الحوار المتمدن - موبايل


قطارٌ آبق

خيري حمدان

2013 / 11 / 24
كتابات ساخرة


قطارٌ آبق
خيري حمدان
قطارٌ يدعو للشفقة، بالكاد يشقّ طريقه ما بين عربات الباعة المتجولين وحشود المواطنين الباحثين عن تجّار الوقت الضائع المهدور ليس بعيدًا عن شواطئ المتوسّط، وهم قادرون حقًا على تحديد مواقع هؤلاء التجّار بسهولة. بائعو المكسّرات على سبيل المثال لا الحصر، يتوقّفون لساعات طويلة عند دكاكينهم وأكشاكهم ومحامصهم، يشتمّون رائحة الفستق واقتحام قشور لبّ عبّاد الشمس والقرع، يطلبون القهوة المغلية على الجمر، ويقضون الوقت "يقتلونه" بلا رحمة، جالدين ذواتهم ونصف أقاربهم بثرثرة لا تنتهي، لا يقدر على قطع انثيالها القطار الآبق البطيء الباعث على السخرية والشفقة. يتوقّفون لساعات طويلة عند باعة الحلوى، لا يجدون حرجًا بمصّ أصابع أيديهم بعد التهام كرات العوّامة الغارقة بالماء المحلّى بالسكّر "القطر"، والقطائف والكنافة الخشنة بعد اختفاء الكنافة الناعمة لارتفاع كلفتها، وإنتاجها بكميات محدودة وفقًا لطلب أصحاب الجاه والمال المحدود.
ربّما زاد عددهم عن ثلاثة وأحيانًا يرتفع لخمسة، في تلك الحالة ينقسمون لجماعتين، لكنّ النواة الأساسية لهذه المجموعة هم ثلاثة يلتقون عصر كلّ يوم بعد تراجع قيظ الصيف وحدّة وقع سوط الشمس الحارقة. يبدئون رحلتهم وتجوالهم في شوارع المدينة جيئة وإيابًا لا يرحمون أقدامهم ولا يعيرون أدنى اهتمام للأسفلت الطريّ تحت أقدامهم. جميعهم يحملون أسماءً مستعارة جميعها تبدأ بـ "أبي"، لا يعجبهم شيء على الإطلاق، لكنّهم عاجزون عن إيجاد الصيغة التي يعبّرون فيها عن غضبهم وثورتهم الكامنة. أبو العقارب على سبيل المثال، لا يتوانى لحظة واحدة عن توجيه نقده اللاذع لعابر طريق يسيل من أنفه مخاط، يطلب منه على الفور استخدام منديل صارخًا في وجهه "أبو بربور"، مستعينًا بالحشد الرجوليّ من حوله، وغالبًا ما يلجأ المعنيّ إلى سحب مخاطه بكمّ قميصه لاعنًا شاتمًا. أمّا أبو سمرا ويدعى كذلك لغرامه غير المسبوق بالسمراوات، وغالبًا ما يتلوّى حزينًا متفجّرًا من حرقة النوى كلّما مرّت سمراء من حوله، وأمنيته أن يتزوج سمراوتين مرّة واحدة وأن يدخلهنّ في ليلة عرس واحدة، يتمنّى كذلك أن يقضي شهر العسل بصحبتهنّ، ويخطّط للإقامة في شقّة كبيرة في فندق "خمس نجوم"، تحتوي على عدّة غرف نوم، وسيضع أبو سمرا برنامجًا جنسيًا لإرضاء شهواته تجاه الحسناوات السمر. سينام مع الأولى من الساعة الثامنة وحتى العاشرة مساءً، ثمّ ينتقل إلى غرفة النوم المجاورة ويقضي مع الأخرى ساعتين وهكذا. طبعًا لم يكن يدرك بأن برنامجه هذا يعني استنفاذ طاقته الجسدية في وقت قصير، ولن يتمكن من الاستمرار على هذه الحال لما يزيد على أيام معدودة، ولو تحقّقت أمنيته هذه لكان لعن اليوم الذي سمح لذاته بالزواج من سمراوتين. أبو سمرا، للعلم، سيتمكّن في السنوات القليلة المقبلة من إتمام خطبته على إحدى السمراوات كما كان يتمنّى، لكنّه لن يتمكن من إتمام الزواج لعدم قدرته على جمع المهر المطلوب، وسيصاب بذبحة صدرية مفاجئة وقاتلة، وسيغيب معه حلم الجمع بين سمراوتين إلى الأبد. المتمرّد الثالث هو أبو حديد، مشهود له بقوّته الجسدية ويتمتّع حقيقة بكتل عضلية تسترعي الانتباه والحذر. كان يودّ بأن يرفع صخرة كبيرة متواجدة عند مدخل مغارة خلال رحلات صيد الأرانب في الجبال القريبة، وأصيب بفتق حين قرر دون مقدّمات أن يرفع أو يزحزح تلك الصخرة التي كانت قد مدّت جذورها في عمق الجبل، سمع صوت طقطقة عظام ظهره ثمّ هاجمته آلام مبرّحة في أسفل بطنه، ببساطة، تغلّب الجبل على كتل العضل التي كان يتباهى بها طِوال الوقت. بهذا تبخّرت أمنيته وانتحر السوبرمان الساكن أعماقه عند مدخل المغارة، واستجاب أخيرًا لواقع الجاذبية الأرضية ولم يعد يحاول رفع الأثقال الكبيرة، بل سرعان ما أخذ يغضّ الطرف وينظر لجهة أخرى حين يرى في الطريق كتلا تدعو للتحدّي.
قد يعتقد البعض بأنّ النقاط المشتركة ما بين الساخر والشبق ورجل الحديد غير واقعية، لكنّ الحقيقة أنّ السخط على الواقع والتخلّف كان هو العامل المشترك ما بينهم، وفي إحدى المرّات وهم يعبرون شارعًا فرعيًا رأوا عند زاوية الشارع كمًّا كبيرًا من النفايات الملقاة بعيدًا عن الحاوية المخصّصة لهذه الغاية، عندها لم يمتلك أبو العقارب نفسه وبعد أن لعن وشتم، فتح سحّاب بنطاله وأطلق العنان لقوّة ضغط مثانته لتكوين بركة صغيرة من البول الرغوية، ولم يتأخّر الآخران بالانضمام إليه لإتمام عملية الانتقام الغريبة هذه على المجتمع. "ثورةٌ أم فوضى؟"، تساءل أبو سمرا بعد الانتهاء من هذا الطقس المخجل وأضاف بحسرة "نحن مجرّد شلّة عاطلة عن العمل، لا نعرف كيف نمضي الوقت أو كيف نعبّر عن ذاتنا سوى بالقيام بالكثير من الممارسات المتناقضة. نحن سخيفون ونستحقّ الشفقة.". أبو سمرا كان يعني ما يقول وبعد شهر من تلك الحادثة هجر أصحابه وتخلّى عن الهيام والتسكّع في الشوارع جيئة وذهابًا.
القطار، صوته المدوّي وصدى ارتطام العجلات فوق السكك الحديدية، يترك انطباعًا بأنّ شيئًا رهيبًا على وشك أن يحدث، "قامت مؤخّرًا لجنة يابانية بوضع دراسة لتحديث سكك الحديث الوطنية، وتقدّمت بتوصية ببيع الحافلات المستخدمة لمراكز السكراب للتخلّص منها لأنّها لا تضرّ ولا تنفع". تلفتّ الآباءُ الواحد نحو الآخر وكانوا يحملون أكياسًا ملآى بعلب الكولا الفارغة، ركضوا تجاه القطار البطيء ووصلوه دون عناء، ربطوا علب الكولا الفارغة في كلّاب الحافلة الأخيرة. تجمّع الأطفال خلف القطار لزفّه وهو يجرّ من خلفه علب الكولا المزعجة بصوت ارتطامها بحديد السكك. كانت تلك المحاولة الأخيرة للتعبير عن غضبهم وسخطهم لموت المجتمع الشرقي غير المعلن. بالمناسبة لم يتمكّن أبو سمرا المَرِحْ للغاية، الحالم العاشق للأنوثة السمراء من احتضان ولو سمراء واحدة، لم يتمكّن من معرفة إمكانية العيش المستحيل مع امرأتين وما إذا كانت هناك ضرورة لذلك. لم يتمكن هذا الرومانسيّ للأسف من معايشة قصّة حبّ حقيقية واحدة تغنيه عن كلّ حسناوات الدنيا، لم يتمكّن أيضًا من معايشة أحداث الربيع العربي المراهقة بكلّ طموحاتها وخطاياها، ولن يتمكن من معرفة ما إذا كان هذا الربيع قادرًا على أن يصبح البديل عن ثورة الآباء البهيمية البدائية.

المجموعة القصصية "تقويم الزمن الضائع"








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مسرحية جورج خباز: أغنية -حَد تنين، شد منيح الإجرتين-


.. لحظة إصابة فنانة فلسطينية برصاص الجيش الإسرائيلي تثير غضب ال


.. مصر.. إجراءات مواجهة كورونا تعصف بأفلام العيد |#اقتصادكم




.. وفاة الفنانة نادية العراقية بعد إصابتها بفيروس كورونا


.. On Demand | الأفلام التي ستعرض في صالات السينما بمناسبة عيد