الحوار المتمدن - موبايل


المثقفون المصريون وغواية المسرح

هاني أبو الحسن سلام

2013 / 10 / 8
الادب والفن



تمهيد : تشكل الغواية أساس كل لون من ألوان الخروج على المألوف ، ومع أن نشأة فن المسرح في البلاد العربية ، كانت بمثابة انحرافة حادة في مسيرة التعبير الإبداعي العربي التي قادها الشعراء في العصر السابق على الإسلام ، وتوهجت في العصرين الأموي والعباسي ؛ إلاّ أن جاذبية فن المسرح بوصفه المجال الأكثر فعالية (حضوراً وتجسيداً) في قبول الآخر قد أغوى عدداً غير محدود من كبار الكتاب والمفكرين السياسيين والأدباء والمثقفين ، حيث اجتذبتهم الكتابة المسرحية إبداعاً أو نقداً ، في إطار حركة المد الثقافي التحرري المتقطعة والمتقاطعة مع حركة الجزر التي مرت بها البلدان العربية على مستوى القضية الوطنية والقضية السياسية والقضية الاقتصادية.
وتبعاً لذلك حظيت الكتابة الإبداعية في المسرح المصري بنصوص أسهم بعضها إلى حد بعيد في ضخ دماء الفكر التنويري تأصيلاً لإضاءات فكرية وثقافية في مسيرة المد الثوري للحركة الوطنية ، التي سعت نحو كسب التأييد لقضايا التحرر الوطني ، أو تلك التي رفعت شعار القومية العربية أو تلك التي تحض على استشراف حياة ديمقراطية وضبط علاقة الحكام بالمحكومين أو تعرض للفوارق الطبقية، في اتجاه مسألة العدالة الاجتماعية.
ومن بداهة القول أن تلك الكتابات على اختلاف مقاصدها الفكرية قد أثرت إلى حد بعيد في إعادة إنتاج الواقع الثقافي في الستينيات. وهو أمر اختلف أشد الاختلاف في المنتج الثقافي في السبعينيات وفي الثمانينات وصولاً إلى انتكاسة ثقافية حقيقية بدءاً من عصر التسعينيات .
وهذا البحث محاولة استقراء للواقع الثقافي المصري وتحولاته انطلاقاً من كتابات إبداعية مسرحية لعدد من المثقفين الذين لم تكن الكتابة المسرحية من شواغلهم الأساسية أو المحورية فمنهم من انشغل بالسياسة ورأى في المسرح أداة يكسب بها التأييد لمعتنقاته السياسية ، ومنهم من أغوته ترجمة نص مسرحي أو أكثر من نص، لممارسته الكتابة في نص مسرحي أو أكثر، ومنهم من شغف بتجربة مسرحية عالمية فوجد فيها إغواء له على احتذائها في نص مسرحي ، بما هو أقرب إلى التعريب أو التمصير اقتباساً أو إعداداً، ومنهم من أراد اختبار مقدرته على كتابة نص مسرحي .
ومن بين أولئك وهؤلاء كانت كتابة لطفي الخولي المسرحية الذي شغلته القضية السياسية وكرّس لها حياته وأغواه المسرح وسيلة فاعلة لكسب التأييد لقضايا سياسية وديمقراطية (القضية – قهوة الملوك – الأرانب) ومنهم من شغل بوقفة مسرحية ربما تكون الوحيدة مثل أحمد عباس صالح بمسرحية (أبو ذر الغفاري) أو شغلته قضية قومية مثل الزعيم (مصطفى كامل) في مسرحيته الوحيدة (الأندلس) ومنهم من جذبه بريق خشبة المسرح فأغواه بعيداً أو قريباً من همه التخصصي في مجال التعليم الجامعي أو تطبيقاً موازياً أو نشاطاً بديلاً كما هي الحال عند كل من: د.رشاد رشدي – د.عبد الغفار مكاوي – د.سمير سرحان – د.محمد عناني – د. عبد العزيز حموده – د.أحمد عتمان – د.أبو الحسن سلاّم – د.أحمد سخسوخ – د.محمود نسيم وغيرهم)
فقد وجد هؤلاء الكتّاب حضاً من أفكار تشغلهم وتلح عليهم ليكتبوها في شكل مسرحي ؛ فمن الأفكار والمضامين ما يستدعي الشكل الملائم فنياً لتجسيده والتعبير عنه ، ومن الأشكال أيضاً ما يستدعي فكرة أو يتنادى مع مضمون يرى كل منهما أن يتزاوجا إعماراً للواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي ، في اتجاه إحسان الحياة المشتركة . وفي المستوى الثاني يتعرض البحث لتحولات الواقع الثقافي .

المبحث الأول:المسرح المصري بين ثقافة القوة وتحولات الفكر الإبداعي

يبدو القول بأن المجتمع العربي غارق في الثنائيات إلى حد الانفصام قولاً مجانباً للصواب ؛ فالمفهوم الواحد والمفهوم المضاد له يعملان في ثقافتنا معاً وفي وقت واحد. (العلم والإيمان – الضرورة والحتمية – التغير والاستقرار – الجبر والاختيار – المادية والمثالية – الديمقراطية والدكتاتورية – التأميم والخصخصة – التقييد والانفتاح – القطاع الخاص والقطاع العام - الثوري والرجعي – الانحياز والحياد – البيروقراطية والثورة الإدارية – البدائي والعصري – المقاومة والاستسلام – القومية والوطنية – المحلية والعالمية – الأمن والتهديد – السلام والاستسلام – الحرب والسلام – الإيمان والإلحاد العنترية والتخاذل – التحرر والتبعية – التأييد والشجب) مع ذلك نجد أحدهما هو المعلن ونقيضه الغائب هو المتحقق الفعلي على أرض الواقع. ومما يثير الدهشة أنها ثنائية لا مندوحة عنها في مجتمعات تتأرجح ما بين التخلف والتنمية فطالما كانت هناك تفاعلات حراك اجتماعي في اتجاه النمو على الصعيد الاقتصادي والسياسي ، ازدهر الحوار ما بين المواجهة الصراعية للمفاهيم مرة والمواجهة المتقاعسة في اتجاه حالة من التوافقية الثقافية. أما إذا ظلت تلك المفاهيم المتعارضة على حالة من المحاورة دون حوارية النقد الذاتي في مسار توافقية ثقافية فكرية واجتماعية ووقفت عند حدود التلفيقية ، فستظل مجتمعاتنا على حالها من الثبات الاجتماعي والاقتصادي والثقافي – وهذا ما يبدو قائماً فينا حتى الآن – حيث نرى الثقافة الاقتصادية وهي تحرك المؤسسات الثقافية في فترات الانتكاسات السياسية والهزائم العسكرية نحو الانحياز الثقافي القدري والمهادنة الذليلة مع الأعداء التاريخيين - وبعيدة عن مسار الثقافة المدنية . يقول بانفيلد Banfield " إن الانحياز الثقافي القدري يعوق العمل الجماعي الضروري لدعم التنمية الاقتصادية والنظام السياسي الديمقراطي " وقد تمكنت النظم العربية الحاكمة منذ هزيمتها المدوية في فلسطين 1948 على أيدي عصابات صهيونية منظمة من ترسيخ لون من الثقافة القدرية هو بمثابة استجابة مدروسة للعيش المستكين في بيت الطاعة تحت راية (المستبد العادل) المستأسد على شعبه والمذعن للإملاءات الخارجية . على أن الخروج على تبعية ذلك (المستبد العادل) الذي تتغير صوره ، لا تنفك تسلمنا إلى تبعية مستبد عادل آخر بوجه جديد أو بقناع جديد في ظل مناخ الثنائيات المفهومية نفسها أو على مسارها ، في فترة مد انقلابي أو ثوري يفرض علاقات القوة على كل مناحي الحياة فتهمش الثقافة المدنية التي بدت في متناول الحياة الاجتماعية مع بداية التوهم بالانفلات من تبعية (المستبد العادل) الذي سبقه.
وفي ظل حالات التذبذب في مناخ الثنائيات المفهومية أنتج المسرحيون في مصر إبداعاتهم في النص وفي العرض وفي النقد الأدبي والفني ، شأنهم شأن الأدباء والشعراء والفنانين ، استئناساً أو تأثراً بالحركة الفكرية المتذبذبة وعلو صوت المثقف العضوي الذي أشار إليه (جرامشي) .
وهذا البحث من ناحية ثالثة هو محاولة تحليل الظاهرة الثقافية المصرية – العربية وتذبذبها من خلال الإبداع المسرحي بما ينطوي عليه من انحياز ثقافي حاد نحو مساندة (نظرية الكل في واحد) أو (المستبد العادل) كشفاً وتفسيراً لمسارنا الثقافي ما بين دورة التأرجح المستمرة على مدار تاريخنا كله ما بين الثبات وطفرات التغير ، على نحو يكشف عن دور علاقات القوة بين التوجهات الأيديولوجية والنظم السياسية في تفاعلاتها المتبادلة وفي مساندتها بعضها بعضاً.والتوظيف الدرامي للمادة الإثنولوجية للمزيد من كسب التأييد لتلك النظم السياسية .
ولقد مر المسرح المصري منذ نشأته في عام 1870م بالعديد من انعكاسات المراحل السياسية وآثارها الإيجابية والسلبية. وقد تباينت تلك الآثار ما بين تعريض اجتماعي نقدي وتعريض سياسي أو تحريض سياسي وما بين تعويض أو تمريض سياسي في حالات الهزيمة والانتكاسات انتهاء بمرحلة الترويض الثقافي والسياسي في ظل عالم العسكرة الكونية التي تتزعمها العصبة الأمريكية الحاكمة . وعبر رحلة تتبع مظاهر تلك المسيرة في رحلة المسرح المصري نقف عند محطات تلك الظاهرة المسرحية في تحولاتها التي يمكن رصدها في ست مراحل ، على النحو الآتي :

:

أولاً: مرحلة التعريض الاجتماعي:
حيث اتجهت العروض المسرحية الكوميدية إلى النقد الاجتماعي الكاريكاتيري للعلاقة بين الأغنياء وشريحة الموظفين من الطبقات الدنيا.
ثانياً : مرحلة التعريض الاجتماعي والسياسي:
التي بدأت محدودة في الثلاثينيات وما تلاها من سنوات خلال بعض الأوبريتات (العشرة الطيبة – شهرزاد – يوم القيامة – ليلة من ألف ليلة وغيرها) وأعمال فرقة الريحاني وفودفيلاته المسرحية و (مصر القديمة مصر الجديدة) لفرح أنطون وبعض مسرحيات أمين صدقي.
ثالثاً: مرحلة التحريض السياسي:
التي ظهرت في عروض مسرحية لعدد من الكتاب ( وطني عكا – الفتى مهران) لعبد الرحمن الشرقاوي ، (المحروسة – كوبري الناموس – سكة السلامة) لسعد الدين وهبة ، (سقوط فرعون – حلاق بغداد – سليمان الحلبي – الزير سالم – النار والزيتون – ألحان على أوتار عربية – علي جناح التبريزي وتابعه قفه) لألفريد فرج ، (الناس اللي تحت – الناس اللي فوق – عيلة الدوغري) لنعمان عاشور ، (الأيدي الناعمة – السلطان الحائر – شمس النهار – الورطة) لتوفيق الحكيم ، (الناس اللي في السما الثامنة) لعلي سالم ، (حكاية من وادي الملح) لمحمد مهران السيد ، (القضية - قهوة الملوك – الأرانب) للطفي الخولي ، (جمهورية فرحات – اللحظة الحرجة – ملك القطن - الفرافير) ليوسف إدريس.
رابعاً : مرحلة التمريض السياسي :
وهي المرحلة التي أعقبت هزيمة 1967 إذ ظهرت مسرحيات (رأس العش – المسامير – يا سلام سلّم – بير السلم – سبع سواقي) لسعد الدين وهبة ، (نور الظلام – حكاية عم أحمد الفلاح – عيون بهية – بلدي يا بلدي) لرشاد رشدي ، (أوديب أو أنت اللي قتلت الوحش- أغنية على الممر – الملوك يدخلون القرية) لعلي سالم ، (مأساة الحلاج – مسافر ليل – الأميرة تنتظر – بعد أن يموت الملك) لصلاح عبد الصبور ، (بنك القلق) لتوفيق الحكيم ، (مآذن المحروسة) للسلاموني ، (يحيي ويميت) لنجيب محفوظ ، (منين أجيب ناس – الذباب الأزرق – الكلمات المتقاطعة – الحكم قبل المداولة – قولوا لعين الشمس) لنجيب سرور، (الحسين ثائراً – الحسين شهيداً) للشرقاوي ، (ليلة مقتل جيفارا – ثورة الزنج) لمعين بسيسو .
خامساً :مرحلة التعريض السياسي :
مع سياسة الانفتاح الاقتصادي الاستهلاكي بعد حرب 1973 انقلبت الكتابة المسرحية رأساً على عقب ، حيث انبرى عدد من الكتاب في التعريض السياسي بفترة الستينيات . وقد استهل الحكيم هذه الوجهة النقدية تعريضاً بتلك الفترة بكتابه الشهير (عودة الوعي) وتلاه بمسرحياته القصيرة (مجلس العدل – حصحص الحبوب – الحمار يفكر – الحمار يؤلف) وكتب يوسف إدريس (المخططين) ينتقد فيها الخط الفكري الواحد والنظام الشمولي . ومن صور التعريض السياسي بمرحلة الستينيات وتطبيقاتها ما عرض في نهاية الستينيات من عروض (عسكر وحرامية) ، (أنت اللي قتلت الوحش "أوديب") وغيرها أو ما عرض في السبعينيات وفي الثمانينيات مثل (يحيا الوفد – البغل في الإبريق – حضرة صاحب العمارة – ياسين ولدي) لفرقة تحية كاريوكا (ع الرصيف - الوزير العاشق – دماء على أستار الكعبة) لفاروق جويدة ، (دستور يا أسيادنا) لمحمود الطوخي ، (الأنون وسيادته) لأسامة أنور عكاشة ، (المليم بأربعة) للسلاموني، (إيزيس حبيبتي) لميخائيل رومان ، (باي باي يا عرب) لنبيل بدران ، (راقصة قطاع عام) ليوسف عوف والتي تنتقد فكرة التأميم وتبالغ في تصويرها حيث تؤمم الدولة حرفة الرقص والراقصات وتوظف عليها مشرفاً حكومياً يصادر هبات المتفرجين (النقطة) ويضبط الحضور والانصراف لأعضاء فرقتها الموسيقية في أسلوب تهكمي كاريكاتيري.
سادساً : مرحلة الترويض السياسي : في ظل محاولة النظام المصري الحاكم لتصفية شركات القطاع العام والإسراع ببيعها تحت مفهوم سياسة الخصخصة، ومع استقرار ثقافة الانفتاح الاستهلاكي طفت على سطح الحركة الثقافية ثقافة التفكيك والتشظي في التجزئة الإنتاجية في كل مناحي الحياة الاقتصادية. وقد انعكس ذلك التوجه على المسرح فرأينا تجار المخلفات والسماسرة والمقاولات يقتحمون مجال الإنتاج السينمائي والغنائي والتليفزيوني والمسرحي ، ولم يكتف بعضهم بعملية الإنتاج بل مارسوا عملية الكتابة الدرامية أيضاً وزاحموا المبدعين الحقيقيين . وربما كانت الطامة الكبرى في تدخلهم في فرض أسماء النجوم وإقحام أشخاص غير موهوبين من بين الفتيات أو الفتيان من أتباعهم أو من أخوتهم وأبنائهم. أما الإبداع المسرحي نفسه فقد استهدف السير على طريق ترويض الثقافة الوطنية في اتجاه تهميش الهوية والميل نحو التبعية الثقافية بعد أن سرنا شوطاً كبيراً على طريق التبعية السياسية والاقتصادية ، وإن ظل عدد من المبدعين والمفكرين والنقاد الوطنيين مستمسكين بعرى الهوية الوطنية والقومية. ومن الكتابات المسرحية الداعية للتطبيع مع الكيان الصهيوني كانت مسرحية رشاد رشدي (حبيبتي شامينا) ومسرحية (حلم يوسف) لبهيج إسماعيل ، الذي رأي أن حل مشكلة (فاطمة) للن تتحقق إلاّ بزواجها من (يوسف) ؛ فإذا نظرنا إلى فاطمة على أنها معادل رمزي لفاطمة الزهراء ابنة رسول الإسلام ؛ وإلى يوسف باعتباره معادلا رمزيا للنبي يوسف بن يعقوب ؛ نستخلص الدلالة التأويلية التي أشرنا إليها.
ومن المسرحيين الذين استمسكوا بالهوية القومية في أعمالهم (يسري الجندي، ومن أشهر مسرحياته في ذلك الإتجاه ( اليهودي التائه) ونصوصه المستلهمة من التراث الشعبي المصري مثل ( على الزيبق) ومن التراث العربي ( السيرة الهلالية)ومن كتابنا المسرحيين المستمسكين بالهوية أيضا نجد الشاعر ، الكاتب المسرحي مهدي بندق ، وله مشروع قومي يتناول التاريخ الفرعوني المصري ، والتاريخ العربي ويعالحه معالجة حداثية تتبع إشراقات من تاريخنا المصري القديم ، ومن تاريخنا العربي أيضا ليعيد إنتاجها في نسق حداثي تنويري. ومن الشعراء وكتاب المسرح أيضا سمير عبد الباقي ، ومنهم محمد أبو العلا السلاموني ، ولينين الرملي، وأسامة أنور عكاشة . ومن مخرجينا المسرحيين جلال الشرقاوى ، ومحمد صبحي وعصام السيد ) . بالإضافة إلى بعض الكتاب الكبار مثل (ألفريد فرج ، محمد سلماوي ) وفي المقابل ظهرت كتابات محدودة لا تمثل ظاهرة في ذاتها ، وتبدو باهتة في مسيرة الإبداع المسرحي في هذه المرحلة تلمح بالتطبيع . ومن الواضح أن محاولات ترويض المنطقة العربية سياسياً قد وجدت لها مسارب عبر فن الأغنية الذي نحا نحو (الكليب clip) بحكم انتشار هذا الأسلوب الفني وتفشيه عبر القنوات الفضائية فأصاب ثقافتنا بعدواه حتى رأينا عروضاً مسرحية شبابية يقوم بناؤها الدرامي خليطاً متشظياً من عناصر متداخلة في فوضى منظمة متجاورة في إطار العمل المسرحي الواحد بما يتعذر معه على المتلقي الحصول على معنى تام لما يقدم ، وهو أقرب إلى تحقق فكرة موت المؤلف ونفي النسق الفني عن قصد تغييباً لهوية العمل نفسه.

المبحث الثاني : المسرح المصري وتحولات الثقافة الاجتماعية
مثلما كانت حاجة الإنسان القديم إلى المسرح وظيفة مساعدة للوظيفة الدينية في مسعاها التطهيري ، كانت حاجة الإنسان الحديث والمعاصر للمسرح تطهيرية الهدف في اتجاه حضه على السمو من ناحية وفي اتجاه حضه على التغيير من ناحية ثانية " تغيير بعض القيم والفكر العقيم الذي يربط الفكر الإنساني ويقيد قدراته العقلية والتخييلية بديلاً عن تغييرها لدى الفرد ، ثم المجتمع ، تمهيداً لتغييرها عالمياً حتى يحسن الناس حياتهم المشتركة ؛ أي دفعاً إلى سمو البشرية انطلاقاً من مدخل صراع الغالبية المعدومة ضد قهر النخب المسيطرة على المجتمعات " ولأن الثقافة الاجتماعية في ظروف تاريخية تطورية بذاتها ولعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية ومؤسسية تعزز استعداد المجتمع للخروج على التقليد وطرح فكر جديد . وابتكار ثوري.وهي ظروف أخرى تمثل بيئة محبطة لكل عوامل الابتكاروالتجديد" ؛ فقد تبدلت أحوال المسرح وإبداعاته مع تبدل الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في مصر من واقع شمولي يرفع شعار التعدد وتداول السلطة مروراً بمرحلة مرتبكة مازلنا نعيشها منذ هزيمة 1967 ، وإن زادت مع مطالع القرن الحادي والعشرين ، وهي الفترة التي تسارعت فيها التحولات بما انعكس على الواقع الاجتماعي والثقافي بانعكاسات سلبية أهدرت فيها حقوق المواطن في الداخل وحقوق المواطنة والوطن في الخارج وطمست فيها الهوية أو كادت بالتهميش والتهويش الإعلامي وثقافة الكليب في الفنون وفي التعليم وثقافة take away في الغذاء . وقد انعكس ذلك كله على المسرح حتى أخذ على ما ينتج مسرحياً بعده عن الأصول الثابتة في الفن المسرحي ، مما لفت د.محمد زكي العشماوي دون أن يقر بطبيعة التداخل الثقافي والتقني الذي شاب عصرنا أو يعزوه إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية بتوجهاتها الاستهلاكية إذ يقول : " ولعلنا جميعاً متفقون على استبعاد كل ما هو مجرد ازجاء فراغ لا يستند إلى أصول ثابتة في الفن المسرحي كما هو ملحوظ في كثير مما تقدمه الفرق المسرحية هذه الأيام من روايات مقتبسة تعتمد في عرضها على النكتة والحركة والضحكة والاستعراض أكثر مما تعتمد على فكر أصيل يتصل بجوهر حياتنا، وبهذا تحولت عندهم الكوميديا من فلسفة ضاحكة ساخرة إلى تهريج هزلي لا أبعاد له "
وتجرنا صرخة الدكتور العشماوي إلى فكرة الهوية على النحو الذي عرفناه عند أرسطو الذي يرى أن (أنا هو أنا) وهي بالطبع معادلة لا تكون صحيحة إلاّ مع ثبات الوسط البيئي ، فمع معطيات البيئة المتغيرة تتغير الـ(أنا) الفردية كما تتغير الـ(نحن) لأن هناك تفاعلات جدلية بين الجزء والكل في الوسط الواحد ، ففكرة التشبث المطلق بالأصول فكرة شوفونية ولو كان الناس يتشبثون بالأصول باعتبارها المقدس الذي لا يجب المساس به ، لما تقدمت الأمم ، والآداب والفنون بوصفهما إبداعاًَ لا يقران بالثبات ، لأن الإبداع هو تخليق الرؤى والعوالم الجديدة ، ومعنى ذلك أن لكل ما هو أدب أو فن موقفاً مفارقاًَ لما هو موجود – إلى حد ما – أو إلى مالا حدود. وكل بناء جديد ، قائم على عملية هدم جزئي أو كلي لبناء قديم – بتعبير جوته Goethe - . كما أن مهمة الثقافة هي نهش عرض العادات والتقاليد – بتعبير فولتير Voltaire . يقول إدوارد سعيد : " إن تاريخ الثقافة الإنسانية هو تاريخ استعاراتها الثقافية بعضها من بعض" ويرى فوكوه أن : " كل شيء يردد صدى شيء آخر فليس هناك ثمة خطاب ثابت لكل الأزمنة "
وما بين أحوال السياسة والانتقالات الفجائية غير المدروسة والمرتبكة دون مخططات حقيقية في النظم السياسية والاقتصادية عانى المجتمع المصري وعانت ثقافتنا حالة من الارتباك في فلسفة المخططات الإبداعية الإنتاجية في محورين رئيسيين من محاور الإنتاج الإبداعي المسرحي والسينمائي والغنائي أدباً وفناً وتلقياً ونقداً وإعلاماً ، وهو أمر يرجعه د.أبو الحسن إلى طبيعة مرحلة التحول التي يشهدها الوطن منذ بداية الثمانينيات في النظام السياسي والاقتصادي ، بعد التذبذب الواضح والخلخلة في القناعات الفكرية والمخططات والبرامج التي واكبت بداية مسيرة التحول نحو ما أطلق عليه في الستينيات (التحول العربي نحو الاشتراكية ) – ذلك الذي لم يزد عن كونه تحولاً نحو (رأسمالية الدولة) ، وذلك بسبب الهزيمة العسكرية والسياسية في يونيو 1967م .
ويمكن رصد مظاهر ذلك الارتباك في عدد من النقاط أو المعوقات :

أولاً: اختلاف التوجهات والأهداف العامة للدولــة
مع جمود التوجهات الإنتاجية في مجال المسرح :
• في الفكر الإبداعي ، وفي الفكر التنظيمي والاقتصادي ، وفي الإنتاج والتسويق وانعدام الخدمة .
• التمدد السرطاني في كل من الهيكل الإداري والفني مع ضمور جهاز العمالة الفنية في دور العرض .

• التناقض الواضح في دور العرض وتدهور حالة الدور القائمة منها فعلاً (معماراً وتجهيزاً وأجهزة وأدوات ؛ نتيجة غياب الصيانة وانعدام التجديد والتحديث المنضبطين).
• جمود أجور الفنانين في مسارح الدولة ، مع تمدده في القطاع الخاص .
• ضحالة دور الدعاية للعروض المسرحية وللنجوم قياساً على الدعاية الخاصة بالعروض التجارية للقطاع الخاص.
• قصر فترة العرض (شهراً واحداً) حرصاً على تشغيل النجوم والفنانين المكدسين في الفرق ، والذين لم يعملوا في العرض القائم فعلاً .
وإذا كانت تلك السلبيات من داخل الحقل المسرحي نفسه ، فهناك (سلبيات من خارج الحقل المسرحي) تمثلت وفق في : اختلاف طبيعة التلقي والفرجة تبعاً لاختلاف التفاعلات الاجتماعية - التوجه الاستهلاكي للجمهور بدءاً من السبعينيات – ارتفاع ثمن تذكرة الدخول مع جمود حركة الأجور – الدور السلبي لوسائل الإعلام المتمثل في العرض المتكرر للمسرحيات الهزلية مع حجب العروض المسرحية الجيدة – ضريبة الملاهي وما تمثله من عبء ثقيل على الإيراد – الدعاية وما تمثله من عبء ثقيل على اقتصاديات الإنتاج – انعدام جسور التعاون بين الأجهزة المحلية وإدارة المسرح خاصة في المحافظات التي تمتلك دوراً للعرض المسرحي – انعدام الخدمات حول المسارح (مواقف السيارات) وتأتي السلبيات الخارجية من خارج ثقافتنا المحلية والعربية متمثلة في بدايات تعاملاتنا مع التكنولوجيا وأجهزتها الحديثة، وما يشوبها من توظيف تلهوي ، غير منتج للمعرفة وربما غير محصل للمنتج المعرفي الذي تزخر به شبكات المعلومات والمعارف التكنولوجية والفضائية العالمية .


ثانياً : المتغيرات الدولية : وتتمثل في :
(تدويل الفراغ – تدويل تهديد حياة البشرية – علاقات التبادل غير المتكافئ بين دول متقدمة والدول العربية – عدم تدويل العلاقات الاجتماعية – إقامة نظام فوقي هرمي تحت شعار (نظام عالمي جديد) – إجهاض الدول الرأسمالية الكبرى بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية لمساعي البلدان النامية وتجميدها – التحكم عن بعد في العقول المفكرة – التبعية التكنولوجية والمعلوماتية المعرفية والعلمية والتبعية الغذائية. ومع تعميق الهوة بين ما نحن عليه من غياب عن تحقيق الحد الأدنى من الوفاء بمتطلبات الحضور الاجتماعي المدني والثقافي المتعدد الأصوات وبمتطلبات الحضور المعلوماتي والاقتصادي والتكنولوجي والعلمي والتنظيمي والثقافي) ، فضلا على ما يفاجئنا من متغيرات عالمية سريعة ومتدفقة ، مع استمرار سيطرة الصوت الواحد وتفرده في مجالات وضع السياسات وفي التسرب الفكري المتزمت عبر تزاحم فتاوى التكفير في القنوات الفضائية والزوايا وعبر دكاكين الكتب الصفراء وأشرطة الكاسيت التي تتعثر فيها أقدام المشاة على أرصفة شوارعنا وحوارينا ومحطات وسائل مواصلاتنا
وبناء على ما تقدم نرى أن حركة الإبداع الثقافي والإبداع الأدبي والفني في المسرح والسينما وفي الغناء أيضا، عاجزة عن مواكبة المسيرة العالمية، ومحصورة في زاوية سياسات الترويض الثقافي في ظل سيادة (نظرية الكل في واحد) على الصعيد المحلي متمثلة في الإدمان الزمني لسلطة المستبد العادل و(نظرية الكون في واحد) على الصعيد العالمي ، الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة الأمريكية
ولو عدنا لمرحلة الستينيات سنجد المسرح يسعى نحو كسب التأييد لفكرة (الكل في واحد) فهذه مسرحية (الفتى مهران) ومسرحية (عرابي زعيم الفلاحين) ومسرحية (الحسين ثائراً) و(الحسين شهيداً) للشرقاوي و(الفرافير) ليوسف إدريس و(السلطان الحائر) و(شمس النهار) للحكيم ، و( سليمان الحلبي) لالفريد فرج. والحال لم يتبدل من السبعينيات للتسعينيات، فقد تمثلت فكرة (الكل في واحد) في مسرحية (الوزير العاشق) و(دماء على أستار الكعبة) و(الخديوي) لفاروق جويدة وفي ( رحلة العذاب أوامرؤ القيس – رجل القلعة – ست الحسن ) للسلاموني و(جحا والواد قلة – الهلالية) ليسري – على الزيبق ) ليسري الجندي . في حين ظهرت مسرحيات أخريات سواء مع صعود نظام يوليو 1952 أو بعد هزيمته وسقوط شعاراته وارتباك برامج نظامه السياسي والاقتصادي ، إذ رأينا مسرحيات تناهض فكرة المخلص مثل (ياسين وبهية- آه يا ليل يا قمر – قولوا لعين الشمس – منين أجيب ناس ) لنجيب سرور، ومسرحيات صلاح عبد الصبور : ( مأساة الحلاج – الأميرة تنتظر- بعد أن يموت الملك – مسافر ليل) و(المخططين) ليوسف إدريس ، و( بنك القلق – الحمار يفكر – الحمار يؤلف ، ومجلس العدل ) لتوفيق الحكيم، ولالفريد فرج ( زواج على ورقة طلاق – على جناح التبريزي وتابعه قفه ) كما أن لمحمود دياب ( الغرباء لا يشربون القهوة – رسول من قرية تميرة للسؤال عن أخبار الحرب والسلام وأرض لا تنبت الزهور – أهل الكهف 82 ) ولسعد الدين وهبة ( المحروسة- كوبري الناموس - سكة السلامة – المسامير – السبع سواقي – الأستاذ- يا سلام سلم الحيطة بتتكلم –مجموعة الوزير شال التلاجة ) ولشوقي عبد الحكيم (الملك معروف) ولميخائيل رومان (الوافد – إيزيس حبيبتي) ولعلي سالم ( أنت اللي قتلت الوحش أو أوديب)
لقد لعبت التوجهات الفكرية في ثقافة كل كاتب على حده حسب قربه من السلطة الحاكمة أو بعده عنها، لعبت دوراً واضحاً ومؤثراً على طبيعة إنتاجه الإبداعي ، بما ينحو فيه نحو التشبث بالهوية الوطنية والقومية ، أو يلقي به على طريق اللهاث خلف قطار العولمة، رافعا شعار التعددية الثقافية، دون أن يدرك هدفه !!


النص المسرحي بين ثقافة التعدد وثقافة الصوت الواحد

تلعب الثقافة الذاتية للكاتب المسرحي دوراً واضحاً في تعميق ثقافة نصه المسرحي . وقد أثرت فكرة التعدد الثقافي في تعميق تناول الحادثة التاريخية عند محمد أبو العلا السلاموني متمثلة في أسلوب كتابته لمسرحية (رجل القلعة) ، وفي توظيفه للمعلومات التاريخية توظيفاً يقارب ما بين معلومة ومعلومة ، بما يقترب من منهج المقارنة دون أن يخل بتقنية الكتابة الدرامية وجمالياتها ، أو يُشْكِل على المتلقي للنص قراءة أو عرضاً ، ودون أن يفوت إدراك مغزى تلك الضفيرة المعلوماتية الدرامية على المتلقي المتعمق الثقافة أو الناقد المسرحي الحقيقي . فالسلاموني يضع أوجه الشبه به نابليون ومحمد علي باشا وجهاً لوجه في إطار التقديمة الدرامية الأولى لمسرحيته ، التي خصها بتقديمتين دراميتين أولهما : تضع محمد علي باشا على قدم المساواة مع نابليون بوصف كل منهما رجل العالم العظيم الطموح صاحب المشروع العالمي. فالتقديمة الدرامية الأولى لنص (رجل في القلعة) خصص لرسم صورة محمد علي باشا العالمية ، في حين خصت التقديمة الدرامية الثانية لصورته في قصره ، فوضع صورته في عيون العالم الخارجي الدولي على ألسنة الجوقة ، تليها صورته في عيون أهل بيته على لسان خدمه : غير أن البعد الواحدي لرسوبيات الثقافة الشمولية تكرس الصوت الفردي في إخراج هذه المسرحية في عرضها الأول عام 1987م ؛ وتفرض على المؤلف ذلك المعنى الثقافي عند إعادة إصدار النص في طبعة هيئة الكتاب :
" .... في النصف الأول من ذاك القرن التاسع عشر..حيث الصمت الممدود على أرجاء الشرق..صعد القلعة رجل يسعى كي يحكم مصر ..ويزلزل هذا الصمت ..وكما اهتزت أوربا أثر مدافع نابليون..اهتزت أيضاً أثر مدافع هذا الرجل الكائن في أعلى القلعة..رجل ملأت أصداء معاركه كل الأرجاء..وبدون مراء..قد كان رجل القرن وبطل العصر..لكن تراجيديا الإنسان..لحقته كما لحقت من قبل رجال الدهر..واتته المحنة كالطوفان..أثر مؤامرة الدول الأوربية في لندن..في بدء الأربعينات لهذا القرن التاسع عشر..هذا هو والي مصر محمد علي باشا .. رجل القلعة "
التقديمة الدرامية الثانية : تدور في بهو بقصر محمد علي باشا بالقلعة :
" محروس : أسمعت ماذا جرى يا ياسمينه ..؟ الباشا أصابته لوثة
ياسمينه : ماذا .. هل أنت جننت ..؟
محروس : الباشا هو المجنون وليس أنا يا مجنونه ..
ياسمينه : أخفض من صوتك يا مجنون وإلا سمعتك الحيطان ..
محروس : لا تخشي يا ياسمينه .. فالأمر الآن مشاع .. حرم الباشا تطلب
مني أن أحضر فرقة زار ..
ياسمينه : (متشنجة) دستور يا أسياد .. "
تطرح الضفيرة الدرامية في التقديمة الأولى إشكالية الضرورة الفنية والضرورة التاريخية وربما كان هذا ما دعا الناقد سامي خشبة إلى أن يتساءل:" ما مدى حرية المؤلف الدرامي في التعامل مع التاريخ؟! أو ما الذي يبرر له أن يحول خياله المستند إلى التاريخ ، إلى بناء فني لابد أن يتجلى فيه أثر من ذات الكاتب المبدع – وأثر من عصره؟! في مسيرة الرجلين من الميلاد حتى الوفاة فسوف تتكشف لنا القيمة الدرامية التي تشكلت بدافع من حرية المبدع في تضفير ثقافته في (إبداعه) البناء الدرامي وفق تقنية الضرورة الفنية ، ومع مقارنة تحليلية لمحتوى المحطات التاريخية الرئيسية في حياة كل من نابليون والباشا تتضح قيمة البنية في التقديمة الدرامية الأولى لنص (رجل القلعة) :
نابليون بونابرت محمد علي باشا
ولد عام 1769 في كورسيكا (بحر متوسط)
طرد الإنجليز من مصر (تحطيم أسطول نلسون بخليج أبي قير)
أدخل القطن في فرنسا
كان قصير القامة
أنشأ المصانع الحربية
كان قائداً عسكرياً
تزوج بامرأتين
مات بمرض السل ولد عام 1769 في "قوله"
(بحر متوسط)
طرد الإنجليز من مصر (حملة فريزر) بكفاح أهالي قرية الحماد
أدخل زراعة القطن في مصر
كان قصير القامة
أنشأ المصانع الحربية
كان قائداًَ عسكرياً
تزوج بامرأتين
مات بمرض بالسل

وإذا كان العرض الأول لمسرحية (رجل القلعة) بإخراج سعد أردش قد أوقف نظرته على تكريس خطاب الصوت الواحد (صوت الحاكم: الوالي محمد علي باشا) وتغييب صوت المعارضة الوطنية حيث حذف المشهد الاستطرادي الذي يمثل المواجهة بين محمد علي باشا والسيد عمر مكرم (مشخصاً بابنه الذي يشبهه) وهو بمثابة المشهد الرئيسي في هذه المسرحية؛ فإن العرض الثاني والعرض الثالث لها 2006/2007 بإخراج ناصر عبد المنعم يؤكد انحياز جيل التسعينات من مخرجي المسرح في مصر لفكرة التعدد الثقافي وتعدد الأصوات ، وهو ما جعله يحافظ على أداء الجوقة (بالغناء الجماعي) للتقديمة الدرامية الأولى تأكيداً لتعدد أصداء العالمية في مجاورة عالمية محمد علي باشا لعالمية نابليون. وكذلك يظهر التباين بين ثقافة جيل ثلاثينيات القرن العشرين وثقافة جيل يوليو 1952 في عرض نجيب الريحاني لمسرحية (حكاية كل يوم) التي حولها إلى الفيلم السينمائي (لعبة الست) ، فعندما أعاد محمد صبحي إنتاج المسرحية نفسها تحت عنوان (لعبة الست) عام 2000 ظهرت ملامح ثقافته الوطنية واضحة في عدد من المشاهد التي دارت بين بطلها (حسن أبو طبق) والخواجه اليهودي (إيزاك) صاحب المحلات التي يعمل بها (حسن) ، حيث أظهر صبحي في إعداده وإخراجه للنص نفور الخواجه (إيزاك) من فكرة الصهيونية ، ومحاولاته المتعددة للتملص والمراوغة حول أمر خروجه من مصر إلى أرض فلسطين ، لأن في ذلك اغتصاباً لأراضي الغير ومحاولة إقناع أفراد المنظمة الصهيونية برأيه وهم الذين يضيقون عليه الخناق للهرب معهم إلى أرض الميعاد خشية دخول قوات النازي التي وصلت إلى العلمين . وتأكيداً لمصرية المصريين (مسلمين ونصارى ويهود) يوظف المخرج صبحي أغنية سيد درويش وبديع خيري الشهيرة على هيئة مصاحبة غنائية في خلفية الموقف الدرامي :

"قوم يا مصري مصر دايماً بتناديك خد بنصري نصري دين واجب عليك"
تلك التي توحد بين أبناء مصر وتحذر من دعاوى الفرقة بينهم . وهذا بالطبع لم يكن موجوداً في النص الأصلي لبديع خيري والريحاني ، لأن ثقافة ذلك العصر لم تكن ترى أي فرق بين مصري مسلم ومصري يهودي ومصري مسيحي ، فالدين للديان والوطن للجميع. غير أن ثقافة العصر الآن في ظل التعصب الديني والمذهبي على المستوى المحلي وثقافة التفكيك في ظل الهيمنة الاستعمارية وعسكرة العولمة فرضت على مبدع من جيل الثمانينات كسب تأييد المتلقي المسرحي لثقافته الوطنية الأيديولوجية. ومن اللافت هنا الإشارة إلى أن تأكيد صبحي لهذه القضية واكبت مظاهر التوحش الصهيوني في إسرائيل في مواجهة الشعب الفلسطيني وخنوع الأنظمة العربية أمام الهيمنة الأمريكية وإملاءاتها على تلك الأنظمة بعد احتلالها للعراق.
هكذا يتباين توظيف الوجهة الثقافية ما بين انحياز أيديولوجي وانحياز أيديولوجي مغاير يقول محمود أمين العالم : " في أعمال العديد من المفكرين والاقتصاديين والعلماء والفنانين نجد مفاهيم وقيم النسق الرأسمالي سواء من الناحية الاقتصادية أو الفكرية أو الأخلاقية أو الجمالية. كما نجد كذلك أعمال العديد من المفكرين والاقتصاديين والعلماء وقيم النسق الاشتراكي التي تتمثل في إلغاء الفوارق بين الطبقات والتوزيع العادل للثروة وإنهاء استغلال الإنسان لأخيه الإنسان ودعم التساند الأممي إلى غير ذلك "

المبحث الثالث : العرض المسرحي المصري
بين مأزق التحصن بالهوية ولهاث اللحاق بركب العولمة
يرتبط المسرح بالمكان وبثقافة العصر وبثقافة المجتمع الذي ينتجه في حالة من التشابك المتفاعل تأثراً وتأثيراً ذلك أن المسرح ظاهرة اجتماعية وحضارية (فعلاً وتلقياً حاضراً في آن واحد) .. فلحظة الإرسال هي نفسها لحظة الاستقبال والتلقي.
ولأن كل تغير في المركب الثقافي والاجتماعي والحضاري في عالمنا يؤثر إيجاباً أو سلباً على عملية الإبداع إرسالاً واستقبالاً ، فقد تلاحظ لنا عند إعادة إحدى الفرق المسرحية لعرض مسرحي سبق إنتاجه بإبداع إخراجي وأدائي في ستينيات القرن العشرين أو سبعينياته ، وذلك برؤية إخراجية جديدة في واقعنا المعيش حالياً (بداية القرن الحادي والعشرين) مع اختلاف معطيات الإبداع والتلقي على المستوى الجماهيري وعلى المستوى النقدي اختلافاً واضحاً في أسلوب العرض وفي إنجازه الثقافي والجمالي. كذلك لاحظنا انحسار في مساحات الحضور الجماهيري ومساحات النقد غير المتطفل على الإبداع (النقد النفسي والاجتماعي والماركسي والدوجماطيقي العقيدي) . وفي مجال العروض المسرحية المعاد إنتاجها سواء بإبداع مخرجها الأول وممثليها أنفسهم ، أو بإبداع مخرج آخر فإن معطيات العرض للمسرحية نفسها تتغير تبعاً للتغيرات المتعددة في فكر المبدع (المخرج) نفسه ثقافة وتأملاً وصبراً على آليات تحليل الأحداث والأداء وتبعاً لما استجد من مؤثرات أنتجتها الثورة التكنولوجية والانفتاح الاتصالي العولمي بإمكاناته ووسائطه المتعددة .
ومن العروض المسرحية التي أعيد إنتاجها مؤخراً : كان عرض (يا طالع الشجرة) بإخراج سعد أردش الذي أخرجها مرتين ، الأولى في الستينيات والثانية في الثمانينيات ، وعرض (رجل في القلعة) إنتاج المسرح القومي بطولة يوسف شعبان وهو الذي أخرجه سعد أردش في الثمانينيات للمرة الأولى وأخرجه ناصر عبد المنعم لفرقة (مسرح الغد) عام 2006 بطولة توفيق عبد الحميد وأشرف طلبة .عرض (حكاية كل يوم) الذي كتبه بديع خيري ونجيب الريحاني بإخراج الريحاني في الثلث الأول من القرن العشرين وأخرجه محمد صبحي تحت عنوان (لعبة الست) عام 2000 لفرقة ستوديو المسرح . عرض (جواز على ورقة طلاق) لألفريد فرج ، الذي أخرجه عبد الرحيم الزرقاني بطولة كرم مطاوع وسهير المرشدي في أواخر الستينيات وأخرجه أحمد عبد الحليم للمسرح الحديث أيضاً ولكن عام 2005 بطولة هشام عبد الحميد وسامي مغاوري ووفاء عامر وعلي حسنين. عرض (الليلة الكبيرة) الذي صمم لمسرح العرائس وعرض بإخراج صلاح السقا وأعيد عرضه بفن الباليه على مسرح الأوبرا بإخراج د.عبد المنعم كامل.
وهذا المبحث يعد وقفة تحليلية نقدية للمعطيات الثقافية للعروض المسرحية التي أعيد إنتاجها من بين تلك العروض كلها أو بعضها بما يكشف عن طبيعة التأثير والتأثر الثقافي على عملية العرض (إرسالاً واستقبالاً) ما بين المكونات الوجدانية والمكونات الإدراكية الحاضرة التفاعل في العرض وتلقيه وصولاً إلى مدى الثبات على الهوية الثقافية القومية ومدى ما طرأ عليها من تغير إيجابي يساير روح التيارات العولمية دون أن يقتلع الهوية القومية وثقافة الثوابت أو تصدع سلبي أحدث شروخاً في جدار تلك الهوية وخلخل ثوابتها في اتجاه تخليصها من الرسوبيات الثقافية المعوقة لحركة التدفق الدافع إلى التغير والتطور .







أولاً: إعادة كتابة مسرحية (المحروسة) بوجهتي نظر:

عالج سعد الدين وهبة فكرة مسرحية ( المحروسة) مرتين ، الأولى في الستينيات ، مع بدايات ثورة 52 وتوجهاتها في تصفية ما عرف بسيطرة ملاك الأرض الزراعية ( الإقطاع) ليكشف عن خلل علاقة السلطة الإقطاعية الحاكمة بالفلاحين في الريف المصري وما يقع عليهم من ظلم وما يواجهونه من إهانات لا تليق بالبشر على أيدي العمدة والخفر ومأمور المركز ومعاونيه في ظل الحكم الملكي والإقطاع تصل إلى حد الاستبعاد غير أنه في نهاية التسعينات أعاد كتابة (المحروسة) ليعالج التغيرات التي حدثت في المجتمع المصري بعد حرب 1973 وما عرف بمعاهدة السلام مع دولة العدو الصهيوني ، حيث تبدل الاستغلال الواقع على الفلاح المصري من قبل السلطة في المملكة المصرية ونظام أمنها لخدمة كبار الملاك، ونظارة الخاصة الملكية ، إلى استغلال من قبل نظام الحكم المصري خدمة للمستثمرين الصهاينة الذين توغلوا في مصر، بعد توقيع نظام السادات لاتفاقية كامب ديفيد ، وأطلقت أيديهم في تبوير الأراضي وإغراق المزروعات بالآفات وبالمبيدات والسموم ، والحبوب المهندسة وراثيا ، تلك التي أوقعت الآلاف من أبناء مصر تحت غائلة السرطان والفشل الكلوي والكبد الوبائي:
"الخفير : تمام يا أفندم
(يدخل عدد من الفلاحين مربوطين بحبل واحد وخلفهم خفير مسلح )
الضابط : إيه ده اللي انت عامله ؟
الخفير : متهمين المحروسة يا سعادة البيه
الضابط : فين المحضر بتاعهم ؟
الخفير : المحضر حايجيبه حضرة العمدة وحاييجي لسعادتك الصبح يا
سعادة البيه

الضابط : الصبح!!طب وجايبهم ليه دلوقت ؟! ما استنتوش مع المحضر
ليه؟
الخفير : ماهو حضرة العمدة قال وديهم نقطة الزاوية يباتو في السجن لحد
الصبح وهو حاييجي يرسّي حضرتك على كل حاجة
الضابط : يرسيني إزاي ؟ فيه متهمين من غير محضر؟ إنت فاهم إنت
والعمدة بتاعك إن السجن ده لوكانده ! وكالة من غير بواب ؟
الخفير : يا سعادة البيه العمدة قال دول ناس أشرار لازم يباتو في السجن
الضابط : والعمدة بقى قاضي خلاص ؟ بيمسك ويحاكم ويحكم. فهمني إيه
تهمهم ؟ عملوا إيه؟

(يتحرك الخفير ويتجول بين الفلاحين ويفرزهم ويتكلم وهو يتحرك بينهم)
الخفير : أنا أقول لسيادتك على كل حاجة . أصلهم موش في جناية واحدة
الضابط : هي بقت جنايات كمان ؟ حل الحبل ده الأول
الخفير : ما هو أنا حا أقول لسعادتك
الضابط : (بغضب) باقولك فك الحبل ده
الخفير : (يقف في مواجهة الضابط) بس يعني يمكن حد يهرب "
وفي إعادة إنتاج محمد صبحي لنص ( سكة السلامة) لسعد الدين وهبة ، يجري تعديلا جوهريا على خط مسار الحافلة التي تعطلت في طريقها الذي كان مرسوما من القاهرة إلى الإسكندرية ، لكن أحد الصحافيين ، وكان قاصدا مرسي مطروح ، وجه سائقها توجيها خاطئا ، منحرفا به على طريق مرسى مطروح ، حيث كانت له مهمة صحافية فيها ،فغير محمد صبحي في مسار الحدث ليوجه الصحافي مسار الحافلة نحو رفح ، مغيرا بالتدليس على قائدها ليغير وجهتها. وبذلك وصم محمد صبحي الإعلام المضلل ، الساعي نحو التطبيع مع العدو الإسرائيلي بتهمة شق صفوف المثقفين والإعلاميين الوطنيين المناهضين للتطبيع في ظل ما تفعله إسرائيل بالأشقاء الفلسطينيين أصحاب البلاد الأصليين. وهكذا يعيد عدد من المسرحيين المتشبسين بالهوية الوطنية والقومية إنتاج نصوص مسرحية وجهة تكسب التأييد للهوية الثقافية القومية.

ثانياً : عرض مسرحية (رجل القلعة) بين ثقافة جيلين
يتعرض النص للوثة العقلية التي أصابت محمد علي باشا بعد التوسعات والإنجازات المدنية التي حققها ، في ظل سياسته وأسلوب حكمه الذي تعارض مع ما كان يأمله السيد عمر مكرم زعيم الوطنيين الذي عقد معه اتفاقاً على أن يكون الحكم شورى بين المجلس الوطني للأعيان وبينه ، وقد أدت تلك اللوثة التي أصابته كرد فعل في صحوة ضمير متأخرة على ما سببه للسيد عمر مكرم من معاناة انتهت بوفاته . والمسرحية تكشف عن محاولات محمد علي وخاصة مستشاره أو حاجبه في التحايل لمعالجة الحالة النفسية الحادة التي أصابت الباشا ، لإعادة التوازن النفسي إليه في عمره المتأخر ، فاستعانوا بابن السيد عمر مكرم وكان يشبه والده ، ليرتدي زي والده الذي كان قد توفي فسببت وفاته للباشا بتلك الحالة التي أصابته ، ومن ثم تعيد المسرحية عرض العلاقة بين الرجلين بدءاً من صراع الأعيان مع الوالي التركي السابق لمحمد علي ونجاحهم في عزله وتنصيب محمد علي والياً على مصر رغماً عن الباب العالي في اسطنبول اتصالاً مع المناقشات بين الرجلين في حالات التوافق وفي حالات التعارض انتهاء بتحدي الوالي محمد علي باشا للسيد عمر مكرم في تصوراته المستقبلية للنهوض بمصر وتحديثها ، حيث رأى أن تحقيق ذلك لا يتم عن طريق ثقافة الشورى وإنما يتحقق في ظل حكم أمور البلاد بيد واحدة قوية وقرار فردي متنور . وهنا يسير الحدث في خط صراعي بين ثقافتين : ثقافة الشورى وجماعية صنع القرار وثقافة الانفراد بالقرار . ومع أن محمد علي المولود في (قوّله) الألبانية التي تداخلت ثقافتها ما بين الشرق الإسلامي والغرب الإسلامي وثقافة المصريين الإسلامية المتداخلة مع ثقافات متعددة ومركبة منها الفرعوني ومنها المسيحي إلاّ أن ثقافة مجلس الأعيان والحرفيين هي ثقافة الشورى ، تلك التي مكّنت المصريين من التوحد خلف أعيانهم بقيادة نقيبهم السيد عمر مكرم ، ومن ثم عزل الوالي التركي وتعيين أو دعم تنصيب بديل له ليس مفروضاً على مصر. أي أننا أمام ثقافتين متعارضتين : ثقافة الرأي الواحدي وثقافة الرأي والرأي الآخر . على أن ما يلفت النظر في مسيرة الثقافة السياسية في شؤون الحكم في مصر هو ميل المصريين إلى الدفع بزعيم أو قيادة أجنبية لتسوس أمور بلادهم ، فما يثير الحيرة أن السيد عمر مكرم نفسه هو زعيم ذو عزم وإرادة من حديد . لم يزكي نفسه ولم يزكه الآخرون وهو كفء لقيادة البلاد ، في حين يرشح أجنبياً وحده كفوءا كجندي ألباني في جيش السلطان العثماني الذي تحتل جيوشه مصر باسم الخلافة الإسلامية. وجدير بالذكر أن انفراد محمد علي بصناعة القرار في مصر هو الذي صنع مصر الحديثة فعلاً.
على أن ما يهمنا في هذا المبحث هو مناقشة الخلفية الثقافية للتصور الإخراجي لهذا النص ما بين ثقافة جيل الستينات وثقافة جيل التسعينات وجيل القرن الحادي والعشرين.
أنتج نص محمد أبو العلا السلاموني:(رجل القلعة) على المسرح القومي في أواخر الثمانينيات برؤية المخرج : سعد أردش – من الجيل الثالث من ريادات الإخراج المسرحي في مصر والبلاد العربية – وقد تأسس العرض على خلفية ثقافية تطلق يد المخرج في حذف مواقف درامية تعد أساساً فكرياً ذا ملمح حداثي في بنائه الدرامي بما يعكس منهجية الخطة البنائية والمعرفة التي سعى المؤلف عن طريقها إلى تعميق الدور التحديثي والنهضوي لمحمد علي بما يقف على قدم المساواة مع الدور الذي قام به في أوربا نابليون بونابرت حيث أقام كل منهما الصناعات الحربية والمدنية واستحدث كل منهما استحداثات جديدة نقلت بلادهما نقلة فكرية وثقافية ومدنية بعيدة المدى .
ولأن السلاموني قد راعى أن يصور( محمد علي باشا)* من زاويتين ، الأولى هي: صورة الرجل العالمي، صورته الخارجية والثانية هي : صورة ذاتية داخلية، الصورة الواقعية (من داخل قصره) حيث تأسست افتتاحية النص على مقدمتين دراميتين :
المقدمة الدرامية الأولى : خص بها الكورس ، ووضع له حواراً جماعياً يكشف عن طموحات محمد علي في التوسعات ، وهو ما ينطوي على المسكوت عنه ( ندية محمد علي لنابليون.) فجماعية الحديث (الكورس)عن دور الباشا تتناسب مع الدور الإطاري الأوسع (العالمي) وهو دور يعادل دور نابليون بونابرت .

المقدمة الدرامية الثانية : خص بها السلاموني خادم محمد علي باشا (محروس) وزوجته ، وقصر الحديث على اللوثة التي أصابت محمد علي باشا ، بعد وفاة السيد عمر مكرم ، الذي مهد له الصعود على كرسي الحكم في مصر ، وذلك لشعورمحمد على باشا بالذنب في حق السيد عمر مكرم بعد علمه بموته – وهو الأمر الذي ترتب عليه نزول الباشا من القلعة لزيارة السيد عمر مكرم – مع ملاحظة أن عمر مكرم نفسه كان قد مات ، غير أن ديوان ، حاجب الباشا قد نجح في التدليس على الباشا ، إذ أقنع نجل السيد عمر مكرم الذي كان يشبه أباه المتوفى ، ليلقى الباشا محمد علي ويحدثه ، ربما يخفف ذلك من أثر الصدمة النفسية التي أصابته ، وذلك في حدث استطرادي تأسس على مواجهة درامية وفق تقنية المسرح داخل المسرح ؛ تتوج ذروة الصراع النفسي بين الرجلين. وهو الحدث الذي حذفه المخرج سعد أردش في عرضه للنص، دون مبرر درامي أو فني ، مما أضر بمسيرة الحدث دراميا وجماليا –
ومن الغريب أن تكون رؤية المؤلف في بناء الافتتاحية الدرامية لنصه قائمة على تصوير عالمية محمد علي باشا ، حيث يخص المؤلف بها الجوقة بينما يقصر تصوير بيان حالة ضعف الباشا في مرضه على خادمه. وتلك بلاغة الكتابة الدرامية الواعية المتدرعة بثقافة أرحب ، تقيم وزناً لجماعية الرأي العام العالمي، وتوازن فيما بين مادة التصوير الدرامي وتشكيله ، عبر إنتاج تعبير درامي متباين ، يتوافق مع مكانة الشخصية في قوتها وعالميتها وحالة ضعفها؛ بينما تأتي رؤية المخرج ركيكة وسطحية في تصوير افتتاحية العرض ، حيث سجل المخرج حوار الكورس بصوته ، وهو أمر شغل الناس برنين صوته ونبره المميز عن المغزى الذي أسس عليه المؤلف دلالة هذا التفريق الدرامي النوعي والجمالي في كتابة مقدمة أولى تكسب دور (محمد علي) جلال العالمية وسموها ، ومقدمة ثانية تحفظ للرجل خصوصيته، فما يخص العالم من جهد الرجل أليق بأن يردده الرأي العام ( أسلوب الكورس) وما يخص حياته الخاصة أليق بأن يتهامس به خدمه ( محروس وزوجته).
ولأن الجزء يتأثر بالكل فإن ثقافة الرأي الواحد التي سادت فترة الستينيات في مصر ، قد عكست نفسها على الرؤية الإخراجية لرائد من روادها المسرحيين في ذلك العرض. بينما انعكست ثقافة الانفتاح على العالم الخارجي لدى أجيال التسعينات المتمردة على التصور الإخراجي لواحد من شباب المخرجين الذين تعرضوا لذلك النص نفسه وهو المخرج ناصر عبد المنعم ، حيث أخرج النص بقاعة مسرح الغد - وهي مساحة فضاء بدون خشبة ثابتة ، يعتمد أي عرض يقدم فيها على رؤية تشكيلية للعرض له خصوصيتها - وقد قسم المخرج القاعة إلى قسمين طوليين متوازيين ، لجلوس الجمهور على الناحيتين المتقابلتين والمساحة بينهما للعرض المسرحي ، مع مستويين للتمثيل : المستوى الأيمن في مدخل القاعة المستطيلة تمثل عليه مشاهد (مجلس الأشراف) ومواقف متفرقة لأفراد من أسرة السيد عمر مكرم ، والمستوى الأيسر تشخص عليه المواقف الدرامية الخاصة بمحمد علي باشا وقصره ، أما المستوى الثالث المحصور بين المستويين الأيسر والأيمن اللذين يتخذ كل منهما موضعه في أقصى القاعة المستطيلة من اليمين واليسار ، فهو مستو المسطح الأرضي الطبيعي للقاعة وقد خصه المخرج بتشخيص مواقف المواجهة بين محمد علي باشا وابن السيد عمر مكرم (صالح) المتفق معه على تمثيل دور أبيه أمام الباشا للإيهام بأنه السيد عمر مكرم ، حتى لا تتفاقم حالة الباشا المرضية لو علم بوفاة السيد عمر مكرم صديقه اللدود ، وهو من يريد أن يثبت له أن انفراده بحكم مصر ، الذي عارضه فيه السيد عمر مكرم ، هو الذي رفع مصر إلى مصاف الدول أو الإمبراطوريات الكبرى، وأن رغبة السيد عمر مكرم في أن يلتزم الباشا بما يرسمه مجلس نقيب الأشراف في مصر، لم تكن صحيحة .

لم يحذف ناصر عبد المنعم من النص مشهد المواجهة بين الصديقين كما حدث في عرض سعد أردش ، ولم يضع حوار الجوقة في الافتتاحية على صوت فردي مسجل له أو لغيره ، كما فعل سعد أردش ، وكان اختياره لمواضع المناظر في فضاء المساحة (حلبة العرض) بحيث يتواجه منظر قصر الباشا مقر مجلس الأشراف مع منظرمقر نواب الشعب..
فالباشا قرر الصعود إلى القلعة مقراً لحكمه على غير ما اتفق مع السيد عمر مكرم الذي كان يريد أن يكون مقر الحكم بين الناس أسفل القلعة ، لمزيد من إحساس الحاكم والشعب إحساساً متبادلا وحميمياً دافئاًمن ناحية ، ومن ناحية أخرى دالا على مراقبة ممثلي الشعب للحاكم . وبهذه المواجهة بين موقعين في فضاء حلبة العرض يشكل كل منهما ثقلاً في مواجهة الآخر فعل المخرج دور المواقع في صنع الحدث واحتدامه ، وخلق جمالية درامية تشف بالمسكوت عنه من حيث تحصن كل طرف من أطراف الصراع (الوالي ونواب الشعب) بموقعه الذي يستمد منه مكانته وقوته وبذلك تتحقق بلاغة الدلالة وجماليتها.
كما كان فصله المكاني لما يدور على الحقيقة ، وما يدار على سبيل الاسترجاع التشخيصي الموهمflash back . من هنا يتنوع الأداء التمثيلي والتكوينات ما بين الأداء التجسيدي على أرضية كل موقع من مواقع الولاية الحاكمة والنيابة المعارضة والأداء التشخيصي المستعيد لأحداث ماضية بين طرفي الصراع الرئيسيين (الباشا ونقيب الأشراف) في منطقة وسطية من فضاء الحلبة المسرحية ؛ باعتبار الوسط هدفا من أهداف نجاح عملية التفاوض أو المحاسبة والشفافية على المستوى السياسي . .
كذلك حقق المخرج حالة احتفالية بتلاحم العرض مع الجمهور وهو ما حقق ما يهدف إليه النص من تواصل الماضي مع الحاضر ، وبذلك كان أقرب إلى احتفالية من الاحتفاليات الشعبية ، خاصة وأن مناطق التشخيص مفتوحة على الجمهور الذي امتد بين منطقتين متوازيتين على خطين طوليين يبدأ كل منهما من حافة المنصة اليمنى التي خصصت لتشخيص مشاهد الأشراف (مجلسهم وبيت السيد عمر مكرم) وتنتهي عند حافة المنصة اليسرى في نهاية القاعة المستطيلة ، تلك التي يعاد عليها تصوير الحدث في ديوان الباشا وفي قصره مع حصر المنطقة الوسطى ما بين المنصتين وخطي جلوس المتفرجين لتشخيص إعادة التصوير المستعيد للصراع الماضي بين الباشا والسيد عمر مكرم أو إعادة إنتاجه بتفنية المسرح داخل المسرح ، وبذلك عني العرض ، انطلاقاً من النص بقصدية إعادة إنتاج الحادثة التاريخية – وهي تقنية نظرية التغريب الملحمي البريختية- بتصورات حداثية تتيح أمام جمهور المسرح المصري المعاصر فكرة الدلالات المتعددة للإنتاج المسرحي الواحد ومن ثم تعدد دلالات التلقي .
ولاشك أن هناك بونا شاسعاً بين رؤية أحد رواد المخرجين – من الجيل الثالث – أصحاب الفكر الذي تأثر بمرحلة النظم الشمولية وما صاحبها من التقيد بخط فكري تلتزم باحتذائه على طول الخط ورؤية أحد المخرجين الشباب ، الذين عاشوا مرحلة الانفتاح الثقافي والفكري في عصر العولمة وتمرسوا بالتوجهات التجريبية في ظل الاحتكاكات المتبادلة بين شباب المسرحيين العالميين في دورات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي وتفاعلوا بالمشاهدة والمناقشة والمشاركة الإبداعية مع الحاضر المنفتح على المستقبل ، في محاولة للحاق بقطار العولمة الثقافية. .


ثالثاً : عرض : (جواز على ورقة طلاق)
بين ثقافة شمولية وثقافة انفتاحية:
أصدر ألفريد فرج مسرحيته (جواز على ورقة طلاق) على أثر تحولات النظام السياسي المصري عن الخط الفكري في السياسة ، التي كانت أساساً لانحرافات النهج الاقتصادي الشمولي في ملكية الدولة لوسائل الإنتاج (الشركات والمؤسسات) – بعد حرب أكتوبر 1973- نحو ما عرف آنذاك بالانفتاح الاقتصادي – وفي تلك المسرحية يرفض ألفريد فرج فكرة التزاوج بين الطبقات ، تلك الفكرة الفلسفية التي تأسست عليها فكرة (تحالف قوى الشعب العامل) التي شكلت المسيرة السياسية المصرية على مدى عشر سنوات – تقريباً ما بين عامي (1962-1973) وهي الفكرة التي صدرت تحت شعارها مسرحيته السابقة (الزير سالم) حيث سارت على رأس مسيرة الدعوة (المقنّعة) لكسب التأييد لفكرة التزاوج بين الطبقات ، حيث يفض الصراع الحاد بين قبيلتي ( بكر وتغلب) على السلطة بين المتناحرين الدموي الثأري طلباً للحق (جساس وقبيلته- قاتل الملك كليب) في مقابل مطلب مستحيل لعدل :(سالم وقبيلته) ، لذا يلجأ الفريد فرج إلى فكرة التحاف ، وصولا إلى حل وسط، بتنصيب شاب امتزجت دماء الأطراف المتناحرة كلها في دمه وهو: (هجرس) ابن الملك القتيل (كليب) بيد (جساس) خاله والآخذ بالثأر طلبا لعدل مستحيل (سالم) عمه ، ودم أمه شقيقة (جساس) فكان ذلك حلاً تلفيقياً، رفضه (هجرس) نفسه .
ولأن ألفريد فرج كاتب عقائدي الفكر ، عركته السياسة والمعتقل ، فقد حاول تفادي الوقوع بذلك الحل في شرك التلفيقية (الامباذوقليسية نسبة للفيلسوف اليوناني إمباذوقليس الذي انتهي به الفشل في ترويج فلسفته إلى الانتحار بإلقاء نفسه في بركان أطنة المشتعل ) وذلك بأن نسج البناء الدرامي لمسرحيته تلك نسجاً قائماً على إعادة تصوير الحدث تصويراً قائماً على الاحتمال وفق النهج التغريبي في المسرح الملحمي ؛ فقد كتب الفريد (جواز على ورقة طلاق) كممارسة للنقد الذاتي – وهو سلوك متحضر يسلكه المثقف الطليعي – وهكذا كانت مسرحيته تجسيدا للنقد الذاتي بأسمى معانيه ، حيث يعدل الكاتب من منظور رؤيته السابقة ، الداعمة لسياسات تحالف قوى الشعب العامل التي سارت فيها الدولة الشمولية ، منتقدا دعمه لفكرة التلفيق السياسي بين الطبقات ، ليعود فيقرر عدم جواز أو صحة فكرة التزاوج بين الطبقات


خلاصة البحث

هكذا تتغير الثقافة بتغير الرؤى السياسية والتوجهات الاقتصادية ، ومن ثّم تتغير رؤى الإبداع في الآداب والفنون بعامة والمسرح وفنونه بخاصة، ففي جهود المسرحيين المصريين على مدى ستين عاما في ممارسة الإبداع المسرحي كتابة مسرحية ، وكتابة نقدية وكتابة تنظيرية من وجهة فنية أو من وجهة سسيومسرحية ، وإنتاجا لعروض مسرحية تأسست على أداء مسرحي تمثيلي وتشكيلي وموسيقي غنائي ، تعبيري ، عكس واقعنا الاجتماعي والسياسي والاقتصادي تعريضا اجتماعيا أو تحريضا سياسيا مرة ، وتمريضا لجرح أصاب كبرياء الوطن بهزيمة عسكرية ، وتعريضا بسياسات سابقة، انتهاء بمرحلة ترويض ثقافي ، نافية للهوية ، مطاردة لفكرة القومية. وهكذا شغل هذا البحث بنقد رحلة الإبداع المسرحي المصري في سياحته الفكرية والثقافية والمعرفية، مزودا بمنظور منهج النقد التأويلي.






ثبت الهوامش :








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فنان يكشف لـ «دراما كوين» مساندة كريم عبد العزيز له في الاخت


.. المنتج والمخرج ايلي معلوف ضيف Go Live الجمعة الساعة 7 مساء م


.. يوميات رمضان مع الفنان الكردي السوري خيرو عباس




.. صباح العربية | فنانون يحيون ذكرى الثورة السورية في واشنطن


.. قعدت مع ضباط الأمن الوطنى.. الفنان عمر الشناوي يكشف أسرار تأ