الحوار المتمدن - موبايل


تكنلوجيا المسرح

فاضل خليل

2013 / 11 / 29
الادب والفن


لنتفق قبل الدخول في عالم التكنلوجيا، بأن الاشتغال في المسارح التي سبق تأسيسها التطور الحاصل في تكنلوجيا الخشبة stage بالمفهوم الذي نفهمه اليوم. انما هي مسارح تقليدية تكتفي العروض التي تقوم على خشباتها على الحوار الذي يقوله الممثلون فقط وقليل من الضوء الذي يسلط على الممثلون، وهي ليست من ادوات التعبير الهامة في المسرح. فالكلام ـ الحوار ـ لايلمس ولايرى وبالتال فهو ليس من الأفعال المرئية، في حين ان أبسط تعريف للدراما هو: فعل يشاهد action. وعليه لامكان للكلمة المجردة – التي تموت حين قولها - في الحياة وعلى المسرح. أما الذي يهمنا فهو الممثل (الفاعل) الذي يقول الكلمة التي تموت ويعزز المعنى بالفعل الذي يبقى أمام النظر كـ (شاهد عيان). ولأجل الممثل (الفاعل) استعان المخرجون بالضوء وكافة المرئيات – وهي التي نطلق عليها تقنيات technicality – لكي يتمكنوا من تجسيد الافعال وما ينطق به الممثل لايصال الخطاب المسرحي، حفاظا على الدراما من وجهة نظرهم – وهذا بحد ذاته ( خروج عن المألوف ) الذي باعتقادهم يبعد المسرح عن فهمه المتوارث منذ (ستانسلافسكي) والى اليوم. ولنبدأ بأول الخارجين عن المألوف في المسرح الحديث الألماني ( برتولد بريخت )، الذي انتقل بالبطل في مسرحه من (الممثل) الى (الكاتب) حين ابتدع المحتوى و(التغريب) في خطابه المرئي - المقروء . عندما يجسد بواسطة (التغريب) في طرح كل ما هو خارج عن المألوف والمنطق، مواضيعه الآسرة التي استعان بها على ايصال أفكاره بواسطة ( الجدل dialectic ) المحفز لذهن المشاهد كي ينظر الى العالم بفكر وقاد، ولمس جيدا مردودها العلمي في التأثير على المتلقي. الأمر الذي جعله يستعين بوسائل اتصال مبتكرة – غير التي كان يستخدمها ستانسلافسكي –وكانت غاية في الاهمية من حيث مرونتها وتقبل المتلقي لها مثل: الاغنية والرواية لكسر المألوف السائد في المسرح الدرامي الذي يعتبر دخولها على الدراما نوع من التجديف يبعد الدراما عن جديتها. لقد دعى بريخت الى المسرح الملحمي، وعمل مع الممثل من خلال (الهدف الاعلى) على الرغم من انه اراد من الممثل ان يكون قريبا دائما من الرواية المقصودة، ولم يرد من الممثل ان يعيش الدور كما عند ستانسلافسكي، وعلى الرغم من انه لم يكن ليسعى الى تطوير الضوء (الانارة) التي ابقاها كما الشمس في الحياة، بيضاء تؤدي اغراضها الاعتيادية في هداية الطريق للناس كما الحياة، والممثل على المسرح، وبذلك قلل كثيرا من اهمية الانارة، والديكور، وهي سابقة تحسب لـ (بريخت) دون سواه. لكن هناك الكثير من المخرجين ممن ساروا على نهج (بريخت) تجاوزوا بياض الضوء فلونوا الحياة التي اعتقدوا انها يجب ان تكون أو تصل هكدا. فاستهانوا بمسرح الكلمة وسعوا الى تجميلالحياة في المسرح باضافاتهم الاخرى التي كان لها الاثر الايجابي على التلقي. فمنذ الجيل الثاني بعد (ستانسلافسكي) من المخرجين الذين ابتكروا الجديد في فن التلقي من أمثال (مايرخولد) عبر( ممثل المستقبل) والبايوميكانيكا Bio-Mechanic)(2) و(المسرح الشرطي) : حين اهتم من خلالهما بـ (آلية الجسد) ومرونته في العمل الحيوي الذي تفرضه الحياة في البقاء من اجل العمل على ايصال الافكار. كان (مايرخولد) يعتقد بان المشكلة الاساس في تدني عمل الممثل، تكمن في جهله بفن (البايوميكانيكا). وهي واحدة من تأثيرات ثورة اكتوبر الاشتراكية في روسيا 1917 وهي في المسرح بمثابة - الثورة المسرحية الاولى على نبذ الكلام المجردن الخالي من الافعال، وهو ما كان سائدا لفترات طويلة - . ان (البايوميكانيكا) وما يتطلبه من التدريب العالي، والاداء الدقيق والفاعل، في ترجمة الكلام الى افعال مرئية، وفق نظام عصبي وجسدي سليم، قادر على تجسيد اجراءآت الفعل الانساني المنعكس واللاارادي، المتطلع في الوصول الى (ممثل المستقبل) الذي دعى اليه (مايرخولد) حين اراد من خلاله ان يطابق بين عمل الممثل الذكي والعامل الماهر من خلال الحركة الدقيقة الخالية من التفصيلات الزائدة فتعمد الباس ممثليه وفقا لمنهجيته ملابس العمل في المسرح – على غير العادة المتبعة عند غيره من المخرجين – ربما انطلق في ذلك ايضا من تأثيرات ثورة اكتوبرعليه وعلى جيله من الشباب، في تاكيد دور العمل . نخلص من تجربة (مايرخولد)، هو اعتقاده في ان البطل هو ليس (الفرد) وانما هو (الشعب)، لذلك عمل على العرض الشعبي. كما كان يعتقد بأن أهم ما في العرض هو (الممثل) لذلك اختصر في الكثير من الامور ومنها: الديكور، الاضاءة، الملابس – حين تعمد الباس ممثليه ملابس العامل الماهر، لتكون جاهزة لكل الافعال .
أما (فاختانكوف) الذي أضفى السحرية في تعامله مع الواقعية حين أطلق (الواقعية السحرية) التي لونت الفضاء بانواع السحر اللوني، وحين كسر الواقعية المألوفة بالخروج عنها الى اللامألوف فيها حين اقترح المداخل العكسية في المعالجة فألبس التراجيديا لبوس الكوميديا والعكس ايضا صحيح- وجعلها المنطلق الكبير الى الـ (غروتسك)(3). فاتسمت تقدمية طريقته في انه ابتعد كثيرا عن (الايهام) ولم يتعامل مع المسرح الا باعتباره مسرحا/ وتعامل فيه منطلقا من (الكيفية) بدلا من الحيرة في (ماذا) أعمل ، المنطلق الخامل في الحركة المسرحية/ وتعامل مع المزيد من التركيب، ولم يكتف بالمألوف/ وتعامل مع المزيد من (الابداع) و(الخيال). وكي لا ندخل في كامل التاريخ الروسي في المسرح، فكل من سبق (ستانسلافسكي) وتلاه، بل ومنذ البدايات الاولى للمسرح وحتى زمن شكسبير وملاحظاته في التمثيل الواضحة في مسرحية (هاملت)، وموليير وملاحظاته للمثلين عند اخراجه لمسرحيته (ارتجالية فرساي)، وصولا الى ظهور شخصية المخرج في المسرح في العام1847 في دوقية (سكس مايننغتن- في الماني)، نلمس بأن لكل واحد من هؤلاء ومن زامنهم كانت لديه لمساته التي حاول من خلالها تخفيف حدة المشاهدة وجعلها اكثر طراوة في التلقي. فكانت عندهم اضافاتهم التي حاولوا من خلالها كسر المألوف في مسرح الكلمة التقليدي. ولو استعرضنا البقية الباقية من المخرجين على طول وعرض الساحة المسرحية العالمية، للمسنا ذلك ايضا. ومن الامثلة القريبة نجدها في محاولات (التجريب) منذ الكلاسيكية والرومانسية والواقعية والطبيعية و.... حتى السريالية والدادائية واللامعقول ومارافقها من التسجيلية والوجودية والمسرح الفقير ومسرح القسوة ، وغيرها، التي نلحظها في تجارب آرتو، وبروك، وغروتوفسكي، وشاينا، وفايدا، وباربا، وغيرها من التجارب ، الجيد منها وغير الجيد. وصولا الى الميتات المتوالية للمؤلف والمخرج والممثل- كما في تجارب كريج، وبيكاسو- والبقية الباقية من التجارب الباحثة عن وسائل التخفيف من حدة التلقي – كما اسلفنا -. حتى صار البحث في ادخال (التكنلوجيا) كعنصر هام من عناصر الارتقاء بالمشاهدة في المسرح. اذن فالخطاب في المسرح خطاب غير مدجن (ثابت) قابل للتغير. وهو حالة من الهدم والتاسيس الفكري والجمالي على الخطاب المتوارث – مسرح الكلمة الخامل – والذي بسببه ظهرت المدرسة الصوتية. ونتيجة للثوابت التي تلزمه ، قام نظام الكليهشه، وأصبح الاخراج بسببه في بعض البلدان العربية لا يتعدى أكثر من مجموعة من الممثلين المصطفين بجانب بعضهم، يتقدم من تصل اليه الجملة الواجب قولها في العرض. وهذه جميعا من اسباب قتل الجاذبية (الكاريزما) في المسرح.

المصادر
1. محمد داود : (حقي الشبلي.. متفائل لمستقبل المسرج)، مجلة فنون، العدد28، بغداد- 19/شباط/1979، ص49 .
2. البايو-ميكانيك Bio-Mechanic: ومعناه، الآلية الحيوية.
3. غروتسك Grotesque: ومعناه الشائع، هو القبيح-الجميل في الفن، والكلمة من اصل ايطالي. وهي اشتقاق من كلمة بمعنى (مغارة او كهف)، وقد ترجمت الىالعربية بمعنى (المسخ) او(التبشيع). وفي (الأدب) يطلق على النو الكوميدي الفظ في(الأدب، والموسيقى، والفنون التشكيلية، والحركة). وهو من حيث الجوهر عبارة عن خلق فكاهي غريب وغير مألوف، يربط بين اكثر المفاهيم اختلافا دون سبب منطقي ملحوظ. (موسوعة المسرح، موسكو1965)








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. راجل و 2 ستات - شوف أفضل أفلام لإسماعيل ياسين بالنسبة لهيدي


.. لو العركة ابتدت هتزعل ??.. تفاصيل الخناقة الأشهر على السوشيا


.. مسرحية -إيزابيل ثلاثة مراكب ومشعوذ- للمسرحي الإيطالي -داريو




.. عاجل ? الرئيس السيسي يوجه بشمول الفنانين ببرامج الحماية التأ


.. كلمة أخيرة- لميس الحديدي توضح الفرق بين الغناء الايف والبلاي