الحوار المتمدن - موبايل


لا.. للهوية الواحدة في المسرح

فاضل خليل

2013 / 12 / 5
الادب والفن


ان فكرة البحث عن الهوية العربية في المسرح، فجرت جدلية كبيرة حول اصالة المسرح عند العرب كما احدثت تفكيرا حمل الجدة والمعاصرة من خلال تبنيها وبشكل مكثف لموضوعة التراث التي لهث خلفها المسرحيون كثيرا وعلى مختلف مقاماتهم واهتماماتهم. على ان نعرف بان الكثير منهم كان ينظر الى موضوعة التراث نظرة متدنية بل وينأى عن تقديم اي نص قد يجبره على استخدام الملابس العربية في فتراتها المختلفة اسلامية وماقبل الاسلامية من عباسية واموية وغيرها وما تلاها من فترات قادها المستعمرون المتنوعون. باختصار حتى من كان من المسرحيين فرانكوفونيا هو الآخر اتجه ايضا وبحماسة الى التراث، انطلاقا من اعتقاده بان ذلك يحقق الهوية العربية في المسرح. لم يستثن هذا التوجه، لا المؤلفين والمخرجين بل حمل الكثير منهم الصفتين كي يخوض في التراث مضمونا وشكلا. اما الباحثون فلم يقلوا اهمية بل زادوا في التنقيب في بطون التاريخ املا في سبق الاكتشاف في الظاهرة، أو قل الظواهر والملامح القريبة من المسرح او تتاخمه – رغم بعد الكثير منها عن الظاهرة والمسرح - ليستندوا اليها في عملية (التأصيل)(*) التي نادوا بها، والتي وجدت قمة فورتها في نهاية ستينات القرن الماضي، كما شهدت أفولها كذلك في بداية الثمانينات من القرن نفسه. دفعهم الحماس الى اكتشاف واعتماد الكثير من المراجع السليمة في تلك الحملة منها على سبيل المثال لا الحصر: المقامات، والحكايات الشعبية، والاساطير، الى جانب اهتمامهم بالبحث في الطقوس والجوانب الاجتماعية والدينية الى ماقبل الاسلام وبعده. حتى انهم اعتبروا – حسب دراسة على عقلة عرسان - طواف الجاهلية حول الكعبة ظاهرة مسرحية ـ كانوا يطوفون عرايا رجالا ونساءا متشابكي الايدي، يصفرون، ويصفقون، ويرقصون ـ وغيرهم اعتبر سوق عكاظ بل عموم اسواق العرب حيث التجمعات وما يصاحبها من بيع وشراء وقراءة الشعر، وممارسة القص، وباختصار كل الفعاليات التي تتوفر فيها الحركة والكلام المرتجل وصولا الى طقوس طقوس عاشوراء التي تقام في شهر محرم الحرام لتحكي واقعة الامام الحسين بن علي بن ابي طالب (عليهما السلام). هذه وغيرها انما هي رغبات مخلصة لأن يعطوا المسرحيون العربالاولوية في الريادة الى قوميتهم، بل ويجعلوها سابقة للبدايات الاولى في اليونان. لكن الحقيقة التي لا يختلف عليها أحد هو البداية الثانية التي تعود الى العام 1874 في محاولات:
* مارون النقاش في لبنان .
* ابو خليل القباني في سوريا .
* يعقوب صنوع في مصر .
ومنهم ومن خلالهم انتقل المسرح الى بقية البلدان العربية.
هذا استقراء سريع ، وسنعود الى المعوقات التي حالت دون تطوره بالشكل الذي يتمنوه وليس بسبب عدم الخصوصية او فقدان الهوية. وهناك اسئلة كثيرة تطرح نفسها في مناقشة موضوع كهذا منها:
* هل بالامكان ان نتحدث عن الحركة المسرحية، دون أن نعرف الواقع الآن؟
* هل تحققت الهويات الأهم في الواقع العربي ولم تبق سوى هوية المسرح؟
* هل ابتعدنا عن التقليد الأوربي في الحياة اليومية خارج المسرح ولم يبق الا التقليد في المسرح؟
* هل سعى العاملون في حقول العلوم وبقية الفنون الأدبية والثقافية لتأصيل اختصاصاتهم؟
* هل دعى العاملون في اختصاصات الرياضيات، أو الكيمياء أوالطب، أو النقد، أو الرواية، أو الموسيقى أو التشكيل وفي غيرها من الحقول ولم يتبق غير المسرح؟
السؤال اذن: لماذا اقتصرت الدعوة الى التأصيل في المسرح فقط أو انها سبقت بقية الدعوات الاخرى ؟ هل لأن المسرح أهم من كل تلك المجالات؟
هذه الكم من الأسئلة حفزتني لاثارة هذا الموضوع ثانية لأنتهي بالدعوة الى تركه. على ان نعرف بأنني كنت من ضمن الداعين له. لكني وبعد تفكير وجدت بأن الدعوة لمثل هذا الأمر يعطل كثيرا من تطور العميلة الابداعية. فالمسرح في كل الدنيا واحد بكل تجلياته، بعيد عن الهوية الواحدة، لأنه منجز انساني من حق جميع الناس وبكامل تفاصيله.
بعد مخاض طويل وجدل محتدم وجد المسرحيون العرب انفسهم امام مسؤوليات جديدة اثر اتساع رقعةالعاملين في المسرح والمختصين في مجالاته. ولهذا لم يعد مقبولا اجترار الادعاءآت الماضية بشأن غياب فن المسرح في تأريخ العرب وكانت العودة الى هذا التاريخ نفسه عبر التنقيب والفحص والدراسة بداية لمرحلة اكتشاف ما، وضحناه من فنون مسرحية شعبية والايمان المطلق بأمكانية احياء المسرح العربي انطلاقا من استثمار الموروث القديم في جوانب الشكل الفني والتصرف في المضامين على وفق ما يراه الكتاب المسرحيون من ضرورات فكرية ، علما بأن المسرح الشعبي يقوم اساسا على التأليف الجماعي وما الدعوة الى اعتبار [السامر الشعبي] كشكل يرسخ الهوية العربية في المسرح ، وما يتبعها من اعتبار [الفرفور] من يقوم بدور [الحكواتي] ذلك المهرج المتفاعل مع الجمهور والممثل الذي يؤدي اكثر من شخصية في مسرح [السامر] وكل المسارح الداعية لذلك هو العمود الفقري للعرض ، وعليه ينبغي ان يكون من ذوي الموهبة في القدرة على الاضحاك والارتجال باعتباره حصيلة متوقعة لمشاركة الجمهور في الاحداث . وهو تماما كما كان عليه من شروط مطلوبة في العرض المسرحي الشعبي القديم الذي يصحبه الغناء والرقص وكل ما يوفر الامتاع والمؤانسة للمتفرج وتسليته. ويمكن استعارة ما يدعم العرض من فنون قديمة كخيال الظل والاراجوز. وهناك من اعتمد مسرح [الحلقة] رجوعا الى التراث القديم كما في دعوة [سعد الله ونوس] الذي اعتمد الحكواتي ، وكانت مسرحياته مجالا تطبيقيا لما يسمى [بمسرح المقهى] . مثلما عفعت هذه الاتجاهات كتابا آخرين الى مراجعة اهتماماتهم القديمة والخروج بدعوة جديدة مقاربة تنسجم وطريق المسرح الشعبي كما في دعوة توفيق الحكيم التي حددها في كتابه [قالبنا المسرحي] : وهي دعوة الى استخدام الاشكال الموروثة مثل [فن الحكواتي، والمقلدين، والمداحين ، وفن المقامة]. وقد يكون الحكيم محافظا وملتزما بالدقة الموروثة، لكن التجارب التي جاءت بعد ذلك كانت اكثر نضجا فاصدرت بياناتها النظرية التي وضحت نهجها كما في بيانات [جماعة المسرح الاحتفالي] وشملت دراسة وافية لمنظر الاحتفالية [عبد الكريم برشيد]. ففيها تناول المراجع الاساسية للاحتفالية ، واكد بأن "يتمثل في كل الاحتفالات العربية سواء منها التي كانت ثم بادت او تلك التي مازالت بيننا ويمكن ان نجدها في تظاهرات شعبية مثل [سلطان الطلبة] و[البساط] و [الحلقة] كما نجدها في احتفالات التعازي ويمكن ان نضيف [مسرح السامر] و [الحكواتي] و[الفداوي] و [المداح] و [الراوي] و [خيال الظل] و [القره قوز] و [المقامات]. اما جماعة مسرح [الحكواتي] اللبنانية ، فهي اكثر التصاقا من كل المحاولات التي مر ذكرها من حيث استثمار عروض المسرح الشعبي في التراث وخارجه فهي تشترط في عملها وجود قصة أو حكاية شعبية من التاريخ أو التراث وأحداث واقعة أو حسية. مع تأكيدها على العمل الجماعي وان يكون انتماء افرادها الى اصول شعبية . في هذا الشرط الاخير هناك عدم موضوعية فالانتماء الشعبي لا يعطي تأكيدا للانتماء اليه ، ولا الانتماء الى اصول غيرها يعني عدم الالتزام بها . يفضلون جلوس الجمهور محيطا بالمنصة ومشاركا في الاحداث كعنصر من عناصر كسر الايهام في المسرح.
في اعتقادي بان كل الداعين الى مسرح شعبي عربي هم يتفقون على جوهر الفكرة [الاحتفال]. ومعنى الاحتفال هنا هو أن هناك ترشيق في المستلزمات وزهد في المسعى وعدم مبالغة في بقية المكملات كالمناظر والملابس وكامل مستلزمات العرض المسرحي، أما أين يمكن ان يكون مكان العرض المسرحي؟ فالاجابة هنا تكمن في المكان، حيث ينبغي ان يحقق الصلة الحية مع اكبرعدد ممكن من الناس وبعيدا – قدر الامكان – من [العلبة الايطالية] كمكان لعروضهم وهو الذي يحرر عروضهم من القيود لتلتصق بالشعب اكثر فاختاروا [الشارع] و [المقهى] و [السرادق] و [الساحات] و [الاسواق] وسواها.
نخلص الى ان تهافت العرب على البصمة او الهوية والتأكيد على ضرورة الالتزام بعروبة المسرح، انما هي دعوة أحادية الصوت والجانب، قربتها كثيرا من الدعوات غير المحمودة عند بعض الأفراد، حتى وصفت بالدعوة الشوفينية الساعية الى تأميم المسرح لسلطة المسرح العربية وحرمان بقية القوميات من أحقيتهم بالانتماء اليها ولو بالصفة الانسانية. بل اعتبروه دعوة استعمارية من نوع جديد، هدفها (التجزئة) من خلال سعيها في تجزءة ما لكل قوم من نصيب في المسرح. متناسين من ان في الدعوة الى (التأصيل) تحمل اشكالية منهجية وليست اشكالية معرفية، فهو ـ التأصيل ـ الى جانب معناه في ( التثبت) انما هو ايضا يعني (الاستئصال) وهو غير تاكيد الهوية. ان التأصيل في اللغة له معنيان: الأول/ اقتلاع (اقتلع). و الثاني/ اثبات (ثبت). و (الأصاله)، لاتعني مخالفة الزمن، واقصاء التطور، او(مجافاته). وليس غير الزمن بقادر على خلق الهوية مهما كان نوعها للناس وللاشياء معا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. راجل و 2 ستات - شوف أفضل أفلام لإسماعيل ياسين بالنسبة لهيدي


.. لو العركة ابتدت هتزعل ??.. تفاصيل الخناقة الأشهر على السوشيا


.. مسرحية -إيزابيل ثلاثة مراكب ومشعوذ- للمسرحي الإيطالي -داريو




.. عاجل ? الرئيس السيسي يوجه بشمول الفنانين ببرامج الحماية التأ


.. كلمة أخيرة- لميس الحديدي توضح الفرق بين الغناء الايف والبلاي