الحوار المتمدن - موبايل


توفيق الحكيم يفكك التراث في (سوق الحمير)

هاني أبو الحسن سلام

2013 / 12 / 5
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية


تطبيقات على نص مسرحية ( سوق الحمير) توفيق الحكيم


تفكيك الحكاية التراثية في المسرحية

لتوفيق الحكيم مسرحية قصيرة عنوانها ( سوق الحمير) وهي من ثلاثة مناظر يعري فيها الجنس البشري قياسا على الحمير ويعلى من قدر الحمير قياسا على الحيوانات الأخرى . يستخدم توفيق الحكيم لغة ساخرة سريعة الايقاع ، يؤكد من خلالها أن الحمير أكثر حرية في الكلام من جنس البشر .. وهو هنا ينقض غياب الخرية في المجتمع فالناس متقيدين بقوانين للتعبير عن آرائهم يتحفظون في حديثهم إما تأدبا وإما خشية الوقوع في الخطأ وإما خوفا من محاسبة قانونية .. أما الحمير فتتكلم وقتما تشاء بدون قيد أو شرط ، لذلك هي حرة في التعبير بالنهيق بينما الإنسانغير حر التعبير عن أفكاره دائما ، لذلك هي أفضل ، لأنها تعبر بنهيقها عن نفسها بحرية بلغة خاصة بها لا يشاركها فيها غير ها.

تفكيك الفكرة :
استلهم توفيق الحكيم حكاية من حكايات (جحا ) الفكاهية التي يعري فيها غباء بعض الناس . وهي تحكي عن شراء جحا لحمار من سوق الحمير ، غير أن أحد العاطلين يتتبعه ويحتال مع زميل له لص أيضا لسرقة الحمار دون أن يشعر صاحبه الذي يسحب الحمار من حبل ربط في عنق الحمار مطمئنا إلى أن الحمار يمشي خلفه . غير أن اللص يتسلل ويفك عقدة من حول رقبة الحمار ويضعها في عنقه هو ويمشي خلف صاحب الحمار وكأنهالحمار ، بينما يتسلل اللص اثاني بالحمار بهدوء ويختفي به . وعندما ينظر صاحب الحمار خلفه نحجو حماره يفاجأ بأن إنسانا حل محل حماره .. يندهش صاحب الحمار ، ويسأل الرجل المربوط بدلا من الحمار هو أنسي ولا جني يقول له إنه بني آدم دعت عليه أمه ينسخط حمار فأستجاب الله لدعوتها فأصبح حمارا وتم بيعه ، غير أن من اشتراه باعه لك ( يقصد صاحبه) ثم جئت أنت ( يخاطب صاحب الحمار) فأشتريتني .. وشاءت قدرة الله أن أعود بني آدم لأصلي بعد أن دعت أمي الله لأرجع بني آدم .. سبحان الله من تاني . يبدو تعاطف صاحب الحمار مع قصته ويصدقها . وهنا يرجوه السارق بديل الحمار أن يفك أسره ، فيفعل . وهكذا تحايل اللصان على الرجل الساذج .

تقنية تقويض الحدود الفاصلة بين الكتابة التاريخية والكتابة المسرحية:

والمؤلف في هذا النص المسرحي يعيد كتابة تلك الحكاية ليقوض الحدود الفاصلة بين الكتابة التاريخية أو التراثية والكتابة المسرحية .، ليقول أن الإنسان عبر التاريخ يتصف بالسذاجة والغباء والرضى بذلك سواء علم بغبائه وسذاجته أو لم يعلم ، ومن الناس يتهمون جنس الحمير بالغباء إلا أن من البشر من هو أغبى من الحمير.
المؤلف إذن يعري سذاجة بعض الناس من بني البشر ، ويامهم إما بالغش والتحاليل والنصب وإما بالخفلة والسذاجة ، وفي المقابل يكون الحمار مخلوقا طيبا لا سحتال ولا يسرق ولا يكذب ؛ ولكنه مخلوق صامت ، صبور ، مطيع ، لا يشتكي ولا يتذمر .. على الرغم مما يتحمله من مضايقات الإنسان وقسوته .. ينظر فيما حوله من أفعال جنس الإنسان فيتعجب ولكنه لا يكشف عن رفضه لتلك الأفعال ، فيحس بالاعتزاز بجنس الحمير الذي هو منه .





أقسام المسرحية:

قسمت المسرحية في ثلاثة مناظر : المنظر الأول (في سوق الحمير )-المنظر الثاني ( داخل بيت المزارع) – ( خارج دار المزارع )

لغة المسرحية :
اشتملت اللغة في هذا النص على مستويين : (الحوار) - ( الإرشادات المسرحية) :

- لغة الارشادات المسرحية : وهي قليلة تقتصر على أرشادات وصف المنظر في مقدمة كل منظر من المناظر الثلاثة التي تتكون منها بنية الحدث الدرامي ؛ هي للدلالة على المكان من خلال تفاصيل قليلة دالة على بيئة الحدث في تطوره ) :

المنظر الأول : ( المكان قرب سوق الحمير .. نهيق يسمع عن بعد ... خارج هذه السوق يجلس شخصان يبدو من ملابسهما الرثة وهيئتهما الزرية أنهخما من العاطلين المتسكعين )

المنظر الثاني : ( داخل بيت المزارع .. زوجته مشغولة ببعض أعمال المنزل ... تسمع طرقات على الباب ... )

المنظر الثالث : خارج دار المزارع ... حصاوي يرى فجأة زميله العاطل الأول مقبلا يسحب الحمار الأصلي .. يأخذ الصديقان أحدهما الآخر بالأحضان )



لغة الحوار : هي لغة رشيقة سريعة الايقاع – جملها قصيرة موجزة - كلمات الجمل قليلة – ساخرة تهكمية – معبرة عن الشخصية وعن فكرها وبيئتها كل شخصية ولها خصوصية لغتها المعبرة عن مشاعرها وعن إرادتها الخاصة . تحتوى الجمل على كلمات ناقصة حتى تحقق المعنى المفهوم :



- بنية التفكيك في تقنية الحذف والفجوات :

- " الزوجة : مين ؟
المزارع : ( من الخارج) أنا ياوليه .. افتحي ! ...
الزوجة : ( تفتح الباب ويدخل زوجها ) كنت لحد دلوقت في السوق ؟
المزارع : ولسه راجع منه .
الزوجة : اشتريت الحمار ؟
المزارع: اشتريت ... " ( المنظر الثاني )

- " حصاوي : ( يتأمل حوله) أنا يظهر ... "

كما نلاحظ تقنية التفكيك في عدم تكملته للجملة ، باعتبار بقية الجملة معناها مفهوم ، لأنهما يتحدثان عن شئ اتفقا عليه قبل ذهابه إلى سوفق الحمير ، فخذف الكلام من الجملة بسبب علمها بمضمون ذهابه للسوق ومضمون ماى عاد به منه .. لذلك كان الحذف نوعا من الاختزال والتكثيف في لغة الحوار الدرامي . ومن ناحية أخرى يعبر اختوال المزارع لبقية الجملة في إجابة زوجته ، يعبر عن نوع من الملل في علاقته بها .. كحالة سيكلوجية .. وقد يكون بسبب إرهاقه مما لاقاه في السوق من ضجيج ونداءات ومشادات كلامية وربما غير كلامية .. وهذا تأويل نقدييفكك دلالة حذفه لبقية الجملة في حوابه المختزل على زوجته .. ليترك لها ملء الفجوة التي تركها عدم تكملته للجملة .. وذلك من تقنيات بنية الكتابة التفكيكية .

تقنية المبالغة في تفشي المحاكاة الفنية الساخرة:

من تقنيات التفكيك في نصوص ما بعد الحداثة تقنية المبالغة في مواقف المحاكاة التهكمية الساخرة ، وتتمثل هنا في المفارقة الكوميدية الساخرة التي يباغت بها المزارع زوجته ويخيب ظنها أو يبطل أفق توقعاتها ، إذ كان ةمن الطبيعي أن تتوقع إدخال الحمار الذي اشتراه زوجها في الزريبة :

" الزوجة : دخلته الزريبة ؟
المزارع : زريبة إيه ياوليه ... خش يا سيد حصاوي ...
الزوجة : أنت معك ضيف ؟
المزارع : مش ضيف ... دا يبقى ... بعدين أقولك ...
المزارع : روحي أنت اعملي لي كباية شاي ... ( الزوجة تنصرف )

تقنية استثارة ذكريات معينة باستخدام قصص رمزية غامضة المعنى:

يستخدم توفيق الحكيم هذه القصة ىالرمزية التي استلهمها من حكاية تراثية لاستثارة المتلقي بهدف تعرية فكرة اختلاف العاطلين والمتصعلكين والطبقات الدنيا الفقيرة في معاناتها وتعبها في الحياة وتحملها للمشاق الدنيوية واستثارة ذكرياتهم فيما عانوه وتحملوه ، وهو ما يتعادل مع ما يلقاه الحمير في حياتهم وشقائهم مع البشر ، دون أن يتذمر حمار أو يشتكي بعكس الإنسان الكثير الشكوى والتذمر . مع الرمز الساخر الذي يساوى فيه بين الفقفراء في مجتمعنا المصري والحمير :

" حصاوي : ( يتأمل حوله ) أنا يظهر ...
المزارع : وأنا حا أقول لمراتي إيه ؟
حصاوي : قل لها الحقيثقة ...
المزارع : الحقيقة ؟!
حصاوي: بالضبط .. لا كلمة زيادة ولا كلمة ناقصة .. مافيش أحسن من الصراحة ...
المزارع : وأنت على كده حاتنام فين ؟
حصاوي: في الزريبة برضه !
المزارع : الزريبة إزاي ؟ ... ودا يصح ؟!
خصاوي: مكاني كده !.. ما تغيرش الأوضاع .. كل ما في الأمر إن كان عندكم مرتبة
ومخدة ... افرشوا لي هناك ...
المزارع : طيب والأكل ؟ ... مش معقول حتاكل تبن ودريس وبرسيم وفول ...
حصاوي : آكل فول .. بس يكون مدمس
المزارع: وعليه شوية زيت ...
حصاوي : وعليه فص لمون ..
المزارع: وحاتفضل تاكل فول على طول ؟
حصاوي: نعمة من الله ! ..
المزارع : على رأيك .. الحمير أكلها كله واحد .. لا تعرف فطار ولا غدا ولا عشا ..
هو التبن والدريس والبرسيم والفول .. ما فيش غيره ...
حصاوي : أنا عارف كده
المزارع: طيب .. خلصنا من نومك وأكلك .. قل لي بقى راح تشتغل إيه ؟
حصاوي: كل شغل الحمير ... ما عدا الركوب ...
المزارع : الركوب ؟!
حصاوي: ما تقدرش تركبني .. لأن مصيرك تقع ...
المزارع: والحمولة ؟ .. أنا مثلا كنت ناوي أحمل على الحمار حمولة فجل وكرات لتاجر الخضار ...
خصاوي: أنا أقوم بالشغلة دي .
المزارع حاتشيل الخضار على كتفك ؟
حصاوي: دا شغلي بقى .. أنا اتصرف .. أنا صحيح حمار .. لكن عندي عقل ...
المزارع/ عقل ؟! .. مسألة العقل دي أنا كنت ناسيها ... " ( المنظر الثاني)


تقنية إشارة الشكوك حول مصداقية سلطة الكتابة :

تقوم بنية نص ( سوق الحمير) لتوفيق الحكيم على تشكيك المتلقي حول مصداقية الكتابة في قدرتها على فرض نفسها عليه بحيث تتحكم في وعيه فيتحول إلى إنسان سلبي معتمد هلى معرفة الأجداد الملتبسة والترميزية ، بمعنى أن هذا التشكيك في سلطة الكتابة على وعي المتلقى تكون هي والعدم سواء إذا راجع بعقليه ووعيه ، خاصة وعيه الطبقي ما يتلقاه من كتابات تراثية على وجه الخصوص . فالنص إذن يفكك حكاية تصديق المزارع للص المحتال الذي سرق منه حماره وحل محله مدعيا أنه مسخوط بدعاء أمه ، ليعرى لنا مصداقية تلك الحكاية التراثية فيما يسقطها على الواقع ، ليضع المتلقي أمام موقف عليه أن يتخذه ، وهو أن من يصدق مثل تلك الحكاية التراثية أو يأخذها على سبيل غير سبيل التعليمية وتربية الوعي والحس النقدي ، هو والحمار سواء .


ويكشف حوار المزارع في حكيه لقصة حصاوي ، بأنه بني آدم سخط حمارا ، وتشككها في سلامة عقل زوجها :

" الزوجة : مش حا أصدق إيه ؟
المزارع: اللي حاأقولك عليه دلوقت ...
الزوجة: ليه ؟ طيب بس قول ...
المزارع: دا يبقى هو ... الحمار اللي اأنا شتريته
الزوجة : الحمار ؟..
المزارع: أيوه .. مش أنا رحت سوق الحمير النهاردة ، لأجل اشتري حمار ؟ .. آهو دا الحمار اللي أنا اشتريته من السوق.
الزوجة: أنت ياراجل عاوز تاكل لعقلي حلاوة ؟!
المزارع : مش قلت لك مش خاتصدقي ؟!
الزوجة : أصدق إيه بس .. هو السوق بيبيع حمير بني آدمين كده ؟!
المزارع: دا ماكنش بني آدم ساعة ما أشتريته .. كان حمار زي بقية الجمير .. وبينهق
الزوجة: زبينهق كمان ؟!..
المزارع : آي والله والمصحف.. كان بينهق !..
الزوجة: وبعدين؟
المزارع: وبعدين في السكة وأنا ساحبه بالحبل .. التفت ورايا لقيته انقلب بني آدم ..
الزوجة: يا حفيظ ! عفريت ؟!
المزارع: لا ياوليه مش عفريت .. دا كان مسخوط ! كان في الأصل بني آدم ابن ناس طيبين زينا .. واتسخط حمار .. وباعوه في السوق .. وأنا اشتريته .. وأراد الله سبحانه وتعالى أن يكرمني قام رجعه بني آدم ...
الزوجة/ قدرتك يارب !
المزارع : آهو دا اللي حصل..
الزوجة: لكن .. بس يعني ..
المزارع: إيه ؟ عاوزه تقولي حاجة ؟..
الزوجة: ولا حاجة ...
المزارع: لا .. أنت عاوزة تقولي حاجة..
الزوجة: عاوزة أقول حاتعمل به إيه دلوقت وهو كده بني آدم ؟!
المزارع: نعمل به إيه ؟! زي أي حمار بالضبظ .. وزيادة .. على كدهخ كمان عنده
عقل ..


الزوجة : يعني مش حانقدر نركبه ... "
مشكلة التصديق حسب العادة دون تفكير قضية متفشية في المجتمعات غير المتعلمة

هكذا يعمل توفيق الحكيم على تفكيك مرويات التراث وحكاياته الخرافية التي تحكي على سبيل الرمز وعلى سبيل التعليمية وعلى سبيل التسلية الفكاهية الساخرة ، غير أن تفكيك الحكيم للحكاية التراثية بقصد التعليمية والتنوير إلى جانب التسلية ، وهو صاحب مقولة ( المسرح فكر وفرجة )








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. من جديد.. الفصائل الفلسطينية تطلق 130 صاروخا باتجاه عسقلان و


.. ماهي الصواريخ التي استخدمتها الفصائل الفلسطينية ووصلت إلى عم


.. ارتفاع عدد الضحايا في غزة، وإسرائيل تستهدف قياديين بالفصائل




.. كيف يمكن أن تكون لدى الفصائل الفلسطينية في غزة قوة صاروخية ر


.. رصيف الغربا- مسلسل لبناني يرصد الصراع الطبقي في خمسينيات الق