الحوار المتمدن - موبايل


الخطاب ما قبل الأخير

خيري حمدان

2013 / 11 / 7
الادب والفن


أرى بأنّ الواجب يحتّم عليّ الوقوف بين أيديكم، والبوح بما لديّ في خطاب تنتظرونه كالعادة على أحرّ من الجمر، أعرف بأنّكم لا تملكون خيارات كثيرة سوى الاستماع والتصفيق الحارّ لمئات المرّات مقاطعين حبال أفكاري، وأنا قادر على استيعاب مجونكم وعواطفكم الجيّاشة ولن أغضب لسلوككم فعو تعبير عن محبّة كامنة بحجم الشمس. ليس من عادتي التخلّف والاعتذار بالمرض والتعب، أنا لا أمرض، لا أتعب أبدًا، كالنُصُب التي تحاكي شخصي السامي في طول البلاد وعرضها. أنا لا أنام في أثناء الليل والنهار سوى عند ساعات الصباح الباكرة رحمة بحرسي الخاص، وأحيانًا أنتظر حتّى أذان الفجر، لأداء الصلاة ثمّ أتناول بعض العسل والتمر والحليب لأخلد لبعض الوقت للنوم ثمّ أستيقظ لمقارعة الحياة والتحدّيات، لا أتوانى عن خدمة الوطن وخدمتكم. هذا أنا بكلّ جموحي وطموحي وخضوعي وتعالينا وتسامينا الذي يفرضه علنا منصبنا كقائد أعلى ورئيسًا لعوالمكم الدنيوية.

قد يكون خطابي هذا الأخير إذا ما ظهر من هو قادر على ملء الفراغ الذي قد أتركه بعد رحيلي لسببٍ أو لآخر، ولكن هيهات يا ربعي وعشيرتي، على الأرجح، سيبقى خطابي هذا ما قبل الأخير إلى أجلٍ غير مسمّى. سأٌقدّم لكم نفسي في محاولة لتذكير من نسيَ وبغية لتثبيت الحقائق لمريديني ومعارضيني على حدّ سواء. أنا الذي قمت بتعبيد ألفي كيلومتر من الشوارع السريعة القادرة على تقصير المسافات ما بين شمال البلاد وجنوبها وشرقها وغربها، وأنا الذي قمتُ بتدميرها من أجل قطع هذه الطرق على العصابات التي تحاول الانقلاب على معالينا بشتّى السبل الممكنة.

أنا الذي أمرت ببناء مصانع الغزل والمنتجات الغذائية والنسيج والأحذية والملابس واشترطت على القوات المسلحة والموظفين الإداريين بارتدائها، واستهلاك المواد الغذائية المصنّعة محليًا، ثمّ فتحت الأسواق للبضائع الأجنبية لكسر شوكة الطبقة المتوسطة التي حاولت الانقلاب ضدّي، وأرسلت أكثر من مرّة المقاتلات المحمّلة بالموت والدماء لتهدم ما تبقّى من المصانع اللعينة، وسأستمرّ بردم كلّ ما هو قائم لتفهموا وتدركوا حجم أناتي وصدى إبداعاتي طوال العقود الماضية. أحبّتي، يا شعبي العظيم، أحيانًا يكون الردم والهدم ضروريًا لبدء عمليات بناء جديدة، حديثة وسليمة وفقًا للمفهوم والمنظور السياسي والاجتماعي والأمني، وهذا ما أعتزم القيام به في القريب العاجل، بعد التخلّص من العوامل السامّة والمخرّبة في هذا المجتمع العزيز على قلبي.

أنا الذي أمرت ببناء المسرح الوطني ومسرح الشباب وأوعزت لوزراء الثقافة على التوالي تشييد المسارح والمعارض والمتاحف في مدني المتناثرة حتى الصغيرة منها، ولم أستثنِ سوى المدن المارقة، الرافضة لسلطتي الحكيمة، الرشيدة، الأصيلة، الديمقراطية الصارمة. أنا الذي أمرت بهدم المخابز والمتاجر والملاعب إكرامًا لكم وتيمنًا بفترة واعدة في المستقبل القريب، سأوصي كما وعدتكم بتجديد عمليات البناء والتعمير، بعد التخلّص من العوامل المؤذية السامّة، بعد تحرير البلاد من الفاقدين لمشاعر الوفاء للوطن وقائده – أنا. سأسمح لكم بالتصويت لي مجددًا إرضاءً لكم ولمشاعركم النبيلة وتماشيًا مع أصول الديمقراطية. كونوا على ثقة من أنّني عازفٌ عن السلطة ولا رغبة لي بالبقاء في هذه المنصب، لولا إصراركم على بقائي في المقدّمة رافعًا علم التقدّم والحضارة والرقيّ والعلمانية والممانعة، بعيدًا عن الدغمة والأدلجة وغسل الأدمغة.

يأتي خطابي الأخير ربّما، وغالبًا ما قبل الأخير في خضمّ المعارك العارمة التي كان لا بدّ منها لكسر شوكة الخونة الذين يسمّون أنفسهم "معارضة وطنية". كيف يمكن لهذه الملايين أن ترفض حكمي المطلق المرتبط مباشرة مع شرع الله والأحكام السماوية؟ أنا ذاتي لا أجرؤ على رفض سلطتي وكرسي الحكم كيلا أُغضب الخالقَ ولأبقى بصحبتكم مناضلا في طريق الخلاص من الصهيونية والإمبرالية والرأسمالية واقتصاد السوق الحرّ المُهين للكرامة والإنسانية ومن كافّة مظاهر العولمة والانفتاح التي لا تبقي ولا تذر.
سنهدم يا شعبي الكريم كلّ المناطق السكنية دون أن نرحم القابعين فيها من أبناء وأتباع الشيطان والشرّ المطلق. يتّهمني البعض بأنّ عناقي شبيه بعناق الدبّ الذي يحطّم عظام خليله أو غريمه على حدّ سواء. ما الغريب في هذا؟ أنا عاطفيّ ولا أحسن سوى هذا النمط المتفجّر من التعامل. لن أتوانى عن معانقتكم فأنتم عشيرتي وأقربائي، وأنا المتوّج عليكم إلى أجل غير مسمّى "يطفق الزعيم في بكاء ولعج يفلق الأفئدة".

يا عشيرة القائد وأحبابه، لقد ضحّيت بأقرب الأقرباء ولم أتوانَ لحظة واحدة عن التخلّص من خونة الوطن، وعلّقت على حبل المشنقة رئيس وزرائي وابن عمّي أيضًا، ذاته الذي حاول خطف السلطة ونقلها لنفسه وسليلته. نحن لا نقبل بأنصاف الحلول، وسنعمل على إذابة جبال الجليد التي تفصل سلطتي بوساطة المنتفعين عنكم يا شعبي الحبيب. سأعمل على مكافحة ما يقضّ مضاجعكم ليل نهار، سنقدّم أدوية السكري وارتفاع ضغط الدم مجانًا لنطيل أعماركم بإذن الله، سنقدّم المعونات المالية والعينية كي تشعروا بأنّنا نشعر بكم طِوال الوقت. سجّلوا أفراد عائلانكم في سجّلات الفقراء والمحتاجين، لا تتوقفوا عن طهي المناسف والتهام الحلوى فنحن من خلفكم ومن أمامكم وعلى يمينكم ويساركم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مسرحية جورج خباز: أغنية -حَد تنين، شد منيح الإجرتين-


.. لحظة إصابة فنانة فلسطينية برصاص الجيش الإسرائيلي تثير غضب ال


.. مصر.. إجراءات مواجهة كورونا تعصف بأفلام العيد |#اقتصادكم




.. وفاة الفنانة نادية العراقية بعد إصابتها بفيروس كورونا


.. On Demand | الأفلام التي ستعرض في صالات السينما بمناسبة عيد