الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مئوية مدحت علي مظلوم: سينما -قدري الارضروملي-: توطين التعبيرية المعمارية

خالد السلطاني

2013 / 9 / 7
الادب والفن


يصادف في هذه السنة مرور مائة عام على ميلاد المعمار العراقي الرائد مدحت علي مظلوم (1913-1973). ومقال هذه الحلقة، تحية لمئويته وتذكيرا بها.
من ضمن الاعمال الكثيرة والمتنوعة، التى صممها مدحت علي مظلوم (سنشير الى بعضها في نهاية المقال)، تشغل سينما "قدري الارضروملي" (1948)، ، في منطقة علاوي الحلة ببغداد، أهمية خاصة لعدة اسباب. من ضمنها، طبيعة مقاربتها الاسلوبية ولغتها المعمارية المنجزة، والسرعة في تصميمها (يقال ان المعمار صممها بيوم واحد!)، فضلاً على خصوصية موقعها، وطريقة استخدام المواد الانشائية فيها. انها في رأيي، وباختصار، من نماذج عمارة الحداثة البغدادية الممّيزة، بيد انها، مع الاسف الشديد: المنسية، والمهملة، والمهجورة؛ حالها حال، بقية مباني هذا المعمار "المشاغب" و"المتمرد"، لكنه، ايضا، المهم في المشهد المعماري الحداثي العراقي. انها، وايضا باختصار، تبين مدى الجهل والتجاهل، اللذين يلفان سجل العمارة في وطننا، وعدم الاكتراث المصاحب لهما، من قبل المهنيين والاكاديميين والمثقفيين، قبل ان اقول المسؤولين والحكوميين!. وهو وضع، وباختصار جد شديد، مؤلم، وحزين، وغير مبرر، وغير مقبول بالمرة، لكن الاسترسال في الحديث عن ذلك، يخرج عن "مناخات" احتفائنا بالمعمار ومئويته، انها ..حكاية آخرى! حكاية يبدو ان مسلسلها الدرامي الكئيب والبائس لا ينتهي، ولا يريد ان ينتهي!
تعيد مقاربة عمارة سينما الارضروملي، التذكير بتنويعات المنجز المعماري العراقي الحداثي. فعلى قلة عدد المعماريين العراقيين الاوائل، اتسم ذلك الانجاز بتنوع مدهش؛ عاكساً، من ناحية، الرؤى المختلفة لقيمة الفعل المعماري من قبل الرواد العراقيين وادراكهم له، ومن جانب آخر، دلل ذلك المسعى على نزوع المصممين في تبني مقاربة معمارية "شخصية" خاصة بهم، تميزهم عن "الآخرين". لم تكن - وهي المقاربة التى انحاز مدحت اليها والى مبادئها، رائجة في الممارسة المعمارية العالمية، حينما صمم مبنى السينما في الاربعينات. اذ كانت، وقتذاك، شبة منسية. وقد ساهم في تناسيها ظروف ما بعد الحرب، عندما انشغلت العمارة العالمية، وقتها، في ايجاد نهج، أُريد له ان يكون جزءاً لحل مشكلة المدن المنكوبة شبة المهدمة الخارجة تواً من اتون الحرب، وكيفية تسريع اعادة اعمارها ونموها. ولم تكن التعبيرية، المتباهية بتقصي أشكال فنية ساطعة وغير عادية، والمشوبة بالانفعال والحس التأثيري، قادرة ان تتسق مع تطلعات تلك المرحلة وتفي بشروطها المطلوبة. لكن المعمار العراقي الرافض و..البوهيمي، ايضاً، التائق دوما الى التفرد، وجد في التعبيرية اياها، وسيلة تلائم سعيه الطامح نحو التمّيز التصميمي، واستجابة مناسبة لذائقته الفنية.
شكلت مباني دور السينما، التى بدأت تظهر بصورة جليّة في المشهد الحضري البغدادي، حدثاً معمارياً جديداً، وإستثنائياً في قيمته التصميمية. فعدا، ما انطوت عليه تلك المباني من ابعاد بنائية قياسية، وحجوم كبيرة، وغرابة في الوظيفة وجدة في الاحياز، فقد كان تصميمها وتشييدها يتطلبان، بالضرورة، وجود معارف هندسية ومعمارية خاصة، لم تكن متاحة للكثير من الاسطوات البـنّائيين، الذين "احتكروا"، في الغالب، الممارسة المعمارية، ابان تلك الفترة. وبدت دور السينما، المشيدة في العاصمة بغداد، على ندرتها، تعد من ضمن روائع البيئة المبنية المحلية، هي التى بات يشار الى عمارتها بالبنان، عجباً وانبهاراً. لنتذكر، على سبيل المثال، مبنى "سينما سنترال" (بداية الثلاثينات من القرن الماضي)، في شارع الرشيد بمنطقة حافظ القاضي، والتى ازيلت فيما بعد، ففي نوعية معالجات واجهاتها (وانا لا اشك، بان مصممها معمار ذو ثقافة مهنية عالية، لا نعرف اسمه، مع الاسف الشديد، كما لا يتذكر كثر صنيعه التصميمي)، تشي بمعرفة عميقة لمختلف التيارات المعمارية العالمية المعروفة. اذ تحيل واجهاتها الرصينة، ذات الاعمدة الآجرية الرشيقة، ومنظومتها التناسبية المتسقة، الى جديد المقاربات التصميمية ضمن ما يعرف بعمارة الحداثة. اما عمارة سينما الزوراء (المشيدة في منتصف الثلاثينات)، في المربعة بشارع الرشيد (يقال ان مصممها: نعمان منيب المتولي)، فانها تمثل، من دون شك، واحدة من أجمل مباني بغداد قبل الخمسينات، لما اتسمت عليه معالجاتها "الآرت نوفويه" من مفردات تصميمية ذات بعد فني، حفلت واجهاتها بها، وانطوت على تفاصيل غزيرة ذات مواضيع متنوعة. ومرة آخرى، ولخصوصية المقال وهدفه، سوف لن نسترسل كثيرا، هنا، في مثل هذا الحديث، الذي يغوي الحفر فيه عن إكتشافات جد هامة، بمقدورها ان تملء فراغات كثيرة يحفل بها سجل عمارة الحداثة في بلدنا.
يصطفي، اذاً، المعمار "مدحت علي مظلوم" مقاربة التعبيرية، المقاربة المحببة لديه، والعاكسة لمزاجه الصاخب، ليجعل منها مرجعية تصميمية في معالجات مبناه. وهو بهذا الاصطفاء، يتخلى عن فهم وادراك "دار السينما" بكونها <مسرح>، تتطلب، بالضرورة، حضور التزيين الزائد، لتتسق مع "مسرحة" الفعل المعماري المتمثل في "اللعب" بالتفاصيل وغزارته. يتوق معمار سينما الارضروملي ان يكون لديه مؤشرات فنية وتكوينية، يستفيد من حضورها في معالجة واجهاته. فيجعل السطوح الصلدة الواسعة المائلة، تتضاد مع فتحات المدخل الرئيس، المحدد بسقف ذي تطليعة خرسانية افقية ذات شكل حر. واذ وجد المعمار، ان تلك السطوح الاسمنتية الفسيحة، المهيمنة على مفردات الواجهة الرئيسية لمبناه، خالية من اية تأثيرات فنية، عدا خطوط تقطيعاتها الهندسية الصارمة، لجأ الى استحداث مفردة تصميمة، هدفها التقليل من شدة "صلادة" سطح الواجهة الفسيح، قوامها نافذة "محفورة" ومؤطرة باطار خرساني من جميع الجهات وموقعة في القسم الاسفل من الواجهة. ان وظيفتها النفعية تكمن في اضاءة حيز الطابق العلوي لبهو السينما. وقد عمد المصمم الى تجزئة مجال هذه النافذة الواجهاتية بثلاثة اعمدة اسطوانية، موضوعة امام شبكة حديدية ذات تزيينات برسوم مكثفة، بغية منحها اهمية تصميمية وتزينية لتقوم باداء دورها على اكمل وجه، وهي في موقعها المميز، المختار لها في الواجهة. يوظف المعمار اختلاف نوعية المواد الانشائية المستخدمة في الواجهات، ويجعل منها وسيلة في زيادة "تعبيرية" مبناه. فبالاضافة الى "البلوكات" المربعة الخرسانية، الشاغلة لحيز كبير من الواجهة، ثمة "سطوح" اخرى تجاورها، مشغولة بالآجر الرهيف (الجف قيم)، يتضاد تحدبها مع "تقعر" سطوح التقسيمات الاسمنتية، عاكسةً نزوع المعمار، في امتداد تأثيراتها الفنية باتجاه الزقاق المجاور لمبنى السينما.
يهتم المعمار في خلق بيئة داخلية "انتريرية" غير عادية لبهو السينما، تتوافق، بحسب رايه، مع خصوصية "العوالم" الغريبة والعجيبة، التى توفرها مشاهد قاعة السينما. من هنا يمكن فهم ذلك النزوع الخاص، الذي اولاه المصمم لانترير البهو، الذي تمثل في فيض من الالوان الصارخة، واستخدام مواد مترفة، فضلا على اهتمامه في نوعية الاضاءة المميزة، غير العادية. وفي النتيجة، فقد جاءت محاولة المعمار في اثراء مفردات فضاء بهو السينما، "معادلا" لذلك الحدث الفريد المقبل عليه مشاهد العرض السينمائي.
على قلة مفردات واجهة مبنى سينما الارضروملي، واختصارها، فان عمارتها تبدو لافته ضمن البيئة المبنية المجاورة، ما اكسبها حضورا مميزاً، لا تزال تتمتع به، رغم مرور عقود عديدة على تشييدها. ويزيد من ذلك الحضور ضخامة مقياس ومقاس المبنى المشيد، وكذلك اسلوب التعاطي مع مفردات التصميم بصورة كفوءة، تؤكد حقيقة ما ذهبنا اليه، بان عمارة السينما، هي، في الواقع، احدى الانجازات الهامة لعمارة الحداثة، في بدء نشوءها. انها، في اعتقادنا، محاولة موفقة من المصمم في توطين مقنع للمقاربة التعبيرية في المشهد المعماري المحلي، كما انها، ايضاً، نموذجاً مميزاً لمفاهيم تلك المقاربة.
انهي مدحت علي مظلوم، المولود في بغداد سنة 1913، تعليمه المعماري من مدرسة ليفربول المعمارية بانكلترة سنة 1939، وعاد الى العراق عام 1940، ثم ما لبث ان نفي الى روديسيا (زيمبابوي الآن)، لمشاركته في تمرد رشيد عالي الكيلاني (1941)، ثم عاد الى العراق سنة 1944، بعد اطلاق سراحه. عمل في أمانة العاصمة (1954) كما توظف فيما بعد في دائرة الشؤون الاجتماعية. اسس مكتبا هندسيا بالاشتراك مع اخيه المعمار سعيد علي مظلوم سنة 1950، وظل يعمل فيه لحين مغادرته البلاد اوائل الستينات الى مصر، ثم عمل في بلدان الخليج لاحقا. صمم مبنى "سوفير" في راس القرية بشارع الرشيد (1946)، ومستشفى الرمد في الصالحية (1949)، ومسبح الامانة <الذي اخذ الحي البغدادي اسمه، من هذا المبنى المشيد فيه: حي المسبح> (1954)، ومستشفى الامراض الصدرية في التويثة (1955)، ومبنى كلية الاقتصاد والسياسة (1956)، وجمعية التمور العراقية بالكرخ (1957)، ومستشفى مرجان بالحلة (1957)، ودارته الخاصة في المسبح: <فيلا وحيدة> (1958)، وكازينو 14 تموز في مطار المثنى <بالاشتراك مع هشام منير> (1959)، وكلية التربية الرياضية في الوزيرية (1959)، كما صمم القصر الاميري بالعين في الامارات العربية المتحدة (1968). توفي سنة 1973، اثر مرض عضال، ودفن بمقبرة الشهداء في بيروت.□-;-□-;-
د. خالد السلطاني
مدرسة العمارة الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أبطال السرب يشاهدون الفيلم مع أسرهم بعد طرحه فى السينمات


.. تفاعلكم | أغاني وحوار مع الفنانة كنزة مرسلي




.. مرضي الخَمعلي: سباقات الهجن تدعم السياحة الثقافية سواء بشكل


.. ما حقيقة اعتماد اللغة العربية في السنغال كلغة رسمية؟ ترندينغ




.. عدت سنة على رحيله.. -مصطفى درويش- الفنان ابن البلد الجدع