتْ رغبةٌ عارِمةٌ لتحرّي الأسباب الجذرية لِلْأشياء: لماذا يَسقُط الحجر حين نُفِْلُته من أيدينا، وحين يُقذَفُ إلى الأعلى، لماذايَصْعد؟ كلُّ يوم يحمل اكتشافا جديدا. حتى المعمِّرون الذين نيّفوا على المائة، يطلبون أن يصرخ الشباب في آذانهم آخر المكتشفات.
لقد اكتُشِفَ الكثير لكن ما لم يُكْتَشَفْ بَعدُ أكثر. وهذا يعني أعمالا أخرى للأجيال اقادِمة.
وأنا صغيرٌ، في سيينّا، شهِدتُ بنّائينَ يتناقشون دقائقَ طويلةً حول طريقة نقل كُتَل من الغرانيت: بعد ذلك، تخلّوْا عن الأسلوب الألْفِيّ القديم، واعتَمَدوا للحبالِ ترتيباً جديداً أبسط وأنجع. وَقْتَها أدركتُ أنّ العهدَ القديم انتهى وبدأ عهدٌ جديد. قريباً سَتَنْجلي الأفكارُ وستعرف البشرية مكانَ هذا الجسمِ السماويّ الذي تسكُنُ فيه. لم يعُدْ يكفيَها ما سُطِر في الكتب القديمة.
أجَلْ: حيثُما هَيْمَن الإيمانُ ألفَ سنة، يُهَيمنُ الآنَ الشكّ. الكلُّ أصبح يردّد: صحيح، هذا مسطور في الكتب، لكن دَعُونا ننظر قليلاً بأنفسنا. كما لو أن النّاس اقتربت من الحقائق المهيبة وربّتتْ على كتفها. مالَمْ يُشَكَّكْ فيه قَطُّ أصبح اليومَ موْضِعَ شكّ.
أمّا دوّامةُ الْهواءِ الكبيرة التي ارتفعتْ من هذا كلّه، فهي لا تُراعي حتى ملابس الأمراء والأساقفة المطرّزةَ بالذهب، وتكشِفُ سيقاناً سَمينة وأخرى نحيفة، باختصار كَمِثل سيقاِننا.
اتّضح أنَّ السّماواتِ فارغة: ملاحظةٌ دوّتْ لها وتعالتْ ضِحكاتُ الابتهاج.
الأنَ أصبحتْ مياهُ الكرةِ الأرضية تُديرُ المغازلَ الجديدة، وفي مواقع البناء وفي مصانع أربطةِ الأعمدة والأشرعة، خمسُ مائة يد تتحرّك مجتمعةً وفقَ نِظام جديد للعمل.
أتوقّعُ أن نسمعَ قبلَ أنْ نموت، مناقشاتٍ حوْلَ عِلم الفَلَك في ساحات الأسواق. وحتّى أبناءُ بائعاتِ السّمك سيذهبون إلى المدرسة. و سيكون سكّان مدننا متعطّشين إلى أشياءَ جديدة وسيجدون متعةً في علم فَلَك جديدٍ يجعل الأرضَ نفسَها تتحرّكُ قليلا. اعتقدنا طويلاً أنّ كوكباتِ النجوم مُثْبتةٌ في قُبّة من بلّور بطريقةٍ تُجنّبها الوقوع. لكننا تسلّحنا بالشجاعة وسمحنا لها أن تحوم وحدها دون مربَط، وها هيَ الآنَ مُنْهَمِكةٌ في المسافات الطّويلة، مثل سُفُننا، تُسافِر دون مرساة. والأرض تدورُ مبتهجة حول الشمس، ومعها تدور بائعاتُ السّمك ،والتّجارُ، والأمراءُ، وكهنةُ الكنيسة وحتّى البابا نفسه.
الكونٌ فَقَد مركزَه في غضون ليلة واحدة، في الصّباح التالي،في ردّة طَرْف، انبثقت له مراكزُ لا تُحصى. اُنظُرْ شَساعةَ المكان الموجودة.
سُفُنُنا ترحلُ بعيدا، كوكباتُ نجومنا تدور بعيدا في الفضاء، حتى في الشطرنج
بدأت البروجُ، منذ مدّة، تتحّركُ طليقةً فوق مساحة الرقعة.
كيف يقول الشاعر؟ " يا فجر العالم..."








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مت فى 10 أيام.. قصة زواج الفنان أحمد عبد الوهاب من ابنة صبحى


.. الفنانة ميار الببلاوي تنهار خلال بث مباشر بعد اتهامات داعية




.. كلمة -وقفة-.. زلة لسان جديدة لبايدن على المسرح


.. شارك فى فيلم عن الفروسية فى مصر حكايات الفارس أحمد السقا 1




.. ملتقى دولي في الجزاي?ر حول الموسيقى الكلاسيكية بعد تراجع مكا