الحوار المتمدن - موبايل


الكيلومتر الثلاثون

خيري حمدان

2013 / 12 / 12
الادب والفن


الكيلومتر الثلاثون
خيري حمدان

أتماهى مع الطريق السريع العابر للفضاء الشاسع أمامي، أشعر بنبض العجلات كأنّها قد توحّدت مع نبضات قلبي، لا شيء يحول دون دورانها وتسلّل خيوط الشمس الدافئة إلى فضاء عربتي الصغيرة. تتكرّر هذه التجربة كلّ يوم جيئة وذهابًا في ساعات محدّدة، أكاد أغفو على رتابة الموسيقى والأغاني المنبعثة من إذاعة "إف إم" المحليّة المفضّلة، وفجأة أدوس الكوابح لتخفيف السرعة عند أحد المنعطفات بطريقة تلقائية. يُهيّأ لي في كلّ مرّة أقترب فيها من المنحنى بأن لي حكاية لم تنته مع هذا المربّع الأسود من الطريق السريع، وأتسبّب أحيانًا بتوتّر في حركة السير لردّة فعلي غير الواعية. لم أتوانَ في كلّ مرّة عن ركن السيارة بعيدًا عن المسارات الثلاث الكالحة، كي أتمالك ذاتي ثانية قبل الانطلاق لوجهتي المعلومة.

غادرت السيارة بحذر وتمعّنت في الفراغ المعتم تحت أقدامي، مشيت خطوات ونفذت من الجهة الأخرى للمنحنى، لا شيء، لا صوت سوى أصوات المحرّكات الهادرة، وفي الوادي السحيق في الأسفل بالكاد يُسمعُ صوت خرير نهر صغير يجري إلى جهة ما، لا تهمّني، كلّ هذه التفاصيل لا تستدعي فضول أحد. حين عُدتُ لعربتي نظرت إلى عدّاد الكيلومترات، فوجدت بأنّني قد قطعت قرابة ثلاثين كيلومتر خارج حدود المدينة، وبقي ثلاثون أخرى كي أصل إلى مقرّ الجامعة لألقي بمحاضراتي، ثمّ أتوجّه في الطريق نفسه عائدًا إلى بيتي.

قد أذهب يومًا ما إلى طبيب نفسي متخصّص لأجد بعض الحلول الممكنة للكيلومتر الثلاثين، سأذهب حتّى وإن اعتبرني البعض قد أصبت بلوثة. بعد أيام، اضطررت للذهاب إلى الجامعة، بعد أن اضطرّ زميلي الأستاذ نصري المحاضر في قسم الفلسفة لمغادرة البلاد في رحلة عاجلة، وطلب منّي العميد إنجاز بعض مهامه. لا أخفي عليكم، سعدت بهذه الثقة المفاجئة وسارعت بإدارة محرّك السيارة والتوجّه إلى معقل العقول الواعدة. المقطع ذاته، هذه المرّة صرخت امرأة من الغيب "قَفْ"، تسمّرت السيارة في مكانها المألوف، ولم أجرؤ على الانطلاق ثانية قبل مضيّ دقائق. في طريق العودة ونكاية بهذا العناد الجغرافي أطلقت العنان للسيارة بقطع هذا المربّع بسرعة جنونية لا تليق بأستاذ جامعيّ ولكن دون عواقب تُذكر.
انقضت خمس سنوات كاملة على هذا الرهاب، دون أيّ تحسّن يذكر. قابلت بالطبع الطبيب النفسي الذي أوصاني به أحد الزملاء، لكنّه لم يقدّم لي أيّة حلول، وبعد الجلسة الرابعة أو الخامسة، طلب منّي مغادرة عيادته وعدم العودة ثانية، صائحًا: يلعن حرم الثلاثين كيلومتر، فكّ عنّا يا رجل.

قد يظنّ البعض بأنّ تلك الطريق حُبلى بكنز ثمين في ذلك المربّع، وربّما تحاول الأصوات والأشباح مساعدتي بتجنّب حادث سير مفجع. أنا بالطبع، ما زلتُ ملتزمًا بهذا التقليد، وسأتوقّفُ كلّما بلغت الكيلومتر الثلاثين في طريقي نحو الجامعة.

القصة من المجموعة القصصية "تقويم الزمن الضائع".








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. صباح العربية | فنان مصري يبدع برسم لوحات بفمِه وقدميه


.. ماذا يعني التنازل عن الملكية الفكرية للقاحات كورونا؟


.. شاهد: مظاهرات بالشموع والموسيقى احتجاجا على الأوضاع الاقتصاد




.. سر العلقة الساخنة من تحية كاريوكا للفنانة رجاء الجداوى مع ال


.. الرجل الأول في فيلم الرجل الثاني.. لواء الشرطة الذي أغرته ال