الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ظل الزمن

رائف أمير اسماعيل

2013 / 7 / 13
الادب والفن


غير معقول ... كلمتان بقي يهتف بهما لنفسه وبصوت صارخ ... ذلك العالم الشاب وهو يقفز من خلف تلسكوبه الشخصي ... ثم بقي يرددها من بعدها باندهاش استمر طوال حياته ...
كان وحده في البيت ، حين اكتشف كوكبا يشبه تماما كوكب الارض ... لم يبعد سوى الاف السنين الضوئية ...
وظل وحده يكتم السر ... الا مانطق مدعوما بوثائق قبل وفاته بساعات ...
صحيح انه اندهش قبلها باكتشافه شمس هي بحجم شمسنا ... وصحيح انه شك بوجود كوكب فيه حياة حولها ... وصحيح ان حدسه هذا لم يوافقه به كادر العلماء المتخصص في اكتشاف حياة في كواكب اخرى ... الذين اصروا ان يديروا وجهة تسلكوباتهم الى وجهة اخرى ... فلم يكتشفوا لا تلك الشمس ولاذلك الكوكب ... لكنه لم يتخيل يوما ان يرى مايمثل ضوئه أمامه الآن ..
كان الاكتشاف هو أيضا ثمرة لعناده ... واستقالته من وكالة ناسا للفضاء ... وثمرة سنين من البحث الشاق ... عبر تلسكوب أصغر بكثير من التلسكوبات المعتمدة في تلك الوكالة ... كان قد اشتراه من حسابه الخاص ومعه تقنيات بسيطة لاجهزة اخرى مساعدة ... ابتكرها بنفسه ...
وكان ثمرة لاصراره ان يسخر كل حياته للبحوث الفضائية ... ولم يتقبل حتى فكرة الزواج و(الانشغال ومضيعة الوقت بامور ثانوية) وكان يجيب الاخرين مازحا عندما يقولون له... يجب ان تكون وراء كل عظيم إمرأة .... انها هناك ... هي ورائي في السماء ...
وكان جواب للج عين إتجهت لنجوم السماء منذ ان كان تلميذا يتلذذ بتلسكوب صغير ... اشتراه له والده .... بل ان والده توفي في نفس اليوم، فأصبح عنده أثمن شيء في الوجود.
كان يسمع من الناس البسطاء ( بأن الله يخلق من نفس الشبه أربعين ) ... لكنه كان لايحتمل مطلقا ان ينشأ جسمان متشابهان في الكون كله الى درجة التطابق ...
لكنه الآن ... كيف يستطيع أن ينكر حساباته وبصره فيما يرى من صور ... تم تصفيتها من الضوء المنعكس عن كوكب الارض الشبيه ...
كيف ينكر مسافتها الدقيقة عن تلك الشمس الشبيهة وقطرها ودورانها حول نفسها باربع وعشرين ساعة ... كيف ينكر قاراتها السبع ومحيطاتها ... وحتى قمرها
أصبح لزاما عليه الآن أن يشتري تلسكوبا أكبر .... ويقترب أكثر .....
فأشترى واقترب أكثر ... كيف له بعد هذا الاقتراب ان ينكر مدينته وشوارعها ... بل حتى اسمائها والناس في احيائها ومتنزهاتها.
وكيف له ان ينكر صوره المجسدة ... شبيهه ... نفسه ... وهو يخرج ويدخل في منزله الشبيه
لم يعد هناك أي شك ... بل ... لايستطيع كل السبعة مليارات من البشر بعد هذا ان يقنعوه عكس ذلك، خصوصا ... ان الدليل الدامغ هذه المرة لم يكن مكان مشابه وانما زمان يسبق زمنه بيوم واحد .... فتتكرر كل الحوادث على الارض 2 في اليوم التالي على أرض 1 التي فضل تسميتها على كوكب الارض فيما بعد...
وبينما هو يخط تسميتها الجديدة على احدى خرائطه الكونية تسائل مع نفسه ... هل توجد آخريات ...أربعون مثلا كما شبهوا ... او ملايين أو أكثر
وتسائل ... هل هو يرى المستقبل فقط ؟ هل يرى زمنه من بعيد ؟ ... من مكان آخر ؟ وماذا يعني ذلك ؟ الايعني ان الحياة مصممة ... وكل شيء فيها قد تم تسييره ؟ ... ثم ان عمر الضوء القادم هو الاف السنين الضوئية ... يعني ذلك أن مايراه هو قد حدث منذ آلاف السنين ... هل هو يرى الماضي البعيد ام يرى المستقبل ؟.....
في كل الاحوال هو الآن هنا وهناك ... وظل حائرا لسنوات ان يحسم... أن يكون هو نفسه ام شبيه له ...
تلهف لحظة الاكتشاف ان يفاجأ به أنداده من العلماء ثم البشرية جمعاء .... فيكون له شهرة ومجد كبير ربما يتخطى فيه شهرة نيوتن وآينشتين ... لكنه تراجع بمثل ما اندفع ... فكر وفكر ... فاستنتج ان الاعلان ربما سيكون بداية اللحظة الاولى للحظات متتالية ومتسارعة لفناء البشرية ... وظل يرى ويراقب ...
كان لزاما عليه أن يتصرف كما لو انه لم يعرف ولم ير غده ... فربما أي تغيير سيؤدي الى ارباك شامل في كل الحياة على كوكبه الاول .... عليه ان يستجيب ويتقن الدورفقط ... وجرب ليوم ولايام ان لايرى شيئا فيتصرف بعفوية لكن اجهزة التسجيل لتلك الايام ايضا كانت متطابقة ..
نزل باقترابه الى مستوى ان يسمع اصواتهم هناك فكان الأصعب والأمر عليه هو انه كان يرى من حوله في الوجه الاخر لهم ... وجه الكذب والنفاق ... بل كان عليه أن يسيطر على عواطفه ... فلايبوح لاحد باقتراب الموت منه أو ماسيواجه من حوادث خطرة ....
لكن كل غير المعقول الذي سبق لم يكن يعادل المفاجأة الجديدة ... فقد رأى شبيهه أو نفسه في أرض 2 قد (مات غدا) وأضيف لمفاجأته انه لم يعرف كيف مات هناك ... كان هناك انقطاع وتشويش لأول مرة بعد سنوات من اكتشافه ذالك الكوكب ..
خاف وهلع أول الامر ... أرتاب من كل شيء حوله .... لكنه بعدها قرر ان يصمد ... وأن يفكر جيدا ... وأن ينحاز الى نفسه ... أن يصدق نفسه ... أن يلقي بتلك الاضواء في مرآة جديدة تعكسها بعيدا ...
صرخ بداخله ... لا ... لايمكن أن يكون الانسان مسيرا الى هذه الدرجة المقيتة ... للانسان ارادة ... للانسان قوة تحدي لأرادة الطبيعة ... غير معقول ان كل انجازاتنا على هذه الارض قد جاءت دون ارادتنا ... نعم كنا نسير ضمن قوانين الطبيعة ... لكن ... نحن اخترنا مايناسبنا من طرق ... ثم ... ربما كنا نحن القانون الذي انطلقت منه كل تلك القوانين .. علي أن افهمها الآن بشكل معكوس ..
قرر في اليوم التالي أن يمارس كل تفاصيل حياته بشكل طبيعي وكأنه نسي مارآى ... ومر اليوم دون حتى أن يشعر أن هنالك ما قد عكر مزاجه ...
إذاًُ كان ذالك شبيه له ... لانفسه ... وفي حيرته الشديدة تلك والاسئلة الجديدة التي ألقت بنفسها تحت ظلال ذلك الضوء العتيق ... حدثت مفاجأة أخرى ... لقد أختفى الضوء ... بعد ساعات من ذلك اليوم ... فأختفى ذلك الكوكب ... أختفى أرض 2
صبر سنوات عسى أن يجده مرة أخرى ... أو يجد شبيها آخر ... لكن ... في النهاية بدا له ... أنه قد تعلم الدرس ...
تعلم ان كل منا لايمكنه على الاطلاق أن يحوي كل الوجود بيدين أثنتين ... تعلم ان ألوجود ... هو زمن يسبقنا دوما ...
تعلم اننا لايمكننا الإمساك سوى بـ(ظل الزمن ).. لا الزمن نفسه ولا كله ...
لذا ... قرر أن يتوقف عن اللهاث ... وأن يكمل في مسار آخر ... أن يكتشف القريب ... أن يكتشف نفسه ...
إقتنع أن يكتشف بنفسه من جديد وبزاويته الخاصة أشياء قد اكتشفها الآخرون ... فزادتهم شغفا في الحياة ... فقد أقتنع إن له زاوية نظر ... زاوية محدودة مهما كبرت ... أقتنع بأنه ليس هو( المطلق)...
لم تمض شهور ... حتى كان يسير مع زوجته وهو يكركر معها تحت قبة السماء دون أن يكلف عينيه بالنظر الى الأعلى ... لقد اخفى عن زوجته كل شيء ... ولم يثيره حتى استهزاء أنداده العلماء بأنه لم يعثر على شيء ... لكنه قبل أن يموت بساعات... شعر وكأن رسالة تأتيه من السماء ... ومن نفس جهة الكوكب المفقود ... تقول له ... دعهم يعرفون .... وتعال ...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الأفلام الكوميدى تسيطر على دور السينما حاليا


.. راجل و2 ستات - الكاتب والمخرج أحمد عاطف يكشف عن الجديد في م




.. راجل و2 ستات - الكاتب والمخرج أحمد عاطف يتحدث عن أخر أعماله


.. كيف أثر الشعراوي على عالم الفن؟




.. الفرح اللى حضره كل النجوم.. عمرو دياب وتامر حسنى بيغنوا سوا