الحوار المتمدن - موبايل


إثباتاته، أو مفارقة النص

سلمى مأمون

2013 / 9 / 22
الادب والفن


كان يأتي، بعد انتظار مطوّل، متعللاً بإخفاقات ذاكرته. يحل كضربة مباغتة، فقط لإثبات أنه بإمكانه الحضور حين يشاء وبحسب أولوياته الخاصة. يأتي ليمارس ضربا من الالتفاف الذاتي كنبات اللبلاب حول جذوع الأشجار والعرائش. يصل متلهوجاً ويحط بنفاذ صبر على المقعد وقد تدفقت من شدقيه شتى الهذيانات العمومية وبضع سِير منقطعة عن هموم الخصوصية وعن لب حضوره بعد مخاض مضني من الترقب والتمني والتهيؤ لخوض هذه أو تلك من اللمحات الطريفة أو التشابك بالأشواق الحبيسة وإتحاف التلاقي بدقائق الهفوات والتفاصيل المرهفة وتركها أشد نضارة بمزق النهدات وومضات الحنين الفالتة. ولكن كانت تلك فكرتي حصرياً، أنا المجنونة الملتاثة، عن التلاقي... آنذاك يكون كل منا جالس على منصة مختلفة، متوجه إلى جمهور مختلف، بأولويات مختلفة. فهو مسترسل في سعير منقطع عني، مناف لنداءات خاطري المتوثب الموجوع الذي يرنو إليه كقط. منتظرة، أتحرق لانحسار السرود والتشاكي المبهم وانقطاع إمكانيات الحوار عن الإفادة بأي طرح أية إجابة مفيدة أو حسم لتلك الأمور المنهالة على رأسي بلا شفقة. كنت كمن يتابع عرضا على شاشة ضخمة في ناصية الطريق بعنق ملتو. المفروض أنه آت لأجلي، ولكن الواقع لا يشبه أي من ذلك. فقد كنت دائما أشهد فراراً مدبراً عبر حوار منصرف إلى هوامش متشعبة تمضغ جل الفسحة الهينة المتاحة لنا، بينما نحن الموضوع الجوهري، فسحة ليتملى فقط هيئتي الماثلة أمام عينيه ويتطرق إليها بذكر خاطف. أن ينتبه إلى أنني أنا الانسانة، وطاقة الحب المتدفقة بجوفي نحتل المقعد الملاصق له. ننتظر وصوله..هل سيفعل؟ متى؟ في هذه اللحظة أم التالية؟ وانتظر..... أمعن النظر فيه وفي دخان الحديث المجوف وخلجاتي تقول: يا للخيبة، إنه الآن اشد نأيا منه وهو غائب. وأتجنب أن أقاطعه عشما في أن يفرغ تلك الشحنة المتوحشة الطارئة ( كنت بدايةً، ومن فرط سذاجتي، أحسبها طارئة!) وينتبه إلى وجودي. فانشغل عوضا عن كلامه بالتحديق فيه، أتتبع حركة يديه وعينيه وإيماءاته وحماسة صوته لتلك السير البليدة بمقاييس تلك اللحظات الوامضة. وأتوه عن مغزى وجوده بجواري... أصرخ مَن هذا الكائن: يا ناس!!! لماذا جاء؟ هل لإرضائنا أم ليفرغ توتره وحسب؟ لماذا يقدم وقتنا عمداً إلى التلاشي؟ وإلى متى؟ هل يخفي بذلك المسعى علة ما، تتعلق بي يخشى البوح بها؟ وهل سيجيبني إجابة مباشرة إن أنا ألقيت السؤال!
أتقن تلك الحيلة حتى أخذت تتشكل ثغرة، ما لبثت بمرور الوقت أن استحالت هوة بين ما تزرعه حواراته الصوتية وبين ما أحصده في الحضور الحيّ. فحين يقع في مرمى بصري لا لهجته ولا صفحة وجهه تنتميان لأقاويله تلك ولا إليّ، مهما تمعنته واستعطفته بصمت تظل باهتة، مغلقة في الإبهام. كيف إذن لحضوره أن يتطابق وصوته وتحببه الذي ظل يفيض بأذنيّ وهو بعيد؟ حتى ملامحه الحية مغايرة لتلك التي تعلق بجفوني بعد أن يغادر، فأظل أقارنها ولا أعثر على الشبه المحبب، أعثر فقط على الفجوة. كيف يعقل أنه جالس أمامي بكتلته الآدمية بينما مازلت انتظر مجيئه! هل هكذا يكون التجلي؟ هل هذا هو الحضور الذي أهرقت أعصابي لهفاً عليه؟ إذن حضوره أكبر كذبة، فهو لم يحضر على الإطلاق. بل يظل هناك، مغلفاً بإحكام كغرض هش قيد الانتقال. ربما لطبيعة قاهرة فيه لم يشأ التبسط ليجعل نفسه متاحا أو متناولا في مجرى أخذ وعطاء عكس ما اعتاد قبلي. حد أن يصبح ممكناً!. ما هي إذن فكرته عن التبادل؟ هل هكذا يفهم الخصوصية؟ أم هذا فقط ما أقرّه لي؟ أم أنه يدخر خصوصيته لرهان أفضل؟ أم أنه فقط متعدد السياقات، لاهي، يجوب الأمكنة بالحمول العمومية مطعمة بشيء من التحبب ينثرها ويصنع التابعات! هل يملك صفاً من المريدات المتحرقات لتفضله بالاهتمام ويحاول أن يصبني في ذلك القالب البائس؟....تباً لعقلية الطاووس! ولكن هل أظلمه بهذا الحكم المتسرع؟ ولكن..هل تصرفه ناتج عن سوء الفهم أم مجرد تعمد واستمراء من جانبه لتحقيق الذات بالإبهار على حساب تقليص الآخر؟ يناوشني سؤال أفظع: هل هنالك أخرى موازية في الظلال؟ بحثت وصارعت نفسي واصطرعت مع الوقائع ولم أرس على يابسة! قلت مهلا، مهما يكن من أمر فإنني سأفسح للحكاية الحيز الكافي لأنجزها ومن ثم أحسم أمري...تأرجحت بسلاسل الحوار العميق ومقاصد الشِعر والألوان، ومهدت عشيات التعاضد ممهورة بتواجدي في كبد الضيق، ورذرذت دفقاتي بعبق الأنسام الخريفية وتأرجحت معه حول ذات الأحلام الشقية القصية ومسببات الغضب، وصار ملماً بجميع نبرات صوتي شفاهة وكتابة، ودرجات لون لهاتي وعيوني في كل الفصول، ومذاقاتي العشبية وثيابي وزينتي. وشاركني مزاجات الشاي الأخضر بالليمون وبسكويت الينسون وأشياء أشد فداحة في الجمال من تسطح الحروف. حسبتها معجزة كافية لتثبيت التراب وتظهير ملامح الخطوات، ولكني كنت مخطئة وضالة وارتكبت مأثرة فادحة بعدم التنكر لقلبي، وكوني لم أصبغ أي حرف بلون مغشوش، ولم أتقن الرقص "فوق الرمل..." مضيت وصوتي الداخلي يردد: فلتأت اللطمة، ولكنني على أية حال لن أخسر قلبي!
ظل يأتي ولا أحس بأنه يراني أو يصغي. أو لعله يفعل ذلك بطريقةٍ سحريةٍ ما لا ألحظها ويتقنها وحده دون كل البشر، فيجافيني الأمان. كأنما لا يريد لي الظفر بالأمان. وهل كان يحسه لذاته، أو يكترث بمنحه؟ كأنه يريدني أن أظل ألهث كالفرس خلفه دون وقت مستقطع ويمعن في تشويقي دون أجل معلوم. كان يحضر ويغيب لُبه ولهفه الذي يزعم أنه يحسني ويتفهم ما أريده لنا. يقصيه بحذق ويحظر الانفعال. فقط يراقب ويتشرب وينطق (بروشتة) الكلام المقررة بدقة، ويستظهر ما أقول بحياد تحسبا لحوار قادم قد أسأله أو انتقده فيفاجئني بجملة كنت قد قلتها له سابقا ويتخذها نقطة ضدي. أحسه منتشيا لذاك النصر الطفولي، بينما يرتد باب الرجاء بعنف على قلبي فيضع فوقه كدمة. كان يأتي ليثبت أنه قادر على أن يأتي ليقدم مِنحة القُرب، ولكن بمواصفاته الخاصة. ما هذا؟ ما هذا الذي ارتكبه بحق عمري؟ من يكون هذا الإنسان؟ ولماذا استبقيه؟ وهل مهمته أن يدون ويؤرخ ويهتم حسب أولوياته كأنه متربص وظفته جهة أمنية لاختراق قضية ما؟ أم إسعادي؟ ولكنني لا أحس بأنني سعيدة؟ هل يجهل عاشق إسعاد عاشقه؟ تمددت الشهور بيننا محتدمة، مشوشة، بتتابع متقطع يتقاذفه جيئة وذهابا دون خبر أو حرف بينما يشق البحار والأنهار ويجتاز الترع والحقول والوديان والرمال ولا يحمل الصدى من صوبه رنينا، ولا يخطر بباله أن يهديني بدرب الرجوع ولو ريشة ديك، أو صَدَفة، أو حصاة نيلية فقط لمجرد الإشارة إلى أنه حين مرّ من هناك تذكّرني! ظللتُ أتساءل عن النوايا وعن الإصرار وعن كُنه الوعد وأنا أحس كل شيء يتملص من صوته وأفعاله ولا أعثر على جسد لها في كفيه. ظل يحذق أمامي إخفاء الأدلة الدامغة على أنه يُحب. يا له من محاذر مدرّب، كقاتل متسلسل! يستبدل لفظة) حبي) بلفظة ( وُدي) حتى سألته: " مما تخاف إن كنت بالفعل تحبني"؟..صعقه السؤال فتلعثم وأنهى المكالمة بحجة تلق أخرى في الانتظار..هه....وهل فاتتني تلك الحيلة!

نشع الأثير ملحا وشروحا وجدالات مرهقة حتى تمزقت إرادة المواصلة على نسقه الملتبس الذي استمات على تلقيني إياه ثم إصراره لترويضي عليه كأنه مكرمة. رغم ذلك استمرت الصلة المتوحشة، ولكنها باتت طارئة أكثر، متمرغة عبر شظفه رجوعا إلى. فقد أفلح العنت في طبع أصابعه العشرة بالرماد على قماشة اللوحة المنتقاة بذوق رفيع وإتقان من رأى وأمعن في الرؤية....وأخذت الأيام تهرب بدوننا وهو يزداد ارتباكا وتلعثما ثم تبعثراً ثم تشبّثاً ووعدا بالسقيا، فيما انسرب زمن لا يقاس بمقاييس الزمن العادي. لا تعفّرت خلاله الخطى في مشاوير حية، ولا قطفت الرضا ولا الرؤى السعيدة من أصداء الفنون والمرح. تقهقرت الوعود والخطى والأسباب امتثالاً من جانبه لترتيب خفي، سر رهيب تخير حجبه خوفاً من ما لابد منه. للأسف، حتى سلسلة المفتاح اليتيمة، المنتقاة بمزاج خاص، التقطتها أصابعه على عجل فسقطت خارج الرمز.

طيلة عامين من رماد، تركني متأرجحة بين جحيمين: البقاء بيقين هش أو تراجع كريم. جبنتُ عن إنفاذ التراجع فقد أحببته واستوطن أصقاع فؤادي...فكان التحدي والقتال المرير. كان حبه لي مسئوليتي، كأنما أسلمني قياد الأمر واسترسل في منواله. حمّلني المسئولية وحدي...أن أجر المركبة ويجلس مرتاحا على الرصيف يراقب جهدي ويستحسن الفيض بالتصفيق أو شيء من الصفير المتقطع....وظلت إثباتاته التي يعلل بها ضرورة البقاء تخص ولعه المفرد، ولا تتعلق بي وبما تفشى بيننا منذ الوهلة الأولى ولا تغذي عافية الحكاية. كلما استرسلت في الطواعية تقهقر أكثر....اخذ يدنو ثم يفرّ...يعلو منه اللغط...يحتدم الإخفاق متبوعا بالأسف البارد المكرور....نخوض الاسترضاء ونتحدث عن فرصة أخرى. ولكن.... ولكن الجراح!!! تلوثت ذات الجراح المرة تلو الأخرى بالهجر حتى تعطلت طاقة الاندفاع، توقفت في كبد الإسفلت كمركبة نفد وقودها فجأة، لأن المقاتل يقاتل لهدف واضح، وقد كنت كمن يقاتل ضد نفسه، ويقاتل لأن للحكايات أنساق يستوعبها العقل وليس العيش في تساؤل مرير حولها وحول محتواها المجافي لتواشج المحبين. يقاتل مع مقاتل آخر يؤدي نفس الجهد تجاهه.......تعطلت المركبة وانقلبت

كان يأتي فقط لإثبات أنه قادر على أن يأتي وقتما شاء لينال ما يريد بالطريقة التي يريد بالقدر الذي يشاء...وليس ما نريد. وهل يجهل صياغة ما نريد وهو المفوّه؟ أو لعله يتفلت من ذلك كيلا يخرق نصوصه!.... ولكن ماذا عني أنا؟ ماذا عن إنصافي؟ لماذا اغفل هذا السؤال القاتل؟ تكاثرت الغيابات وتكثف الغبش حول خطاه وتناسلت المغالطات حول اطلاعي وعدم اطلاعي وحول خيارات دروبه وأحلامه ومستقره، وفجأة أدركنا المنعطف الذي لا سبيل لتجنبه. استل سكينه من تاريخ ادعى انه يحز في قلبه كصروف الدهر، وبدون أن يهيئ الروح للبتر المفاجئ، (تكاها) على حجر بارد وشق حنجرتها من الأذن للأذن ثم بكاها بحرقة ونام دون تناول العشاء!..
وفي النهار التالي حزم حقائبه رفقة الغزالة وعبَر! ...................................








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مسرحية جورج خباز: غزل بالهوا الطلق مع حراسة مشددة ????????


.. المتحدة للخدمات الإعلامية توقف التعامل مع المخرج محمد سامي


.. صالات السينما في البحرين تعود للعمل بعد إغلاق دام أكثر من عا




.. بتوقيت مصر | اغنية انسي انسي | Rai-نا


.. Go Live - المنتج والمخرج ايلي معلوف