الحوار المتمدن - موبايل


المعارضة التفكيكية في المسرح المصري

هاني أبو الحسن سلام

2013 / 12 / 3
الحركة العمالية والنقابية


المعارضة التفكيكية في المسرح المصري

- تطبيقا على مسرح نجيب سرور وألفريد فرج-

د. هاني أبو الحسن

مفهوم التفكيك :
هو الأساس الذي قام عليه اتجاه نقد مابعد الحداثة في معارضته لاتجاه نقد الحداثه اعتمادا على ما أسماه الفيلسوف (جاك دريدا) بقراءة الإساءة ، التي لا تعترف بوجود دلالة تامة للنص مما دعاه إلى اقتراح ما يسمى (بالاختلاف المرجأ)
ويرى ( دريدا) أن كل قراءة للنص تخرج بدلالة مختلفة عن القراءات السابقة له ، بمعنى أن دلالة النص تظل مفتوحة أمام كل قراءة جديدة . وبما أن القراءات للنص الواحد نفسه لا تتوقف طالما وجد من يقرأه إلى ما لا نهاية ، فذلك معناه عدم وجود اتفاق بالإجماع على دلالة كاملة للنص ، لذلك يوجد دائماً وباستمرار اختلاف حول وجود دلالة تامة للنص ، لأن كل قراءة له تسئ للقراءات التي سبقته . فما الحل إذن؟
يرى (جاك دريدا) ضرورة إرجاء الاختلاف على دلالة نهائية للنص ، لذلك نادي بما يعرف (بالاختلاف المرجأ) أي الاختلاف المؤجل .

نظريات التفكيك :
يدخل فيها كل نظريات نقد ما بعد الحداثة مثل :
- نظرية التلقي .
- نظرية النقد النسوي.
- البنيوية التوليدية.
- النظرية الشكلانية.
- النظرية السميولوجية.
- النظرية التأويلية.

ماهية التفكيك :
- هو اتجاه نقدي ما بعد حداثي معاصر .
- يتعرض لبنية التضاد بين رؤيتين متناقضتين للعالم ، من خلال عملية التحول الساخر للأدوار . بهدف هدم دعائم التقليد أو خلخلة بنيتها .
- والتفكيك يقوم على فك بنية النص بحثا عن التناقضات في خطابه ( مضمونه) والكشف عن تناقض بنية أنساقه
- من أمثلة ذلك المنهج ما نجده عند توفبق الحكيم في مسرحيته ( الدنيا رواية هزلية) حيث أسلوب تشظي الحدث وتداخل الإزمنة والأمكنة ؛ فمن الممكن وجود الشخصية المسرحية في مكانين مختلفين في زمن واحد أو وجود الشخصية في زمانين في مكان واحد مع أنهما من عصرين أو فترتين تاريخيتين مختلفتين ومتباعدين في الزمن ( مثل وجود كليوباترا وأنطونيو ووجود الرئيس الأمريكي كبند وزوجته في الوقت نفسه . ومن الأمثلة أيضاً ، ما نجده عند آرثر ميللر في مسرحيته ( بعد السقوطألفي بنيتها التي اعتمد فيها على تقنية الاسترجاع flash back ووتقنية البناء المتجاور للأحداث ، مع الحنين لماضيه مع مطلقته ( ماجي - التي رسمها صورة معادلة لشخصية زوجته النجمة السينمائية الشهيرة مارلين مونرو ) وكذلك ما نجده عند (الفريد فرج) في عدد من مسرحيا ته منها (جواز على ورقة طلاق) التي ينقض فيها خطاب تزاوج الطبقة الرأسمالية بالطبقة العاملة ، بالتوازن فيما بين بنية نصه ووعيه هو نفسه بتناقض ذلك الخطاب الذي جسدته فكرة الاتحاد الاشتراكي وتحالف العمال والفلاحين مع الرأسماليين ، فهو يرى ذلك الاندماج بين الأغنياء والفقراء شيئا مستحيلا ، إذن هو ينقض أو يهدم فكرة ذلك التحالف السياسي ، ومعنى هذا إن بنية نص ألفريد فرج بنية توليدية تقوم على جدل بين خطابه وخطاب مجتمع مصر في مرحلة التحول السياسي نحو ما عرف وقتذاك بالتحول الاشتراكي.

والتفكيك أيضاً عند نجيب سرور في بنية مسرحية ( منين أجيب ناس) خاصة في المشهد الغنائي للافتتاحية ( البحر ليصحح ليه وانا نازلة أدلع أملا الفلل) ثم ينقض هذا الخطاب في الأغنية التراثية بكوبليه : ( مقطع) يلي مذهب الأغنية:
( البحر أبدا ما بيضحكش .. أصل الحكاية ما تضحكش)

تقنيات التفكيك :
- تقنية إقامة علاقة جديدة مركبة مع الماضي .
- تقنية استثارة ذكريات معينة باستخدام قصص رمزية غامضة المعنى .
- تقنية الانتقائية في الأسلوب .
- تقنية تجريب نوع من السرد يقوم على تشابك قصص متعددة تحكي من مناظير مختلفة متداخلة مع منظور مؤلف النص نفسه .
- تقنية الإحالة الساخرة إلى نصوص أخرى . ومحاكاة أسلوبها بهدف إثارة الشكوك حول سلطة المؤلف ومصداقيته .
- تقنية إشارة الشكوك حول مصداقية سلطة الكتابة .
- تقنية تقويض الحدود الفاصلة بين الكتابة التاريخية والكتابة المسرحية .
- تقنية المفارقة والتعددية الساخرة .
- تقنية الشفرة المزدوجة للنص .
- تقنية المبالغة في تفشي المحاكاة الفنية الساخرة
- تقنية الغموض و الالتباس في المعنى : الدلالة المركبة والملغزة.
- تقنية دائرية الأسلوب أو الأسلوب المحوري .
- تقنية صور الحنين للماضي .
- تقنية خلط الأساليب .
- تقنية التشظي في بناء وحدة نص متغثرة متعسرة .
- تقنية التضخيم .
- تقنية الإسهاب .
- تقنية استرجاع الماضي flash back .
- تقنية السرد الانعكاسي.
- تقنية قلب الترتيب المألوف لكلمات الجملة .
- تقنية عكس ترتيب الكلمات في جملتين متوازيتين .
- تقنية حذف بعض حروف من الكلمات.
- تقنية حذف كلمات من الجمل .
- تقنية التعرية.

تطبيقات علي نصوص مسرحية

تفكيك العنوان : ( منين أجيب ناس) :
بالنظر إلى غلاف الكتاب الذي يحتوى على نص المسرحية نجد صورة لتمثال من عمل فنان سوفييتي عبارة عن تكوين لإنسان في وضع يبدو فيه أنه يبذل جهدا جسديا عضليا فوق الطاقة وأسفل صورة التمثال الذي وضع له الفنان عنوان ( الجهد) وعنوان المسرحية ( منين أجيب ناس) الذي كتب تحت الصورة وبالقراءة التفكيكية للعلاقة بين صورة تمثال الجهد السوفيتي وعنوان المسرحية المصرية تتكشف للباحث دلالة تفكيك مصمم غلاف ذلك النص المسرحي ؛ حيث هناك جهد مبذول من الناس في الاتحاد السوفييتي وغياب للناس في مصر . هناك جهد عنالي يبذل وعمل جاد في رائدة الأنظمة الاشتراكية دولة الطبقة العاملة بينما لا جهد ولا عمل حقيقي يبذل عندنا . هذا هو المعني الذي نقرأه قراءة إساءة من مضمون غلاف المسرحية ؛ وهو دال على معنى تفكيكي لمضمون ذلك النص وعاه مصمم الغلاف من خلال قراءته الطبقية التفكيكية لمضمون النص .

تفكيك خطاب النص ( مقولته الأساسية) :

لم يبتعد خطاب النص ( مضمونه) عن الدلالة التي حملها عنوان النص في علاقته الجدلية مع صورة تمثال الجهد المنقولة عن إبداع الفنان السوفييتي ، فالمضمون يفكك فكرة نظام الحكم في مصر وشعاراته حول العمل باعتباره حق وواجب وشرف ، ويعري الشعارات التي ترفعها الدولة عن العمل وتعري صور البطالة والفقر والبيروقراطية الحكومية والبطالة المقنعة دون ظهور انتاج حقيقي يغطي الاحتياجات الحيةية والضرورية للشعب . يعري النظام ويكشف عن فشله في إدارة البلاد اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا ، فالبلد جسم مفصول الرأس ، دولة بلا فكر وخطة قومية تدير شؤونها ، مما استعدى عليها الأعداء ينهشها مرة بالحروب ومرة بالإعلام المضاد ولتشويه تاريخها وتراثها وآثارها المصرية ونسبته لليهود من نسل النبي إبراهيم ويوسف ابن يعقوب .
يفكك المؤلف البنية الكلية (مضمون النص) منظومة الأفكار والمزاعم من ناحية ليعري واقع النظام المصري الحاكم ؛ فيراه جثة متعفنة ، مفصولة الرأس يجرفها الايلر في الماء على امتداد مجرى نهر النيل بلا هوية مجهولة ، كلما قذفها التيار نحو شاطئ بلد أو قرية تسرع السلطة المسؤولة شرطة أو عمدة أو خبراء بإزاحتها في النهر بعيدا عن حدود البلدة خوفا من جهد البحث والتحقيق عن هويتها أو من قتلها وألقى بها في عرض النهر نهبا لطيور جارحة أو أسماك متوحشة أو تماسيح.


تفكيك البنية الأسلوبية للنص:

اعتمدت البنية الأسلوبية للنص على معارضة القصة المصرية التراثية القديمة التي تحكي عن أسطورة ( إيزيس وأوزوريس)
وفيها يحتال الإله ( ست: إله الصحراء أو الشر) على شقيقه. ( أوزوريس: إله الخضرة والنماء ، والخير) ويقطع جسده قطعا بعدد أقطار أو ولايات الدولة المصرية القديمة ؛ كل قطعة في قطر أو ولاية ؛ حتى يستحيل على زوجته المخلصة ( الإلهة. إيزيس) جمع أشلائها ليبعث من جديد ).. فالأسطورة إذن تعتمد على الرمز بالشخصيات وبالبيت نفسها .. ست رمز الصحراء والخراب والشر ، وأوزوريس رمز النماء والخضرة والخير ، وإيزيس رمز البحث والتوحيد وبعث قوى الخير التي مزقها الشر وبعثرها في أنحاء البلاد.

وقد حقق المؤلف" نجيب سرور " بمعارضته لتلك الأسطورة المصرية القديمة توظيفا معاصرا للأسطورة المصرية ليسقطها على الواقع المصري المعاصر ويعرى أنظمة حكمه ، حيث هي عنده فاشبة في توحيد جهود العاملة على أن تثبت وجودها دولة عصرية مدنية موحدة متقدمة ولها إنتاج متطور ، يعرى تقصيرها عن حماية تراثها ، يعرى انفصال جسد الدولة عن نظام حكمها . هو إذن بفكك الرموز القديمة في الأسطورة حيث يوظف تلك الرموز القديمة الأسطورية توظيفا حداثيا معاصرا ، فالشخصيات الرمزية المعاصرة تزيح الشخصيات الرمزية في الأسطورة لتحل محلها شخصيات رمزية حديثة في فن الشعبي المصري الحديث لحكاية (حسن ونعيمة) ليصبح حسن رمزا معادلا في المعارضة التفكيكية لأوزوريس ، ونعيمه رمزا معادلا لإيزيس . وهكذا تعيد نعيمة البحث في كل أنحاء مصر قرى ونجوعا وبنادر بحثا ليس عن جثته بل عن رأسه التى هي في هذه المعارضة المسرحية رمزا معادلا لافتقاد النظام المصري الحاكم في عصرنا لرأس أو منظومة سياسية تدير شؤون البلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا على المستويين الداخلي والخارجي البعيد والقريب .

تفكيك الشخصيات :

لجأ المؤلف إلى الترميز ، على بعدين (رمزي نمطي)
البعد الأول رمزي : بعد معادل رمزي لشخصيتي :( إيزيس : نعيمة) ، ( أوزوريس: حسن) مع استبدال بحث نعيمة عن أشلاء ببحث عن رأس مفقودة .

- البعد الثاني نمطي :
برسم شخصات نمطية تعادل صفات مثل : الساحرات كناية عن الدعاية الصهيونية ومزاعمها بأنها بانية حضارة مصر القديمة ، إلى جانب دورها في لخبطة كل الغزل الذي تعزله الأنظمة المصرية الوطنية في بناء دولة مصرية مدنية حديثة . ومراكبية وعمال وفلاحين وفلاحات مصريين معادلا لصفات اجتماعية لنماذج شعبية مساندة لجهود نعيمة في البحث عن رأس حسن المفقودة ؛ أي عن رأس مفكر مفقود من جسد الدولة المصرية . ونجيب سرور من خلال الشخصيات الرمزية المعاصرة التي أزاحته بصفتها قد رسمت على هيئة تفكيكية للشخصيات الأسطورية التي أزاحتها وحلت محلها في بنية نصه المعارض قد رسمها قسمة ما بين الترميز والوصف النمطي الظاهري بحيث تصبح الشخصية نموذجا بديلا لطبقتها العاملة أو قروية فلاحة أو فلاح - راعي - مراكبي - ساحرة -خفير - عمدة - ....)


تفكيك لغات النص :
تشتمل البنية اللغوية للنص على أربعة مستويات : لغة الحوار ، ولغة الغناء ولغة الإرشادات . والمستوى الرابع ( الخطبة الدرامية الكولاجية) _ كما أطلق عليها د. أبو الحسن سلام

# تفكيك الخطبة الكولاجية :
هي مجموعة المقتبسات ( السرد الانعكاسي)التي صدر بها نجيب سرور نص ( منين أجيب ناس) وهي فقرات من ( كتاب الموتي ونصائح حكيم مثري قديم ونص من التوراه و وآية من القرآن ومقطع من شعر المتنبي ومقطع من شعر المعري ومقطع من شعر أحمد شوقي وفقرات من بيان 30 مارس 1967 وفقرات من خطب الرئيس عبد الناصر وبعض الأمثال والحكم المصرية ) فيما يناظر أسلوب المؤلفين القدامي الذين يصدرون كتبهم بما يعرف ( بخطبة الكتاب ) وقد اعغتبرها د. أبو الحسن جزءا لا ينفصل عن نص المسرحية ، لتعرية المجتمع المصري عبر تاريخه القديم والحديث وكشف لامبالاته وعدم أخذه بما مر عليه من نصوص توجهه وتحثه على قيم الحرية والعدل والخير منها الديني المقدس ومنها الشعري ومنها السياسي . ويرى أن هذه المقدمة الكولاجية أو ( الخطبة الدرامية) لنص ( منين أجيب ناس) هي التي تصل إلى وعي المتلقي للنص بعنوان المسرحية نفسها لتعرية التاريخ المصري كله بعدم وجود ناس تعي وتفهم وتبذل الجهد من أجل أن يكونوا ناسا .

- تفكيك لغة الغناء :
أول ما يلفت النظر في قراءة الأغنية الافتتاحية
مجموعة فتيات قرويات ينزلن في اتجاه النهر ليملأن جرارهن وهن يغنين أغنية مصرية شعبية من التراث تقول:

الفتيات: البحر بيضك ليه ونا
نازلة أدلع أملا القلل
الراوي: البحر أبدا ما بيضحكش
أصل الحكاية ما تضحكش "

المؤلف إذن يفكك الأغنية الفلكلورية الشعبية ، ينقض الدلالة التراثية التي تحملها كلمات الأغنية ؛ من خلال شخصية الراوي الذي يستخدمه المؤلف نجيب سرور نفسه قناعا يضع على لسانه آراءه ، المفككة لآراء ومواقف أو صور تراثية أو اجتماعية أو سياسية في المجتمع المصري في السبعينيات .. زمن كتابته لتلك المسرحية .

تفكيك الشخصيات:
عمل المؤلف على تأليف البني الصغري الفرعية في معارضة الدرامية على توظيف عناصر التفكيك ما بعد الحداي ؛ ومنها : استثارة اللغات والصور الفنية ضد بعضها بعضا .
مثال :
الصورة الغنائية التراثية في مطلع افتتاحية مسرحية نجيب سرور ( منين أجيب ناس):
" البحر بيضحك ليه
وأنا نازلة أدلع أملا القلل "

الصورة المفككة لها في كوبليه الافتتاحية الغنائية نفسها:
" البحر أبدا ما بيضحكش
أصل الحكاية ما تضحكش "

# تقنية السرد الانعكاسي بالغناء ؛ اعتمادا على الأغنية التراثية في الافتتاحية وتفكيكها بتعرية دلالتها الشعبية .
# تقنية السرد الانعكاسي بالحوار: اعتمادا على تضمين الحوار بالكثير من المثال والحكم المصرية الشعبية بهدف تعرية دلالاتها وخلخلة فاعليتها في وجدان المصري المعاصر ، ليهلكها من معتقده أو عاداته أو قناعاته المعتادة بتعرية زيفها وضلال مضامينها التي تحيل المصريين إلى زوايا السلبية والعوامل والتراخي عن بذل الجهود المطلوبة من أجل الاعتماد على النفس للنهوض بالوطن .

# تقنية تقويض بعض المفاهيم السائدة : في المجتمع المصري عبر التاريخ . وأهمها الامبالاة وعدم الاعتبار بأحداث الماضي وتهميش العبر والحكم والوصايا وتجارب الأمم ؛ مع الكتب السماوية المقدسة وقصائد الشعراء وحكم الحكماء والفلاسفة وخطب الساسيين والزعماء لم تتوقف ، على الرغم من أنها ملء الأبصار والأسماع متاحة وملك أيديهم منشورة ومشكلة ومذاعة . خطاب التص في بنيته الكلية يعرى الشعب المصري كله ويقض عدم مبالاته لكل تلك الذخائر من نصوص فرعونية اقتبسها المؤلف نجيب سرور وصدر بها نصه فيما أطلق عليه د. أبو الحسن سلام ( خطبة النص) في بحث له بعنوان ( المقدمة الكلبية في مسرح نجيبسرور) حيث رأي أن نجيب سرور يبدأ نصوصه المسرحية بمفتطفات من أقوال اقتبسها من نصوص دينية ومن أشعار ومن أمثال وحكم وأقوال مأثورة ) وهي تقنية تفكيكية تعرف بالسرد الانعكاسي حيث ي دخل في بنية نصه صورا أو مواقف أو شخصيات أو عبارات أو مقاكع من غناء أو استعراض من أعمال سابقة لمبدع سبقه وبوسطها في بني نصه .

# تقنية تداخل الأساليب الدرامية: من أرسطية اندماجية وإيهامية إلى تغريبة ملحمية وحوار وسرد ، وشخصيات فاعلة في الأحداث وشخصيات معلقة على الأحداث وناقدة لها بهدف تعرية موقف أو حدث أو صورة أو عبارة أو جملة مما يجري على ألسنة الشخصيات ؛ كشخصية الراوي أو الكورس ؛ نائبا عن المؤلف نفسه ؛ حيث يحملها بآرائه وهي التي تعرف الاصطلح الدرامي بالشخصية القناع . هذا بالإضافة إلى تضمين لغة الحوار بالأمصال الشعبية .

وهذا التداخل في الأساليب المسرحية والتقنيات ما بين تضمين وسرد انعكاسي وتداخل في الأمكنة والأزمنة والعصور لرسم الصور المسرحية بما فيها مما يعكس إنحرافا في المجتمع أو نظام الحكم أو الاعتقادات التي جرت عليها العادات والتقاليد المعوقة لتقدم المجتمع ؛ ذلك كله في إطار بنية مدخلها الفرجة المسرحية سبيلا للإقناع باتخاذ موقف من الموقف أو العادة المعروضة .
وتبعا لذلك يرى د. أبو الحسن أن مسرح نجيب سرور قد حقق فكرة الاحتفالية في المسرح إبداعا في نصوصه المسرحية ( ياسين وبهية ، آه ياليل ياقمر ، قولوا لعين الشمس ، ثم منين أجيب ناس ، دون الطنطنة النظرية التي ملأت كتابات عبد الكريم برشيد وبعض النقاد في المغرب .

# تقنية التداخل المكاني والتداخل الزماني ، تراثيا: حيث الإحالة الترميزية للزمن الإفتراضي لقصة إيزيس وأوزوريس ، والترميز للأماكن التي جرة فيها بحث إيزيس عن أشلاء جثة أوزوريس وهي كل أنحاء جغرافية الوطن المصري ، هي أماكن إفتراضية ، مع تداخلها في البنية الزمانية للنص ( مصر في العصر الحديث الافتراضية ) وفي البنية المكانية في مصر الحديثة المعاصرة ( كل أرجاء جغرافيا الترابىالمصري عامة و بالقرب من شاطئ نهر النيل ، خاصة )

معارضة الكاتب المسرحي لنص من نصوصه
(جواز على ورقة طلاق – نموذجا_ - )

من النادر والغريب أن نجد مؤلفا يكتب نصا مسرحيا في فترة زمنية معينة ، في ظل توجهات سياسية واقتصادية واجتماعية ، ليعكس موافقته ورضاه عن تلك التوجهات أو ليعكس رفضه لها ، ثم نجده بعد مضي عشرين عاما أو ثلاثين عاما من تضمينه لرأيه الأول الذي تبناه وعبر عنه في نصه الأول ؛ يعود في ظلنظام مغاير نقيض للنظام الأول في كل توجهاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية ليعارض نصه في كتابته الأولي التي عرضت على المسرح في أواخر الستينيات من نظام عبد الناصر ( نظام رأسمالية الدولة – التي عرفت بالنظام الاشتراكي المصري : ( نظام تحالف قوى الشعب العامل ) هذا ما حدث من المؤلف المسرحي الاشتراكي : "الفريد فرج" ،
الذي كتب مسرحية بعنوان ( جواز على ورقة طلاق) حمل خطابها برأيه في تجربة ( تحالف قوى الشعب العامل) في النظام الناصري ، وهو خطاب يفكك تلك السياسية في فكرة ( تحالف قوى الشعب العامل) معتبر أنها فكرة تحالف تلفيقي بين الطبقات العمالية والبرجوازية الصغري- الفلاحين – والطبقة الوسطي وطبقة كبار الرأسماليين
وما أطلق عليه نظام الستينيات – آنذاك- طبقة المثقفين !! -

غير أن ألفؤيد فرج ، نفسه يعارض مسرحيته تلك؛ نفسها( جواز على ورقة طلاق) - في مطلع الألفية الميلادية الثانية – فيفكك خطاب تفكيكه لفكرة التزاوج بين الطبقات ويدين خطاب التحالف الطبقي وشعاراته بالتلفيقية ، وكأنه يفكك المفكك ، متماهيا تماهيا سياسيا مع توجهات نظام الدولة لتزاوج الرأسمال الفردي الخاص مع السلطة التنفيذية الحاكمة في ظل نظام مبارك الذي شهد تربع كبار الرأسماليين المصريين الذين أطلقوا على أنفسخ رجال الأعمال - على مقاعد الوزراء ؛ بما يعني أنهم نلاىك لوسائل الانتاج العامة إلى جانب ملكيتهم لوسائل الإنتاج وأعمال التجارة الخاصة بهم .
كانت معارضة ألفريد فرج الثانية لخطاب نصه في إبداعه الأول في الستينيات الذي فكك فيه خطاب السياسي والاقتصادي والاجتماعي لمظام الستينيات الاشتراكي.

ترى ما الذي حرف خطاب الفريد فرج الاشتراكي القح الذي كان من آحاد الريادات في الحركة الشسوعية المصرية منذ نشأتها ؟! بحيث يرى في ملكية نخبة الرأسمالية المصرية لوسائل الإنتاج العام المملوكة للدولة منذ التأميمات الناصرية لنحو 75% من وسائل الإنتاج المملوكة للأفراد ( الشركات والمصانع وبعض المؤسسات) ونقل ملكيتها للدولة ، تحت شعار ( تحالف قوى الشعب العامل) الذي يجكم مصر من خلال الحزب الواحد ( الاتحاد الإشتراكي) ؛ ليس هذا فحسب ؛ بل تربعهم في مناصب الوزراء في الوقت نفسه ؛ ليصبحوا متحكمين في وسائل الإنتاج العهامة وفي وسائل الإنتاج المملوكة لكل منهم . لماذا فكك خطابه الذي عرى فيه تجربة رأسمالية الدولة المسمي نظام ( تحالف قوى الشعب العامل) باعتباره تحالفا تلفيقيا وزائفا ، للتأكيد على أن فكرة تزاوج الطبقات فكرة مستحيلة . فلماذا نقض رأيه الأول بعد سبعة عشر عاما من تجربة كتابه الأولى للنص ؛ علما بأنه لم يصبح من أصحاب رؤوس الأموال ولم يتبوأ منصبا وزاريا في نظام الرأسمالية الفردية الملتبسة في عهد مبارك ؟! ذلكط يشكل لغزا في نهاية حياة كاتب اشتراكي عربي كبير ، وهو لغز يتوقف عنده هذا الفصل من البحث .



تفكيك خطاب النص في كتابته الأولى:
يواجه ألفريد فرج في نصه ( جواز على ورقة طلاق) الذي كتبه في نهاية الستينيات فكرتين متناقضتين ( فكرة الطبقات الاجتماعية) بفكرة ( التحالفات السياسية) فيجمعهما في وحدة البنية الدرامية للحدث في نص المسرحية ويربطهما في خط صراع درامي شعبي مقارب ؛ يمثل له بفكرة الطلاق ثم الزواج على نسخة عقد زواج وطلاق واحدة في آن واحد . وهي فكرة غرائبية ، غير منطقية ، لكونها غير متماثلة مع الواقع الحقيقي في مثل تلك الحالات الاجتماعية ؛ حيث(مبدأ عدم التناقض) الذي تكلم عنه أرسطو – قديما فالشئ إما أن يكون وإما ألا يكون ، فمن غير المنطق وجود الشئ وعدم وجوده في وقت واحد أو في مكان واحد – .

أسس الفريد بنية خطابه المسرحي في اتجاه تفكيك مقولة تحالف قوى الشعب العامل على هلاقة حب نشأت بين "مراد" ابن الطبقة (الإقطاعية/الرأسمالية) الذي انبهر شأنه شأن طلاب الجامعة المصرية في العهد الملكي بفكرة الاشتراكية ؛ التي انتشرت بين من مثقفين الطبقة الوسطى ، فاخرط مع بعض الشباب اليساري في ذلك الاتجاه واقتنى بعض كتب الماركسية المترجمة إلى العربية.
غير أن البوليس السياسي يطارده ذات يوم مشتبها في حقيبة كتب يحملها < فإذا بها يسره هاربا فيطارده رجال البوليس حتى بيت أسرته الكبير الملاصق لبيت تسكن فيه أسرة حبيبته ( زينب) إبنة أحد العمال ؛ تنقذته (زينب) ابنة الطبقة العاملة من الاعتقال عندما ألقى إليها حقيبة الكتب والمنشورات الاشتراكية على سطح بيتها الملاصق ، فتلقف منه الحقيبة بما فيها من كتب ومنشورات إشتراكية وأحفتها عندها ؛ وبذلك ينجو من الاعتقال .
تنجح والدته في عقد اتفاق مع الحكومة بما لأسرتها من نفوذ ؛ يسافر على أساسه " مراد" ليكمل دراساته العليا خارج مصر. غير أن زينب في فترة غيابه للدراسة خارج البلاد تلتهم محتويات الكتب الاشتراكية بالقراءة وتؤمن بما فيها من أفكار اشتراكية عن العدالة وعن دور الطبقة العاملة في تأليب الصراع الطبقي فتتحول إلي الفكر الاشتراكي وتعتنقه ، ثم تنخرط في كفاح الحركة العمالية ؛ خاصة وأنها هي نفسها عاملة في أحد المصانع .
يتصادف أن يصبح مراد حبيبها مديرا للمصنع الذي تعمل هي بعد عودته من بعثته مهندسا متخصصا في علم ( الأوتو- موشن auto motionحركة التشغيل الآلى للماكينات والمصانع من خلال مهندس كمبيوتر يتحكم في تشغيل كل ماكينات العنبر الواحد . ومعنى ذلك أن هذا التخصص الذي جاء به مراد الذي كان معتنقا للفكر الاشتراكي والذي كان مطاردا من البوليس السياسي في العهد الملكي في مصر ، قد ترك الفكر الاشتراكي وممارساته العملية في الواقع وتحول إلى عنصر من أحطرعناصر هدم فكرة نضال الطبقة العاملة والصراع الطبقي ووعي الطبقة العاملة المنظمة بنظرية ( فائض القيمة ) التي بنى عليها " كارل ماركس " نظريته في كتاب ( رأس المال) باعتبار ذلك الوعي الطبقي الحزبي الأداة الرئيسية لعملية التحول الاشتراكي ؛ متفاعلة - جنبا إلى جنب - مع فكرة ( فائض الإنتاج) .
يلتقي " مراد " بزينب حبيبته الأولى مص2ادفة في أثناء ترأسه لاجتماع مجلس إدارة المصنع الذي أصبحت هي إح أعضاء مجلس إدارته منتخبة لتمثيل عمال المصنع .
تعارض خطته المضادة لمصلحة العمال ، لأنها ستوفر أعداتدا كبيرة من العمال عند تطبيقه لسياسته الإنتاجية المخطط لها حيث التشغيل نصف الآلي لماكينات المصنع مما يتسبب في بطالة نصف عمال المصنع . وتذكره بالمبادئ والأفكار التي كان بؤمن بها قبل سفره للخارج؛ مندهشة من تحوله إلى نقيضه . كما يندهش هو نغسه من التحول الذي حدث في فكرها وثقافتها من فتاة بسيطة تعليمها بسيط إلى معتنقة للفكر الاشتراكي ولنظرية الماركسية وصراع الطبقات وحركة النضال العمالي .
غير أن بعض الرواسب التي تعلق بوجدان الطبقات الشعبية من البرجوازية الصغيرة في تطلعاتها تميل بها نحو الموافقة على التقرب منها ؛ خاصة وأنها ماتزال تحبه ؛ مما سهل عليه انتهاز تلك العاطفة النبيلة غير المتكافئة بينهما أن يقنعها بالزواج منه . ويتم الزواج ، ويصيب أهلها ببعض النعمة ، فأخوها يعمل سائقا لسيارة البيه المدير ، وأبوها يعمل في المصنع .
فماذا عن موقف الهانم والدته سليلة بيوت العراقة الاقطاعية !! تحاول بكل الوسائل إفشال تلك الزيجة غير المتكافئة ؛ إلى أن تنجح أخيرا في تحقيق هدفها بيطلقها مراد تلبية لإرادة أمه (الرمزالطبقي لبقايا النظام الإقطاعي) الذي خرج من صلبه (نموذج رمز النظام الطبقي الرأسمالي) فاتحدا لقهر النموذج الرمز للطبقة العاملة) .
ولكن مراد سليل التحالف الصحيح بين بقايا الطبقة الاقطاعية العالق بها وليدها باكورة الطبقة الرأسمالية ؛ يعلم أن حاجته إلى الطبقة العاملة في ظل مخططه الإنتاجي القائم على منظومة التشغيل نصف الآلي تفرض عليه حتمية الارتباط بالطبقة العاملة ؛ لذلك كان زواج مراد ممثل الرأسمالية الجديدة ورمزها من زينب ممثلة الطبقة العاملة ورمزهها المناضل مرة ثانية على ورقة طلاقهما . وهنا يكون الفريد فرج قد عرى زيف ذلك الزواج الأول ، كما عرى وفكك الزواج الثاني بين الطبقتين الطبقة الرأسمالية ذات الجذور الاقطاعية المصرية والطبقة العمالية .
غير أن(زينب ) بعد الزواج الثاني الذي لم يكتب على وثيقة الطلاق تختفي ؛ بما يشف عن دلالة استحالة التزاوج بين طبقتي العمال والرأسمالية .

المعارضة التفكيكية الثانية لخطاب النص:

في معارضته الثانية في 2005 لنصه الأصلي ( جواز على ورقة طلاق) فكك الفريد فرج خطاب تفكيكه لفكرة استحالة تزاوج الطبقة العاملة بطبقة رسمال ؛ ليجعلها ممكنه ؛ انعكاسا فيما يبدو لفهمه الطبقي بأن ذلك ممكنا بعد أن رأي وعايش تجربة تولى عدد من أصحاب الشركات والمؤسسات الرأسمالية الفردية قد أصبحوا وزراء في عهد مبارك ؛ لذ1ا أعاد كتابة نهاية مسرحيته الأولي لنرى ( زينب) تقبل بإرادتها الحرة دون ضغوط من أحد الزواج مرة ثانية على ورقة طلاقها من مراد مطلقها نفسه؛ بما يفكك موقف الطبقة العاملة ممثلة في رمزها الذي تحول عن فكرة النضال العمالي الطبقي . هو يفكك في هذه المرة موقف الطبقة العاملة المصرية في قبولها بذلك الزواج بين رأس المال والسلطة التنفيذية للنظام ؛. ولكني أري نقضه لموقف الطبقة العاملة المصرية غير موفق ؛ لأنه قرأ بغير تدقيق و بغير تحليل صحيح ودقيق واقع الطبقة العاملة المصرية بعد خصخصة الشركات وتصفيتها وبيع ما يقترب من 70% منها لمستثمرين ومغامرين عرب خليجيين وأتراك وربما يهود صهاينة متخفين بأقنعة شركاء خليجيين أو مصريين ، فالطبقة العاملة سرحت في غالبيتها ، وما تبقى منها في ظل انعدام العمل النقابي كهولة عمالية تضه قدما من أقدامها على حافة (جرف هاو) والأخري على أرض من رمال متحركة . ومن ثم فإن تزاوجا ما لم يتم بينها وطبقة المستثمرين الطفيليين الجدد الذين توج بهم نظام مبارك المزمن رأسه متباهيا ، في مخطط مسيرة توريثه مصر لنجله ؛ تلك الخطة التي عاونه علي السير فيها أولئك النحبة من الرأسمالية المستوزرة . لولا لطف الله بمصر وشعبها ؛ الذي ألهم جيشها الباسل فصحح المسيرة في الانتفاضة الشعبية المليونية التي أحبطت مخخط الاستعمار الامبريالي الأمريكي / الأوروبي المتحالف مع حجاكم قطر وحاكم تركيا لرفع تيار التآمر والخيانة الوطنية لمصر وللبلاد العربية الآخرى متلفحا بعباءة الإسلام من أجل تقسيم البلاد العربية الكبري لتصبح دويلات صغيرة مقسمة ومتناحرة ، تتساوى من حيث جغرافيتها مع جغرافية فلسطين المحتلة بدولة صهيونية عسكرية ؛ متفوقة علميا واقتصادية فياحقق السوق الأوسطية الكبرى الذي يتسع فيها أسواق تلك الدويلات المفتتة المتناحرة والمتخلفة لمنتجات الدولة الصهيونية.
إذن فإن القراءة الطبقية الصحيحة والتحليل السياسي من منظور طبقي ينفى فكرة زواج الطبقة العمالية المصرية بالرأسمالية الطفيلية المستوزرة : لسبب بسيط غياب الطبقة العاملة في الأساس عن واقع الألفية الثانية .

المراجع :
- ةنص مسرحية ألفريد فرج ، جواز على ورقة طلاق ، هيئة الكتاب ، القاهرة 1968
- كتاب : المرايا المقعرة ، د. عبد العزيز حموده ، كتاب عالم المعرفة ، الكويت

- كتاب : ما بعد الحداثية والفنون الأدائية ، تأليف :
نك كأي ، مهرجانالمسرح التجريبي ، وزارة الثقافة

- مجال الدراما ، تأليف : مارتن إسلن ، مهرجان المسرح التجريبي لوزارة الثقافة

- د. أبو الحسن سلام ، اتجاهات النقد المسرحي المعاصر بين النظرية والتطبيق ، طبعة ثانية ، دار طيبة للنشر والتوزيع القاهرة 2000
- د,. أبو الحسن سلام ، المسرح العربي والتراث ، حلقةبحثية بقسم المسرح بكلية الآداب ، ط. جامهة الإسكندرية 1989








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تظاهرات في رام الله وباقي الضفة الغربية احتجاجا على القصف ال


.. موظفو السفارة الأميركية بالجزائر يعايدون الشعب بطريقة مميزة


.. جريمة العامل البرتقالي




.. الخطف والخطف المضاد .. من العصابات التي تسرح وتمرح في السويد


.. نشرة الرابعة | إلزام العاملين في ثلاثة أنشطة تجارية في السعو