الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الموسيقى الألمانية واجتثاث النازية والأمريكيون

فلاح رحيم

2013 / 8 / 13
الادب والفن


من الكتب التي تناولت ثقافة ما بعد الحرب والاحتلال كتاب البروفيسور ديفيد مونود، أستاذ تاريخ أمريكا الثقافي والاجتماعي في جامعة ونفرد لوريير الكندية، وهو بعنوان " تصفية الحساب: الموسيقى الألمانية، واجتثاث النازية، والأمريكيون 1945 ـ 1953" وقد صدر عام 2005 عن جامعة نورث كورالينا الأمريكية. يبدأ الكتاب باستعادة سجال حاد وقع عام 1942 بين أريكا مان (ابنة الروائي المعروف توماس مان، الذي أحرقت النازية كتبه وجردته من جنسيته الألمانية وانتهى به المطاف في أمريكا مع ابنته) وديمز تيلر رئيس الجمعية الأمريكية للمؤلفين الموسيقيين والكتاب والناشرين. اعترضت أريكا مان على قرار الجمعية السماح بعزف موسيقى ريتشارد شتراوس لأنه وضع، بحسب مان، عبقريته الموسيقية في خدمة النظام النازي، وعلى قرار الجمعية أن تودع عوائد الحفلات التي تعزف فيها موسيقاه في صندوق خاص لكي تدفع له بعد انتهاء الحرب. وقد انطلقت أريكا من قناعتها أن الفن لا يمكن أن يعلو على الاعتبارات السياسية، وتساءلت إن كان ثمة صور فنية بارعة تصور هتلر هل يعني ذلك عرضها في أمريكا؟
استند ديمز تيلور في رده على قناعة مضادة ترى ضرورة الفصل بين الفنون والسياسة، وتساءل عن السبب في منع موسيقى شتراوس إذا كنا لا نحارب الموسيقى بل ألمانيا وايطاليا واليابان. ثم جادل أن ضمانة انتصار القيم الديمقراطية التي نؤمن بها أن لا نلجأ إلى أساليب العدو في حرق الكتب ومنع الأعمال الفنية. وقد استشهد بمقولة أطلقها الموسيقي برونو ولتر قال فيها "أكره شتراوس الشخص، وأمقت كل القيم التي يدافع عنها، لكنه عبقري وبعض أعماله تحف فنية. لا أستطيع بصدق أن أقاطع قطعا فنية رائعة لمجرد أني أكره مؤلفها."
يثير هذا السجال مشكلة طالما واجهت الحياة الثقافية أينما كانت وهي تتعامل مع أعمال فنية جيدة وضعها أناس تعد قيمهم مرفوضة. لقد ظل الكثيرون في الغرب يرفضون سماع موسيقى ديمتري شوستوكوفيتش لأنه كان يعد نموذجا للموسيقار السوفيتي، وهو أمر حدث مع روايات الفاشي سيلوني، وأفلام العنصري د. و. غريفيث. يرى المؤلف أن المجتمع الغربي قد حسم أمره في يومنا هذا وصار ينظر إلى فكرة الفصل بين الفن والسياسة باستخفاف كبير، وهو ما يتجلى في تطور نظريات تأويلية عديدة تحلل العمل الفني على وفق الجنوسة والعرق والأسس الاجتماعية للمعتمد الفني. ولكن، بالرغم من أن الزمن انحاز إلى جانب أريكا مان فإن موقف تيلر يبقى يذكرنا بالحاجة إلى الحذر من التحيز والمغالاة.
واجه الضباط الأمريكيون الذين حكموا ألمانيا بعد سقوط النازية مشكلة مشابهة لموضوع ذلك السجال. ما العمل في التصدي لقطاع الفن التابع للحزب النازي؟ كانت المهمة صعبة: عليهم تحديد المذنبين، وما هي ذنوبهم، وما مدى تورطهم مع النازية؟ وقد تزامنت هذه المهمة الرقابية المتشددة مع مهمة مناقضة لها هي إزالة القيود النازية على الحياة الثقافية وبلورة علاقة جديدة بين الفنان والمجتمع. وهكذا جمعت مهمتهم نقائض مثل التحكم والديمقراطية، العقاب والحرية.
يركز ديفيد مونود في دراسته على ما حدث في المناطق المحتلة في ألمانيا الغربية. وهو يتابع جهود السلطات الأمريكية لمعاقبة الموسيقيين على ما اقترفوا من آثام خلال حقبة الرايخ الثالث. لكنه يرى أن خطة اجتثاث النازية من الفنون اتسمت بطابع ثوري وتبسيطي محكوم بالفشل. وكان من نتائجها ميل الفنانين المعنيين إلى التعتيم على ماضيهم النازي بالكذب فيما يتعلق بما فعلوه. وهو أمر دعّم أسطورة الطبيعة اللاسياسية للفنون، وبراءة الفنان مهما فعل. وقد انكشفت الكثير من هذه الأساطير مع نشر الوثائق التي تدين الموسيقيين الذين تمتعوا بشهرة كبيرة أثناء الرايخ الثالث. ولكنه كان كشفا متأخرا.
قرر الضباط الأمريكيون أن لا يتعرضوا للموسيقى الشعبية الألمانية وأن يمارسوا كل أنواع القيود على الموسيقى الكلاسيكية لأنها المجال الذي تبلور فيه الأثر النازي. بدلا من الترويج للموسيقى الأمريكية في ألمانيا، التي لم تلق حماسا لدى الألمان حينها، اتجه الضباط إلى إصلاح الثقافة Kulture الألمانية، وهي ثقافة النخبة المثقفة. ويقدم المؤلف مقارنة طريفة بين مفهوم الثقافة وعلاقتها بالهوية الوطنية لدى الألمان والأمريكيين فيرى أن الأمريكي إذا ما عرّف نفسه أشار إلى قادة في مجال الأعمال والعلوم والسياسة، مثل لنكولن وفورد وأديسون، أما الألماني فإنه يعرّف نفسه بالإشارة إلى فناني ألمانيا وفلاسفتها مثل بيتهوفن وباخ وغوته. ولأن واضعي السياسة الأمريكية أدركوا ذلك فقد جعلوا من الموسيقى الكلاسيكية هدفا لهم.
بدأت عملية تطهير الحياة الثقافية الألمانية في أواخر صيف 1945 وفرضت قائمة سوداء تضم أسماء النازيين والعسكريين والقوميين المتشددين. خلال شتاء 1945 ـ 1946 في أعقاب الحملة الأولى من التطهير بدأ المشرفون الأمريكيون بتعيين فنانين منتخبين للعمل على خلق ثقافة ديمقراطية. لكن آذار من عام 1946 شهد تحولا مهما بأمر من الحاكم العسكري إذ تقرر تحويل عملية اجتثاث النازية إلى محاكم اجتثاث النازية المحلية الألمانية Spruchkammern. وهو أمر نجمت عنه انعطافة كبيرة حيث أعلنت براءة الكثيرين ممن وضعتهم الإدارة الأمريكية في القائمة السوداء، وأعيد من أعلنت براءته إلى عمله السابق وأزيح من عيّنهم الأمريكيون. وهو أمر أثار استنكار بعض القطاعات الثقافية في خريف عام 1946 التي أبدت مقاومة لهذا التوجه مما أدى إلى موجة تطهير ثانية لم تدم طويلا. في عام 1947 أمرت الحكومة العسكرية بإزالة القيود وانحسر التأثير الأمريكي في هذا المجال على نحو حاد.
أثار قبول الأمريكيين إيقاف سياسة اجتثاث النازية على هذا النحو الكثير من النقاشات، لكن المؤلف يرى أن السياسة الأمريكية في ألمانيا شهدت في ذلك العام تحولا جذريا من موقف التحكم والسيطرة إلى موقف ضرب المثال وإسداء النصح دون لجوء إلى القوة. وكان من العوامل الرئيسة التي أدت إلى هذا المنعطف تصاعد النزاع مع الإتحاد السوفيتي أواخر عام 1947 و بداية الحرب الباردة والتلويح بالخطر الشيوعي. حينها صارت المهمة إقناع الألمان أن الأمريكيين لا الروس هم أصدقاؤهم. وهو تحول انتهى بحلول عام 1948 ـ 1949 إلى أن تتوجه كافة الأقسام الثقافية إلى الفوز بولاء الألمان ودعمهم. السبب الثاني في التحول عن اجتثاث النازية كان رغبة الأمريكيين في أمركة قطاع الأعمال الألماني وبداية المشاريع الجديدة وهو أمر لم يكن ليتوفر دون التخفيف من الاحتقان السياسي في المجتمع الألماني. وهكذا أسدل الستار بعد عامين على سياسة اجتثاث النازية.
هنالك سؤال ظل متواترا لدى المؤرخين يتعلق بصواب التوجه الأمريكي في إغلاق ملف اجتثاث النازية، خصوصا وأنه أتاح نجاة الكثير من النازيين من المساءلة عبر التنكر لماضيهم. يؤكد المؤلف على أهمية سياسة الاجتثاث التي طبقت في البداية لأنها ساعدت على الشروع في انبعاث ثقافي جديد على وفق قيم جديدة. لقد ترك ذلك التوجه أثرا ايجابيا في تغيير مسار الثقافة الألمانية وإعادة هيكلتها. كما أنه يرى أن سياسة الاجتثاث دفعت الكثير من الفنانين الذين تمتعوا بمناصب مرموقة من قبل، وقد شعروا بالتهديد، إلى موقف دفاعي انتهى بهم إلى التعتيم على كل ما يتعلق بتاريخهم النازي. وبالرغم من أن هذا الأمر يبدو غير صحي على عدة مستويات لكنه ساعد على خلق صورة، حتى لو كانت خيالية، مفادها أن فنون ما بعد الحرب منفصلة بوضوح وعافية عما سبقها، وهو أمر ساعد الجمهورية الألمانية الفدرالية على المضي قدما وسمح بتحرير الموسيقى الألمانية الرائعة من أسر المصادرة النازية لها.
يمثل كتاب مونود هذا واحدا من مجموعة كبيرة من الدراسات التي تصدت لمصير الموسيقى الألمانية بين الاستبداد النازي والاحتلال الأمريكي، وهي دراسات لم يفتر العمل على انجازها حتى يومنا هذا ولم تفقد بعد انقضاء أكثر من نصف قرن على انتهاء الحرب العالمية الثانية شيئا من حيويتها وأهميتها للخبرة الإنسانية. يرمي هذا العرض الموجز إلى دعوة المهتمين بالدراسات الموسيقية لتوثيق ما مرت به التجربة الموسيقية العراقية من أطوار خلال العقود الأخيرة: ما الذي حدث ويحدث للفرقة السمفونية العراقية وفرق غناء الريف والمقام العراقي وغيرها؟ ما هي الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية المحتلة والحكومة العراقية المنتخبة لإحياء هذه الفرق ورعايتها؟ ما مصير الموسيقى العراقية والفنون عموما في عالم ما بعد الحرب والاستبداد؟ كما أن هنالك من جهة أخرى أسئلة مهمة تثيرها مثل هذه الدراسات عن قضايا مثل اجتثاث البعث والمساءلة والعدالة في العراق والعوامل المؤثرة فيها: ما تأثير العلاقات الأمريكية الإيرانية المتأزمة في توجهات السياسة الأمريكية بشأن اجتثاث البعث؟ كيف يمكن إطلاق سراح الثقافة العلمانية العراقية عموما والفنون خصوصا من التوجهات الاستبدادية التي علقت بها طوال عقود حافلة بالقمع والتعبئة الفجة؟ كيف السبيل لاستبقاء أفضل ما في المنجز الثقافي العراقي وحمايته من السقوط في أحد فخين يتهددانه هما الثقافة الاستهلاكية السطحية وثقافة التطرف الديني الخانقة؟
التوثيق والحوار إذن هما المهمة العاجلة. يقول بول ريكور إن التاريخ يكشف أسراره عندما يتأزم، ونحن شهود أزمة كبيرة لم تترك للهامش شيئا يذكر.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الدرس الاول - الوحدة الثانية في اللغة الفرنسية للصف الثالث ا


.. الدرس الثالث - الوحدة الاولى في اللغة الفرنسية للصف الثالث ا




.. سر غضب نقابة المهن التمثيلية بعد ضبط الفنانة منة شلبي!


.. صباح العربية | لقاء خاص مع الفنان الشاب يوسف عثمان وكواليس م




.. 184حكايات وذكريات السيدحافظ - الحرب القذرة-