الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ديفيد لودج ودليل حرفة الرواية

فلاح رحيم

2013 / 8 / 20
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات


لدي قناعة تامة أن الأدب العراقي مقبل على نهضة روائية كبيرة بدأت تتبلور ملامحها على نحو متزايد. وعلينا الآن أن نبدأ بتذكير الكاتب والقارئ بأصول السرد الروائي التي لا غنى عنها لإنتاج الرواية وتذوقها. كلما قرأت نصا عراقيا لموهبة شابة، محملة بتجربة غزيرة ولكن يعوزها الوعي الكامل بتقنيات الحرفة، شعرت بالحاجة إلى توجيه الأنظار إلى جانب الحرفة في الكتابة الروائية. إن ما أقدمه هنا لا يعدو مستوى التذكير والاستعادة التي أرجو أن تدفع القارئ وقد أدرك غزارة الحقل إلى مزيد من البحث والتأمل.
يقدم الناقد والروائي والأكاديمي البريطاني ديفيد لودج David Lodgeفي كتابه الممتع "فن القصة" The Art of Fiction الصادر عن بنغوين، 1993 معجما لتقنيات السرد الروائي. وسأستعين به لاستعراض هذه التقنيات، علما أن الكتاب قد نشر أصلا كمقالات صحفية قصيرة يتناول كل منها تقنية بعينها.

ـ البداية Beginning : لابد أن تنجح البداية في كسب القارئ ودفعه إلى الاستمرار في القراءة فضلا عن التمهيد للحدث.

ـ تدخل الكاتب في السرد The Intrusive Author: كان المعتاد لوقت طويل أن يتنحى الكاتب عن السرد، لكن الأمر بدأ يتغير في عصر ما بعد الحداثة وبدأ الكاتب يؤكد نفسه بطريقة تصدم القارئ.

ـ التشويق :Suspenseهنالك نوعان من التشويق: الأول سببي (من فعل ماذا؟)، والثاني يتعلق بما سيحدث فيما بعد. الحداثة قللت من شأن التشويق (كما هو الحال لدى جيمس جويس) لكن روائيي القرن التاسع عشر استخدموه بطريقة رائعة.

ـ االراوي الشفاهي Skaz (وهي كلمة روسية تشير إلى سارد يتحدث بضمير المتكلم إلى القارئ حديث أصدقاء مباشر تلقائي بعيد عن أي افتعال سردي ـ في الظاهر طبعا لأنه يحتاج إلى مهارة أيضاـ). وقد تطور هذا النمط في أميركا حيث استخدم للتخلص من شروط الفن الروائي الإنجليزي والأوربي الصارمة. بدأه مارك توين في "هكلبري فن" وأبدع فيه سالنجر في "الحارس في حقل الشوفان" حين قدم سردا تلقائيا فريدا من نوعه باستخدام التقنيات التالية: التكرار وبالذات تكرار عبارات عامية، المبالغة في التعبير عن المشاعر، تقديم جمل بسيطة وقصيرة تخلو من التعقيد، وجود أخطاء نحوية متوقعة من الراوي، في العبارات الطويلة لا تتداخل العبارات بل تتجمع دون تعقيد. إن إعادة إنتاج إيقاع الحياة اليومية هو ما يجعل سرد هولدرن بطل الرواية متدفقا ويشجع القارئ على إعادة القراءة.

ـ رواية المراسلة The Epistolary : سادت القرن الثامن عشر ثم تراجعت في القرن التاسع عشر. كتبت جين أوستن روايتها "العقل والعاطفة" على شكل رسائل ثم غيرتها. في عصر الأنترنت اضمحلت طريقة المراسلة القديمة ولدينا وسيلة اتصال جديدة. تساعد الرسائل على كسب تعاطف القارئ مع الشخصية وكان ريتشاردسون يتلقى رسائل من قرائه أثناء نشر روايته كلاريسا مسلسلة يتوسلونه فيها أن لا يسمح بموتها!

ـ وجهة النظر Point of View : يؤكد لودج أن وجهة النظر لابد أن تعتمد في القصص زاوية مميزة واحدة أو زاويتين حتى عندما يعتمد الكاتب السرد العالِم بخفايا الأمور كلها omniscient . وهو يقارن قصة هنري جيمس "ما عرفته ديزي" برواية سالنجر "الحارس في حقل الشوفان" فيرى أن جيمس اعتمد فيها أسلوب نقل وجهة نظر ساذجة بسيطة بأسلوب ناضج معقد أنيق، على عكس سالنجر الذي نقل وجهة نظر شبيهة بأسلوب يماثلها فج وبسيط. من علامات ضعف السرد أن يتنقل الكاتب بين وجهات النظر في مشهد واحد لأن ذلك لا يساعد القارئ على أن يعيش جو القصة. التنقل في وجهة النظر يذكر القارئ بوجود الكاتب.

ـ الغموض Mystery: هنالك التشويق (ماذا سيحدث؟) وهنالك الغموض (كيف حدث ما حدث؟). وهما وسيلتان عريقتان في شد انتباه القارئ. إن كشف الغموض في نهاية القصة تجربة تنوير يهواها القارئ لأنها تدل على انتصار النظام على الفوضى. ويتواصل الغموض عبر سلسلة متصلة من التلميحات، والمفاتيح، والوقائع المحيرة. هنالك أعمال تثير الغموض لتشد القارئ لكنها لا تهتم بكشف حقيقة الغموض لأنها قصص مأساوية لا بوليسية كما في قصة روديارد كبلنغ "السيدة باثرست" (1904).

ـ أسماء الشخصيات Names : يحمل كل اسم معان مصاحبة وإيحاءات لا يمكن الإغفال عنها. والأسماء في الرواية لا يمكن أن تكون محايدة فهي دالة دائما حتى وهي تدل على أن الشخصية عادية ليس فيها ما يميزها. ينصح لودج الكاتب أن لا يغير الاسم الذي يختاره للشخصية وأن يفكر مليا قبل أن يختاره. وسبب عدم التغيير أن الاسم يدفع الكاتب إلى تصور محدد للشخصية. يقول لودج إنه تأخر كثيرا في كتابة أحد فصول رواياته لأنه أراد أن يقرر اسم البطلة.

ـ تيار الوعي Stream of Consciousness: مصطلح وضعه عالم النفس الأمريكي وليم جيمس ليصف تدفقا متصلا من الأفكار والأحاسيس في عقل الإنسان. وقد استخدمه النقاد لوصف نوع معين من الكتابة الروائية (لدى جويس، ودوروثي ريتشاردسون، وفيرجينيا وولف). ينتقد البعض تيار الوعي لأنه ضرب من الأنانة solipsism أي التقيد بعالم الأنا، لكن لودج يرى أنه منفذ خيالي خصب للتعرف على عالم عقل آخر. والغالب أن تيار الوعي يولد تعاطفا مع الشخصية التي يلاحقها. هنالك أسلوبان لتمثيل الوعي في القصص النثري هما المونولوج الداخلي حيث الراوي "أنا" يقدم نفسه ونحن نتابع خطابه بينما هو يحول ما يعن له من أفكار أثناء حدوثها إلى كلام. ثم هنالك الأسلوب الحر غير المباشر Free In-dir-ect Style وهو يعبر عن الأفكار عبر الكلام المنقول (غير المباشر) باستخدام ضمير الغائب وصيغة الزمن الماضي لكنه يحافظ على المفردات التي تناسب الشخصية ويحذف أشارات مثل "فكر" أو "خطر له" التي تميز أسلوبا أكثر رسمية منه. وهو يمنح القارئ معرفة حميمة بما تفكر به الشخصية دون أن يضحي بمشاركة الراوي في الخطاب.

ـ المونولوج الداخلي Inner Monologue : وقد استخدمه جويس في روايته "يوليسيس" التي تتابع يوما (16/6/1904) في حياة ليوبولد بلوم اليهودي الذي يعمل في وكالة إعلان. صعوبة المونولوج الداخلي أنه يبطئ من حركة السرد ويصيب القارئ بالملل لأنه يؤكد على مجموعة كبيرة من التفاصيل التافهة. وقد تجنب جويس ذلك عبر مهاراته اللغوية التي تجعل من أتفه الأمور مصدر دهشة للقارئ ( يستخدم لودج تعبير "عبقريته اللغوية"). لكن جويس يعمد أيضا إلى الجمع بين تقنية المونولوج الداخلي والأسلوب الحر غير المباشر والوصف السردي التقليدي. وتمتاز اللغة في هذا الأسلوب بأنها تختزل الجمل لإيصال الإحساس بالمباشرة والتلقائية.

ـ التغريب Defamiliarization أو Astranenie (وهي الكلمة الروسية) وقد وصف هذه التقنية الشكلاني الروسي فكتور شكلوفسكي عام 1917 حين جادل أن غاية الفن الكبرى هي التغلب على تأثيرات الرتابة القاتلة للحواس بتقديم الأمور العادية بطريقة غير عادية. ويرى لودج أن الأصالة لا تكمن في قول شيء جديد كليا بل في جعلنا نفكر بشيء مألوف بطريقة أصيلة.

ـ الإحساس بالمكان A Sense of Place: الحرص على خلق إحساس بالمكان في الرواية تطور لاحق فكما لاحظ باختين كانت المدن في قصص الرومانس القديمة بدون ملامح والأهمية الأولى للحبكة. ديكنز أبدع في وصف المدينة. وقد مهدت الرومانتيكية للاهتمام بالمكان.

ـ القوائم Lists : يلجأ بعض الروائيين إلى تقديم سرد لمحتويات قوائم مشتريات أو أشياء أخرى بوصفها تقنية قصصية معبرة عن التفاصيل.

ـ رسم الشخصيات Characterization : ربما تكون الشخصية بحسب لودج أهم مكون في الرواية، وهي الإنجاز الأكبر للرواية الأوربية الحديثة في تعمقها و قوة تصويرها للطبيعة الإنسانية. لكنها أيضا أصعب جوانب فن الرواية على الوصف التقني. هنالك تصنيفات عديدة لأنماط الشخصيات: رئيسة وثانوية، مسطحة ودائرية، شخصيات توصف من الداخل وأخرى من الخارج. أبسط طرق تقديم الشخصية هو وصف شكلها الخارجي وتقديم موجز لسيرتها الماضية. لكن وصف الشخصية في كل رواية انتقائي والكناية synechdoche (الجزء يقدم الكل) هي التقنية الأكثر شيوعا. وصف الملابس وأسلوب الحياة وسيلة أخرى لتقديم الشخصية. كان هنري جيمس يفضل الطريقة المشهدية scenic method ووصيته هي إضفاء الدراما دائما.

ـ المفاجأة Surprise : كل سرد يحتاج إلى عنصر مفاجأة ليشد القارئ. لكن هذا العنصر يجب أن يكون مقنعا وغير متوقع في آن واحد.

ـ النقلة الزمنية Time – Shift : الشائع أن تبدأ الرواية من البداية، لكن هنالك الروايات التي تبدأ من ذروة الحدث in medias res وهي طريقة تسمح بإضفاء السببية والتهكم في علاقة الأحداث فيما بينها. وهنالك تقنية الرجوع إلى الماضي flashback التي بدأتها السينما، لكن السينما لا تستطيع أن تقدم تلميحات إلى المستقبل flash forward وهو ما تقدر عليه الرواية عندما تلمح إلى ما سيحدث وهو ما يدعى في البلاغة توقع حدوث الشيء قبل وقوعه prolepsis . التنقل الدائم بين الفترات الزمنية خاصية ما بعد حداثية وهي تمنع القارئ من التماهي مع الشخصية والحدث وتؤكد حضور الراوي.

ـ المروي له :narateeهو قارئ افتراضي يشير إليه النص ويخاطبه ويكون له حضور في النص. الالتفات apostrophe في الرواية الفكتورية (عندما يخاطب الروائي القارئ: عزيزي القارئ!) هو شكل من اشكاله. والمروي له أسلوب بلاغي يهدف إلى السيطرة على استجابات القارئ الفعلي الذي يبقى خارج النص وتعقيداته.

ـ حالة الجو weather : ظهر الاهتمام بوصف حالة الجو في أواخر القرن الثامن عشر بتأثير من الرومانتيكية في الشعر والرسم، وتزايُد الاهتمام بالفرد ومشاعره التي تتأثر بإحساسه بالعالم الخارجي. والروائي حر في خلق الجو الذي يناسب المزاج الذي يرغب في خلقه. هنالك الجو بوصفه معادلا مجازيا رمزيا للحالة الشعورية، ولكن هنالك أيضا حالة الجو كمؤثر عملي على الحياة الاجتماعية للشخصيات حيث أنها تساعد في الكشف عن الشخصيات وما يحركها.

ـ التكرار Repetition: يميل الروائي أحيانا إلى تكرار كلمات معينة أو تراكيب لغوية معينة لخلق أثر محدد. هنالك كلمات لها معنى مرجعي referential أي تشير إلى أشياء في العالم الخارجي مثل الأفعال والصفات والأسماء، وهنالك مفردات معجمية Lexical تكون إحالتها إلى اللغة مثل الحروف. هنالك أيضا تكرار يتولد عن إيقاع الجملة والمقطع. لورنس في "قوس قزح" يكرر إيقاع الكتاب المقدس وتراكيبه لخلق الإحساس بالحياة الريفية.

ـ النثر المتأنق Fancy Prose: عرف عن الكاتب الإنجليزي جون ليلي تأنقه الشديد في الأسلوب إلى حد يرهق القارئ. لكن التأنق في الأسلوب يمكن أن يؤدي وظيفة في السرد كما هو الحال مع ناباكوف.

ـ التناص Intertexuality: وهو مفردة تشمل الكثير من التقنيات البلاغية السردية مثل المحاكاة التهكمية parody ، المعارضة (كما عارض أحمد شوقي البوصيري في "نهج البردة") pastiche، ترديد الصدى echo، الإلماح أو الإيماء allusion، الاقتباس المباشر، التوازي البنيوي. هنالك أمثلة كثيرة على التناص كما في رواية جويس "يوليسيس"، و جين ريز "بحر ساركاسو الواسع".

ـ الرواية التجريبية Experimental Novel: وضع هذا المصطلح أميل زولا الذي حاول أن يكتب رواية ذات اتجاه اجتماعي تسعى إلى تحقيق ما يصبو إليه البحث العلمي في العلوم الطبيعية. ويرى لودج أن هذا مسعى خائب لأن الرواية ليست وسيلة تثّبت من فرضية عن المجتمع، والتجريب في الأدب هو أقرب إلى التغريب منه إلى العلوم. لقد كتب الروائي البريطاني هنري غرين عن حياة الطبقة العاملة الإنجليزية بصدق وهو رجل الصناعة الثري المتخرج من إيتون لأنه عاش مع عمال مصنعه وعرفهم عن كثب وقد جرب أسلوبا يقترب من طريقتهم في الكلام. هنالك تجريب لا معنى له إلا طرافته مثل تجريب جورج بيرك الفرنسي في رواية "حياة: دليل المستخدم" وفيها يتعمد عدم استخدام الحرف e . ويعلق لودج أن مثل هذه الأعمال تزيد متعة القراءة عنها على متعة قراءتها.

ـ الواقعية السحرية Magic Realism : عندما يقع ما هو عجيب ومستحيل في سرد يتصف بالواقعية أساسا. وقد استخدم هذه التقنية فضلا عن روائيي أميركا اللاتينية روائيون مثل غونتر غراس، وسلمان رشدي، وميلان كونديرا. ويرى لودج أن هؤلاء جميعا قد شهدوا اضطرابات تاريخية كبيرة ومروا بثورات شخصية مقلقة شعروا أن من المتعذر نقلها بأسلوب الواقعية السلس. ويعتقد أن تاريخ بريطانيا الهادئ نسبيا شجع كتابها على مواصلة الوفاء للواقعية التقليدية (وهو رأي أشك في صحته لأن تاريخ بريطانيا الحديث لا يخلو من فواجع هو الآخر).

ـ ملازمة السطح Staying at the Surface : وهو ميل يتجه إلى الضد من استغراق الرواية في استقصاء ذاتية الشخصيات. يختار الروائي أحيانا أن يبقى على السطح كما يفعل برادبري في "رجل التاريخ" وهي رواية تتناول عالم اجتماع يؤلف كتابا عن نهاية الذاتية في المجتمع الحديث، وكما هو واضح فالموضوع يبرر ملازمة السطح.

ـ العرض والتقرير Showing and Telling: يتراوح السرد بين عرض موقف بتفاصيله أو الإخبار عنه باختصار، وهو فن يحتاج إلى دراية لئلا يؤدي إلى ملل القارئ أو تسطيح النص. التقرير يناسب المزاج الميال إلى التهكم والسخرية والتمرد.

ـ الإخبار بعدة أصوات Telling in Different Voices: هنالك ما يسميه باختين "الخطاب ثنائي المنحى" doubly – oriented discourse وفيه تصف اللغة فعلا واقعيا ما وتقلد أسلوبا معينا في الكلام أو الكتابة في آن واحد ، كما في أسلوب رواية توم جونز لفيلدنغ الذي اعتمد الأسلوب الملحمي الساخر mock heroic أي تفخيم في الأسلوب لا يدعو إليه المقام المتواضع للحدث.

ـ الرمزية Symbolism : لا يمكن للرواية أن تستخدم الرمز دون تسمية الأشياء بأسمائها أولا قبل تحويلها إلى رموز.

ـ الظهور الخارق Epiphany: وهو مصطلح يعني حرفيا أن ترى الشيء، وتعني في المصطلح المسيحي عرض المسيح في المهد على المجوس الثلاثة. وقد استعار المصطلح جيمس جويس الكاثوليكي المرتد ليستخدمه في الكتابة، فهو يرى أن الكاتب كاهن دنيوي، والظهور الخارق عملية يتحول فيها ما هو معتاد من الأفكار أو الأحداث إلى شيء يمتلك جمالا أزليا عبر حرفة الكاتب وفنه. والآن أصبح المصطلح يطبق على أي مقطع وصفي يُشحن به الواقع الخارجي بدلالة متعالية بالنسبة للمشاهد. وهو يقابل في السرد التقليدي الحدث الحاسم. في "صورة الفنان شابا" يقدم جويس منظر الفتاة التي تخوض في ماء البحر وقد شمرت عن تنورتها فيصعّده إلى مستوى الكشف لدى الراوي الذي يدفعه إلى أن يلتزم مهنة الفنان على حساب السلك الكهنوتي.

ـ المصادفة Coincidence: هنالك في الرواية تناسب حرج بين تحقيق البنية المنتظمة وبلوغ الختام المسبب من جهة ومحاكاة عشوائية الحياة وانفتاحها على المفاجآت من جهة أخرى. المصادفة التي تفاجئنا في الحياة الواقعية بطريقة غير متوقعة مفيدة في الرواية، لكن الإكثار منها يهدد مصداقية السرد. يعتمد تواتر المصادفات على نوع الرواية والحقبة التي تتناولها.
ـ الراوي غيرالموثوق The Unreliable Narrator: من المعروف أن السرد القصصي متخيل وغير موثوق برمته، لكن على الروائي أن يؤسس في سرده لمصداقية بعض الشخصيات وعدم مصداقية شخصيات أخرى داخل نطاق العالم المتخيل ليشد القارئ ويزيد المعنى عمقا.

ـ الغريب The Exotic: قد يذهب الروائي إلى مناطق غريبة نائية مدهشة كما فعل غراهام غرين وجوزيف كونراد.

ـ المدة Duration : وهي تشير إلى التناسب بين فترة وقوع الأحداث الواقعية والفترة المطلوبة لقراءة تسجيل سردي عنها، وهو ما يؤثر على إيقاع السرد فإما يزيد من سرعته أو يخفضها. رواية المغامرة هي الأسرع في هذا المجال، بينما رواية تيار الوعي هي الأكثر بطئا.

ـ التضمين Implication : لا يمكن للروائي أن يصف كل شيء في عمله الروائي، لذلك فهو يترك فجوات ومسكوت عنه يقوم القارئ بملئها لكي يتحقق "إنتاج النص"؛ بحسب منظري ما بعد البنيوية. وهذه الفجوات يمكن أن تكون غير واعية من جانب الكاتب وقد تكون متعمدة، ولكنها في الحالتين تقول أشياء مهمة للقارئ. والتضمين مفيد في معالجة موضوعة الجنس في الرواية.

ـ العنوان The Title: العنوان جزء من النص وأول ما نصادفه فيه، لذلك فإن له سلطة قوية في جذب القارئ أو إثارة اهتمامه. كانت العناوين في بداية الرواية أسماء شخصيات مثل "توم جونز"، ثم بدأت تشير إلى موضوعها مثل "العقل والعاطفة" أو إلى غموض يثير الاهتمام فيها مثل "امرأة في ملابس بيضاء"، أو إلى وعد بوصف مكان أو جو معين مثل "مرتفعات وذرنغ"، ثم صارت أبياتا من الشعر مثل "بعيدا عن الزحام المجنون" و "لمن تقرع الأجراس؟". وقد أدخلت الحداثة العنوان الذي يمثل استعارة مثل "قلب الظلام" و "يوليسيس" و "قوس قزح". كما اختار البعض عناوين غريبة مدهشة مثل "الحارس في حقل الشوفان" أو "تاريخ العالم في عشرة فصول ونصف". يساعد العنوان القارئ على تكوين فكرة مركزة عن بؤرة الرواية. ويقال أن ديكنز جرب أربعة عشر عنوانا لروايته "الأوقات العصيبة" قبل أن يستقر على العنوان الأخير. كما أن العنصر التجاري مهم في العنوان فقد غير مادوكس عنوان روايته "الجندي الطيب" الذي كان في البداية "أكثر القصص حزنا" لأن للعنوان الأخير أثرا سيئا على معنويات الناس أثناء الحرب.

ـ ألأفكار Ideas: هنالك اهتمام بطرح الأفكار في الروايات الأوربية يفوق ما هو موجود في الروايات الإنجليزية ربما لأن بريطانيا لم تمر بثورة منذ القرن السابع عشر ولم تتأثر كثيرا بمصائب أوربا (بحسب لودج). يرى لودج أن الرواية الإنجليزية لا تحتوي ما يقابل انجاز دستيوفسكي، وتوماس مان، وروبرت موسل، وسارتر. وبالرغم من أن د. هـ. لورنس اقترب كثيرا منهم في "نساء عاشقات" إلا أن أفكاره ذات طابع شخصي إن لم يكن شاذا وطريفا.

ـ الرواية غير القصصية Non-Fiction Novel: مصطلح وضعه ترومان كابوت لوصف روايته "بدم بارد" (1966) حيث التقى كابوت بالقتلة والمجرمين وسجل ما رآه بطريقة وثائقية بلغت مستوى السرد الروائي في قوتها. وقد انتشر هذا الأسلوب و نشر توماس كينلي روايته "سفينة شندلر" بوصفها كتابا غير قصصي في أميركا لكنها حازت على جائزة الرواية البوكر في بريطانيا.

ـ ما بعد الرواية Metafiction: وهي رواية عن الرواية. هنالك أعمال قصصية تنبه القارئ إلى أنها قصص وإلى إجراءاتها التأليفية. وأولها رواية "تريسترام شاندي" لستيرن. وتظهر هذه الطريقة في الرواية الإنجليزية على شكل التفات جانبي يعلق فيه الروائي على روايته. من أبرز الروائيين في هذا الباب بورخيس الأرجنتيني وإيتالو كالفينو الإيطالي وجون بارث الأمريكي. ويتهم البعض هذا النمط بان فيه نرجسية وانحلالا وتهربا من قيود الفن الروائي.

ـ الغرائبي The Uncanny: قسم تودوروف الحكايات الخرافية إلى ثلاثة أنواع: الأول هو العجيب marvelous وفيه لا وجود لتفسير عقلاني للظواهر الخرافية، والثاني هو الغرائبي Uncanny وفيه يمكن تفسير هذه الظواهر، ثم هنالك الحكايات الفنطازية التي يتذبذب فيها السرد بين الطبيعي والفنطازي في تفسيره كما في قصة جيمس "دورة اللولب".

ـ البنية السردية Narrative Structure: يشبه لودج البنية السردية بالشبكة الحديدية التي تسند البنايات الحديثة. إن لها دورا حاسما بالرغم من أنها غير مرئية.

ـ الالتباس Aporia: وهي كلمة يونانية تعني عموما الصعوبة أو الضياع، وتعني حرفيا ممرا لا مخرج منه. تعني الكلمة في البلاغة شك حقيقي أو مزعوم بصدد قضية معينة وتردد في كيفية الاستمرار في خطاب ما كما في مناجاة هاملت لنفسه "تكون أو لا تكون".

ـ النهاية Ending : كانت جورج أليوت ترى أن النهايات هي نقطة الضعف لدى معظم الكتاب، لكن المشكلة بحسب لودج تكمن في طبيعة الخاتمة نفسها التي هي بحد ذاتها نقيض لحقيقة تواصل التجربة. لابد من التمييز بين نهاية الرواية ـ أي حل عقدة السؤال السردي الذي طرحته على القارئ ـ والصفحات الأخيرة من النص. وليم غولدنغ في نهاية روايته "إله الذباب" يفاجئ القارئ كما يحدث في القصص القصيرة لأن نهايته تضع الأحداث كلها في ضوء جديد. وأود أن أضيف هنا أن النهاية قد تكثف مجمل النص في مشهد درامي مؤثر كما هو الحال في رواية الروائي العراقي الكبير مهدي عيسى الصقر "امرأة الغائب"، وهو الروائي الذي يمثل مدرسة ناضجة للروائيين الشباب في حرفة الرواية.

كانون الثاني 2011








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. السياسي شارل بليه غوديه يعود إلى ساحل العاج بعد تبرئته من ال


.. وسط تجدد للغارات التركية على مواقع في ريف حلب، قوات سوريا ال




.. زيارة جديدة لرئيس كردستان العراق إلى بغداد.. هل ستنجح في حل


.. الآلية الثلاثية تبحث مع عدد من القوى السياسية السودانية مشرو




.. بغداد وأربيل.. بحث تأمين حدود كردستان | #رادار