الحوار المتمدن - موبايل


المداخل العكسية في المسرح

فاضل خليل

2013 / 11 / 30
الادب والفن


من النادر ان ترى في العروض المسرحية التراجيدية، ختاما احتفاليا مبهجا تتخلله الكوميديا. رغم ان الكثير من المسرحيات وحتى الخالد لاتخلو من مشهد أو شخصية كوميدية يقصد منها كاتبها ترطيب اجواء المأساة. ان أغلب المسرحيات الشكسبيرية، تحوي مشهدا كوميديا مثل مشهد (حفاري القبور) في مسرحية (هاملت) مثلا، أو شخصية كوميدية مثل شخصية (البهلوان) كما في مسرحيتي (الملك لير) و(عطيل)، الشخصية التي غالبا ما تحذف من قبل المخرجين، كي لاتكون نقطة ضعف أو نشازا يعترض طريق الدراما في بنائها، كما انها قد تشكل نقطة ضعف تسقط التراجيديا في هوة اللامعنى، وتبعدها عن الوحدة الفنية والاسلوبية التي تبعدها عن الانسجام المطلوب harmony في البناء الدرامي، وهناك العديد من الأمثلة في هذا المعنى يمكن ايرادها. من هذا الفهم سنتناول عرضا اتكأ على نص مسرحي تعمد سلوك هذا المدخل العكسي للدراما، وعلينا أن نعرف بأن للمداخل العكسية ومشاكساتها في الاخراج فهم غاية في السمو يعتمدها الاخراج في تطبيقها في الكوميديا ثوبا للتراجيديا كذلك، مثلما العكس صحيح حين تكون التراجيديا سلوكا في معالجة الكوميديا.
سنتناول هنا حكاية غاية من الجدة في حبكتها تزاوج بين الحالين، وهذا ـ كما أسلفنا ـ بحكم النادر في المسرح بشكل عام. والحكاية في المسرحية التي كتبها رائد المسرح البلغاري (ايفان فازوف) تتناول: قصة جارين من بسطاء الناس متجاوران في سكن قديم، فهما يسكنان في غرفتين متقابلتين فوق سطوح مبنى قديم أقرب الى (الخان) مع مجموعة أخرى تباين في مستواها الاجتماعي من الساكنين بضمنهم (طبيب) يتصف بالحياد، فهو صديق لكلا الجارين المتنازعين. غرفة يسكنها الصحفي الصغير (دراكا ليفسكي)، تقابلها غرفة يسكنها المحامي الصغير أيضا (جوشكاروف)، ـ ولا أدري لماذا كناهما الكاتب بالمسرحية بالصغارـ، اما سبب النزاع بين (دراكا ليفسكي) و(جوشكاروف)، فكان بسبب مقالة عنوانها (ضربة في العقل) كتبها (دراكا ليفسكي)، الذي يعتقد بأن جاره (المحامي) مصاب بنوع من التهور في السلوك، الأمر الذي يجعل من ذلك السلوك أحيانا سببا في ازعاج سكان المبنى (الخان). استشاط (جوشكاروف) غضبا وغيضا حين اعتقد بان هذا المقال كان هو المقصود به أنها ضده، فاعتبرها اهانة لاتوازيها أية اهانة، لايكفي القانون ـ باعتباره محاميا _ لمقاضاتها، كما لم تشف غليله ضربة الكف (الصفعة) التي رسمها (جوشكاروف) على وجه الصحفي (دراكا ليفسكي) كي تغسل عارها، لذلك أصر على حلها بواسطة (المبارزة) ـ التقليد الروسي القديم في حل نزاعات المثقفين ـ والذي يقضي باللجوء الى المسدسات أو أي نوع من السلاح حلا كي ينتهي واحد من المتنازعين الى الموت، لتصفية الحساب بينهما. وكانت مسرحية (المبارزة) التي قدمت لاول مرة في موسم العام 1963 للمخرج (انستاس ميخايلوف). على خشبة المسرح الوطني البلغاري الذي تأسس في العام 1906 والذي يحمل اسم الكاتب نفسه ( ايفان فازوف ).
بهذا النوع المتقدم من الكتابة تناول البلغاري (ايفان فازوف) مسرحيته (المبارزة) حين جعل المدخل المعاكس في كتابة التراجيديا التي يستمر عرضها أكثر من ساعتين من التوتر، والاثارة، والانتظار، والتشويق وشد الاعصاب، حتى نهاية العرض الذي يكون اقرب الى النكتة من الحكاية الجادة، فلقد كتبت المسرحية في وقت مبكر من عمر الكتابة في المسرح المعاصر. ان (فازوف) كان واحدا من اللذين شاكسوا الواقع ببحثه عن المثيرات التي توقد الذهن وتحفزه طيلة الزمن المسرحي للعرض. من المؤكد من انها ليست سابقة لكنها تسجل للكاتب الذي جعل التراجيديا فنا لايخلو من الدعابة، ولكي نبعده عن الشبهات التي تقربه من التهريج الذي قد يسقط التراجيديا في منطقة لم تألفها سابقا وفي مسرحية جيدة الصنع، يمكننا أن نطلق عليها تسمية ( التهريج المثقف )، التي تقربها من دعابات المثقفين، أو الكوميديا من خارج منطقة المسرح. ولم يكن المخرج البلغاري ( نيكولا بيتكوف ) الذي نجح في تماما، انتهاج الكوميديا ثوبا للمأساة، حين قتل الملل عند الجمهور المتلقي وعلى مدى ساعتين، لاسيما حين ابتكر التحية الخاصة بالممثلين في ختام العرض فجعل منها احتفالية مبهجة، نقلت حالة الجمهور من التلقي السلبي للمشاركة التي تساهم ايجابيا في الارتقاء بالعرض. مستعينا بالتأليف الموسيقي للختام الذي ينسجم مع الحالة حين تستقبلها الأكف بالتصفيق المنغم مع أول ضربة صنج. ولم تكن (المبارزة) هي الوحيدة من بين مسرحيات (ايفان فازوف) التي تحمل الجدة والمداعبة في كتابتها، بل كانت أغلب مسرحياته تتسم بموضوعاتها الوطنية، التي تتناول معاناة البلغار من الاحتلال العثماني زمنا طويلا ناهز الـ 500. وفي استقراء سريع لمجمل اعمال (فازوف)، التي قدمها المسرح الوطني المسمى باسمه حصرا، ومنذ بداية تأسيسه نراه يقف في مقدمة الكبار من المؤلفين الذين قدمهم المسرح البلغاري، حيث قدمت له وحده (23) نصا مسرحيا، منها: (الغرباء 1904)، (نحو السقوط 1907)، (تحت الاحتلال 1910)، (ملكة الكالازار 1917)، وغيرها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - الاستاذ فاضل خليل المحترم
عبد الرضا حمد جاسم ( 2013 / 11 / 30 - 12:09 )
تحية و سلام و محبة و احترام
مع امنية ان يكون العام تمام
اسعدتنا جدا طلتكم البهية من على مسرح الحوار المتمدن
من اليوم الاول اتابع طلتكم لكن استمراكم اكد لنا انكم كما كنتم باستمرار ترفدون و تضيفون و تقدمون رغم الضغوطات و القساوات التي مرت ... ننتظر المزيد من خلال مسرح الثقافة الفضائي الحوار المتمدن مع طلب بان تبادرون لدعوة زملائكم الرواد في كل المجالات بالطله علينا من على هذا المسرح الملتزم كما انتم
دمتم بتمام العافيه

اخر الافلام

.. راجل و 2 ستات - شوف أفضل أفلام لإسماعيل ياسين بالنسبة لهيدي


.. لو العركة ابتدت هتزعل ??.. تفاصيل الخناقة الأشهر على السوشيا


.. مسرحية -إيزابيل ثلاثة مراكب ومشعوذ- للمسرحي الإيطالي -داريو




.. عاجل ? الرئيس السيسي يوجه بشمول الفنانين ببرامج الحماية التأ


.. كلمة أخيرة- لميس الحديدي توضح الفرق بين الغناء الايف والبلاي