الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


كتابة على حيطان الطفولة

حيدر الكعبي

2013 / 12 / 13
الادب والفن



ملاحظة:


القصيدة التالية كتبتُها حين كنت في السادسة عشرة، أي قبل حوالي 43 سنة. أرسلتْها إليّ مشكورة الزميلة الشاعرة والمترجمة د. هناء البياتي التي كانت تشارك في المسابقات الشعرية الطلابية لمديرية تربية البصرة آنذاك. القصيدة لم أنشرها، ولم أحاول نشرها. بل أهملتها تماماً. والغاية من نشرها هنا الآن هو رغبتي في التعليق عليها (عدا عن حب الذات الغريزي الذي يدفعني للتشبث بجزء من ماضيَّ). القصيدة هذه فازت بالجائزة الأولى في المسابقات المذكورة في تلك السنة (1971). وواضح من إهمالي لها ومن فوزها بالجائزة التناقض بين تقييمي لها وتقييم اللجنة المحكمّة للمسابقات. كانت هذه المسابقات تنظم على غرار مباريات كرة القدم، فهناك تصفيات أولية، وهناك شبه نهائي، وهناك نهائي. كان بين "صعد" معي الى النهائي شعراء كنت أنظر إليهم مثلما ينظر العامل الى "الأسطة" (والعامل على الأرض والأسطة على "الإسْكَلَّة")، شعراء كانوا إذا امتدحوا شيئاَ كتبْتُه كنت أعتبر ذلك من قبيل التفضل والمجاملة والتشجيع، لا غير، شعراء مثل عبد الحسن الشذر وعلي نوير وفالح كامل (الأخير هجر الشعر على حد علمي). كنا ثمانية في "النهائي." ولم يكن يخالجني الشك حينذاك، ولا يخالجني الشك الآن بأن قصيدة عبد الحسن الشذر "أسباخ على أجنحة النوارس" كانت من أنضج القصائد الثماني، وربما أنضجها جميعاً. ولم يكن يخالجني الشك آنذاك، ولا يخالجنى الشك الآن، بأن قصيدتي كانت من أشد القصائد سذاجة (وهي أمام القاريء، على كل حال). لكنني، مع علمي بهذا كله، كنت سعيداً بالنتيجة. والنتيجة هي فوزي بالجائزة الأولى، وفوز عبد الحسن الشذر بالجائزة الثامنة، أي أنه جاء ثامن ثمانية. ولو كنا تسعة لجاء عبد الحسن تاسعاً، ولو كنا اثنين وسبعين لجاء الثاني والسبعين. ونتيجة عبد الحسن كانت عقوبة له (لا من اللجنة المحكمة التي ضمت عدداً من الشخصيات الأدبية المرموقة في البصرة، بل من جهات حزبية تدخلت في التحكيم، حسب ظني). والسبب هو أن عبد الحسن أهدى قصيدته الى عبد الخالق محجوب، الأمين العام للحزب الشيوعي السوداني. ومادمت قد أطلت الوقوف عند عبد الحسن، أود الإشارة الى أن قصيدته هذه الفائزة بالمرتبة الثامنة في مسابقة قوامها ثمانية شعراء (وهي موجودة على صفحتي الفيسبوكية) كنت قد قمتُ بترجمتها الى الإنكليزية ونشر ترجمتها في كتاب (أزهار اللهب: أصوات العراق غير المسموعة)، بعد أكثر من 36 عاماً على كتابتها. إنني أجد التفكير في موضوع الجوائز الأدبية ممتعاً أحياناً، ولكن أشد ما يطربني هو عبارة "حَصَدَ."




"كتابة على حيطان الطفولة"*



هنا حيث تحبو الظهيرة تشتد عين الهجير صلافة
هنا، طيَّ هذا المكان وهذا الزمان،
يفكر شيخ العشيرة—ذاك الكريم، الأمين، المطاع، الأبيُّ، المبجلْ—
بتنظيم مأدبةٍ للمغيرين غِبَّ انتهاء الحصادْ
ولا فرق بين الحصاد المبكر والمأدبةْ
سوى أن ذاك الحصاد المبكر مثل العصافير غيرُ منظَّم.

***

وقد كانت الأرض تطمث نافثةً وَغَرَ الصدر ماءً ودمْ
وكان العدمْ
بعيداً، بعيداً، بعيداً، وراء العيون الجميلة
وكيما يظلُّ العدم
بعيداً، بعيداً، بعيداً، وراء العيون الجميلة
بأقصى مكانْ
فقد كانت الأرض تطمث نافثةً وغر الصدر ماءً ودمْ
بكل مكانْ


***

هنا، حيث أرسم بحري الجميلْ
على صفحة كالحمامة بيضاءَ، ينسابُ طوعَ يدي بوداعةْ
أدقّقُ فيه، أقبّله فوق جنح الحمامةْ
أراه غريباً
يحدّق في موضع القلب منهُ
يراه غريباً
يراني غريباً
أراني—بدوري—غريباً
غريباً كسرب القطاة المهاجر، عَزَّ عليه الدليلُ الحبيبُ
المعلَّقُ فوق الغصون كرايةْ
فأغمس فرشانيَ العاتبةْ
بعلبة أصباغيَ العاتبةْ
وأرسم في موضع القلب منه بلادي
فتبتسم الصورة النائمةْ
على صفحةٍ كالحمامة بيضاءَ، تهتز بين يدي ريشةُ الرسمِ
جذلى، فأبسم، تشرقُ شمسٌ تضيءُ ابتسامةَ
علبةِ أصباغيَ الحالمةْ.

***


هنا، حيث كل الوجوه أليفةْ،
مقاعدُ مدرستي والطباشيرُ والبِشْرُ والأصدقاءُ،
الأساتذة، السِّدْرُ قؤب السياج، كما البابُ والحائطُ المستطيلُ،
وكنتُ أنا ورفاقي
—بحُكم اعتياداتنا الساذجة—
نخطُّ على الحائط الذكريات وأسماءنا والأماني.

***

هنا، حيث أبصر في كل وجهٍ يطالعني وجهَ شعبي
ومحفورةً تلتقيني السنون التي سوف تأتي
محملةً بالضياء العظيم
بآماق هذي العيون التي أقرأ الآن فيها
عيوني، وأقرأ فيها
عيون المياه التي اخضرَتِ الأرض منها.

***

هنا، حيث تقبع مدرستي غابة ً من حنانْ
تضمُّ تلاميذها، هؤلاء الصغارَ الذين مضوا يرسمونَ
بلادَهُمُ بارتعاشٍ وغبطةْ
هنا، حيث يجلس جيلٌ سيعركُ آلام أمةْ
تجيء القنابلُ ممطرةً سقفَ مدرستي
وشارخةً وجهَ شعبي
وحارقةً صفحات الرسومِ
وخارقةً صفحاتِ السلامِ
ملوثةً ذلك البحرَ، ذاك الذي حدَّدَ الأصدقاءُ الصغارُ
بفِرشاتِهم موضعَ القلبِ فيهِ
هنا نحن نجلسُ نرسمُ نأكلُ نكبرُ نحيا نموتْ.



1971


* العنوان اقترحه علي الشاعر الراحل مهدي محمد علي الذي كان مدرسي للغة العربية حينذاك.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. -بيروت اند بيوند- : مشروع تجاوز حدود لبنان في دعم الموسيقى ا


.. صباح العربية | الفنان السعودي سعود أحمد يكشف سر حبه للراحل ط




.. فيلم تسجيلي عن مجمع هاير مصر للصناعات الإلكترونية


.. جبهة الخلاص الوطني تصف الانتخابات الرئاسية بالمسرحية في تونس




.. عام على رحيل مصطفى درويش.. آخر ما قاله الفنان الراحل