الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مصر وحمى الربيع والصيف

فلاح رحيم

2013 / 8 / 16
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


هنالك دوار شامل يعترينا جميعاً لما يجري من أحداث متسارعة في المنطقة العربية عموماً، وفي مصر تحديداً. ولا عجب أن نُسارع إلى موقفٍ ثم نجد أنفسنا مضطرين إلى التراجع عنه بعد أشهر وربما أسابيع. الربيع العربي الذي تلقاه القطاع الأوسع من المثقفين العرب بالاحتفاء والأمل سرعان ما تحول إلى علامة استفهام كبيرة. ولم يتجسد تعقيد هذه المتغيرات كما هو في الحالة السورية التي انقسم بشأنها المؤتلفون بصدد الربيع عندما تعاقبت الفصول دموية طويلة واختلطت الديمقراطية الليبرالية بطائفية القرون الوسطى بأحطّ أشكالها. ما أسعى إليه في هذه الوقفة القصيرة اقتراح موقفٍ لا يورث الندم ولا يتسبب في إحراج التراجع اليوم عما قلناه بالأمس.

انفجر الوضع في مصر وبدأ فصل جديد لا يقل التباساً وتعقيداً عما حدث من قبل في هذا الربيع العربي الطويل. لدينا حكومة إسلامية منتخبة تحتكم إلى الشرعية وقعت أثناء وجودها في السلطة في وهم أنها لابد أن تؤسس لتأبيد سلطتها عبر القفز على المؤسسات الشرعية التي أوصلتها إلى الحكم. إلى هنا والأمر يستلزم التصدي الشجاع لإعادة الإخوان المسلمين إلى حجمهم الشرعي المقبول بوصفهم حزباً واحداً في تعددية كبيرة من الأحزاب التي لابد أن تحصل على فرص متكافئة في مواقع الدولة وفي التنافس على السلطة. وقد عبّر الملايين من المصريين عن قلقهم الشرعي من استئثار الإخوان بالسلطة في مشهد يذكّرنا بقرف الانجليز من ثورة أوليفر كرومويل البيوريتانية في القرن السابع عشر ثم عودة الملكية الدستورية بترحيب شعبي زالت عنه غشاوة الحماس الديني.

يبدأ المشهد يلتبس ويتعقد كما هي حالة المشاهد السياسية التي تعوّدنا عليها مع مبادرة الجيش إلى القيام بانقلاب عسكري استجابة لمطالب المتظاهرين. وهو انقلاب لم يكتف بإزاحة الرئيس محمد مرسي عن سدة الحكم، بل وشنّ حملة مطاردات واعتقالات في صفوف قيادات الإخوان المسلمين وأغلق الكثير من القنوات التابعة لهم أو المتعاطفة معهم. لدينا إذن البيان رقم واحد الذي عوّدتنا عليه الثورات العسكرية العربية سيئة الصيت طوال عقود مظلمة من القرن العشرين. ومن المؤكد أن قيادة الجيش المصري تستلهم الخطوات المعروفة لاستكمال أي انقلاب عسكري تقليدي في تصدّيها لميراث مرسي.

لابد من تثبيت حقيقة لا سبيل إلى التغاضي عنها: شخصياً شعرت بارتياح كبير، كما هو شأن الغالبية العظمى من المثقفين الليبراليين العلمانيين، تجاه موقف الجموع الكبيرة من الشعب المصري التي نزلت إلى الشارع، وتجاه استجابة الجيش لندائها الداعي إلى تدارك محاولات حزب منفرد الاستئثار بالسلطة وسدّ الطريق دستورياً على مبدأ تداولها (وأشير هنا إلى ملحق الإعلان الدستوري الذي منح الرئيس محمد مرسي صلاحيات واسعة، وإلى حملة أخوَنة المفاصل المهمة في الدولة). لكن هذه الراحة لم تصل بي حد الاحتفال والحماس. بقي يساورني القلق والأسف لنجاح أول انقلاب عسكري بعد الربيع العربي في سابقة فنّدت قناعات الكثيرين في أن زمن الانقلابات العسكرية قد ولّى. ومما زاد في القلق أن يقدم الانقلابيون على حملة تنكيل وتجريم ضد تيار سياسي نرى جميعاً هتافات الملايين من أتباعه في عموم مصر. كان المنتظر منهم تهدئة الموقف وطمأنة الجميع إلى أن ما حدث تصحيحٌ لمسار رسمته ثورة 25 يناير لا بداية نوعية جديدة. وكان لابد من الحذر من تجريم تيار سياسي كبير كالأخوان لم يمارس الحكم إلا عاماً واحداً، ولم يرتكب خلاله جرائم كبرى بحق شعبه أو جيرانه، وإن كان قد تمادى في سوء فهمه لمعنى وصوله إلى السلطة عبر صندوق الاقتراع عندما حاول تكسير الصندوق ورميه في القمامة. كان المطلوب تصحيحاً ينفتح على الجميع ويعيد من شطّ منهم إلى رشده.

إن لما حدث من تنكيل واعتقالات بحق الإخوان المسلمين نتائج لابد أن يتنبه لها المثقفون المنشغلون بمهرجان الاحتفال بفشل أول انتخابات حرة في مصر (وهو فشلٌ مهما اختلفنا في وصف الأسباب). لا أرى ما يدعو إلى الاحتفال في كل هذا. هنالك ما يدعونا إلى القلق والحرص على حقن دماء المصريين ونجاح طموحاتهم الأصيلة النيّرة في دولة ديمقراطية لا يحكمها إلا دستور محايد لا ينحاز إلى إسلاموي أو قومي أو ليبرالي، بل يوفر وعاءً يتصارع فيه هؤلاء جميعاً في الفوز برضا الناس. ماذا سيكون موقف المحتفلين بهذا التطور الخطير في الربيع المصري لو أن إجراءات الجيش الانتقامية أدّت إلى حرب أهلية لا تبقي ولا تذر. وهو احتمال تزداد خطورته مع ما نشهد من إجراءات وتحشيد إعلامي. ومصر كما هو معروف لا تمتلك نفط العراق لتجد من يتدخل لحقن الدماء إكراماً للنفط. هي أقرب إلى مثال الصومال التي ظلّت منذ اندلاع الحرب الأهلية فيها قبل أكثر من ثلاثة عقود دون حكومة قوية وصارت مرتعا للفوضى واليأس. هل نعود خائبين عندها كما عدنا خائبين لأن نتائج الربيع العربي لم توافق هوانا؟ لماذا نسارع إلى حلبة الرقص ما أن نسمع قرع طبل صاخب؟

ربما كانت الخلاصة في الأمر أن وعينا لا زال مكبّلا بأيديولوجيا معينة من هذا النوع أو ذاك. هنالك من تسيطر عليه أيديولوجيا الدولة الإسلامية الطوبائية التي يزعمون أنها ستؤسس لجنّة الله على الأرض، وهنالك من لا يرتضون بأقل من النعيم السويسري العلماني الليبرالي المتجرد من أدران التاريخ من العلمانيين. ولا أرى ضيراً في أية أيديولوجيا يختارها المثقف مادام مثقفاً لا مسلّحاً متعطشاً للدم، فالغايات الطوبائية آفاق نسعى إليها وبالرغم من أننا لا نبلغها فإنها قادرة على تحسين حياتنا وشروط وجودنا. ما أنبّه إليه أن المهمة التي تواجهنا الآن هي الوقوف مع طموح شعوب المنطقة كافة إلى بناء دول ديمقراطية محايدة لا انحياز لها إلا لأيديولوجيا الدولة التي تحتكم إلى قوانين ومُثُل تضمن التنافس وتداول السلطة، وتفسح المجال للشعوب أن يكون لها صوت مؤثر في السياسة.

لابد من حاشية عراقية هنا. يستبشر الكثير من الساخطين على فساد حكم الإسلامويين في العراق وطائفيته بما حدث في مصر، وربما ساور البعض الأمل فتطلّع إلى الجيش. فهل فكّر هؤلاء في نوع الانقلاب المحتمل في العراق؟ هنالك احتمال واحد في هذا المضمار لا احتمال سواه هو انقلابيّ على النمط الصدامي، لكنه سيكون هذه المرة إسلاموياً شيعياً ينفض عنه قيود الدستور والشرعية واحترام الآخر التي لم يحصل عليها العراقيون إلا بأنهار من الدماء وفصول فاجعة من العويل. علينا أن نرسم أهدافنا بعناية لأنها قد تتحقق.

الخميس 11 تموز 2013








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إيران.. تعهّد بالتصدي للمتظاهرين | #غرفة_الأخبار


.. منهاج عمل ام ردود أفعال




.. الذاكرة السياسية | شاهد الأزمات التي تراكمت في تونس لتولّد ا


.. إيران.. هل ستتم محاسبة المسؤولين على قمع المتظاهرين؟




.. نشرة العربية 360 | روسيا تهدد زيلينسكي بمصير تروتسكي.. شمالي