الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مقارنة بين امريكا والامبراطوريات السابقة 2 من 2

هشام القروي
كاتب وشاعر وروائي وباحث في العلوم الاجتماعية

(Hichem Karoui)

2005 / 6 / 20
مواضيع وابحاث سياسية


يقول اليوت كوهين , استاذ الدراسات الدولية بجامعة جون هوبكينز , في معرض مقارنته بين الامبراطورية الامريكية وسابقاتها ان النظرة من الداخل تعطي صورة غير تلك التي تعطيها النظرة من الخارج. فالجنرالات والأدميرالات يتأففون من الافراط في نشر القوات بشكل يفقدها العمق ويتوقعون التعرض للتهديدات من جانب اعداد غير تقليديين ولا نظاميين ممن سيتجنبون مواجهة القوة الأميركية ويبحثون عن نقاط ضعفها لضربها ويخشون من أن قادتهم السياسيين سيقعون في فخ غواية القوة العظمى وان المدنيين لن يفهموا أبدا الثمن الذي سيدفع مالا ودما لاي حرب.
هؤلاء القادة العسكريون يدركون أكثر من قادتهم المدنيين هشاشة القوة العسكرية العظمى. غير ان هذا لا يغير حقيقة الهيمنة الأميركية. الامبراطور اغسطس والزعيم ديزرائيلي فقدا قواتهما امام خصوم بدائيين اقل شأنا بالسلاح، وحسب الاعتقاد الامبراطوري، بالثقافة ايضا. حتى في فيتنام، التي بلغت فيها هذه الاعتبارات ذروتها، لم تتعرض الولايات المتحدة لمثل تلك الهزائم. اليوم، لا يوجد للقوات الاميركية شبيه، والفجوة التي تفصلها عن غيرها تزداد وليس العكس.
غير انه لا يمكن لأي امبراطورية ان تستديم نفسها بالاعتماد على القوة العسكرية المباشرة وحدها. بل تحتاج، على اقل تقدير ممكن الى موارد كافية لتوليد هذه القوة. لكن هنا ايضا تبرز التناقضات بين الحالة الاميركية وسابقاتها الامبراطوريات بقوة. فروما لم تكن سوى مدينة وبريطانيا مجموعة جزر متوسطة الحجم على المحيط اليورو آسيوي. اما الولايات المتحدة فهي قارة ضخمة وغنية. اواسط القرن التاسع عشر، لم يكن عدد سكان بريطانيا سوى اكثر بقليل من نصف سكان فرنسا .
وأقل بكثير من القوى الاخرى الناهضة ـ ألمانيا والولايات المتحدة وروسيا. وتقدمها الاقتصادي السابق على باقي أوروبا كان قد تراجع على كل الصعد باستثناء ميدان التمويل. ومع نهاية القرن تخلفت عن ألمانيا في انتاج الفولاذ والطاقة الكهربائية. اما الولايات المتحدة في المقابل فهي ثالث اضخم دولة سكانياً في العالم وبخلاف معظم الدول المتقدمة، تتمتع بمعدل ولادات يعادل تقريبا نسبة الاستبدال الموجودة. كما انها صاحبة الانتاج الاقتصادي الذي يقل قليلاً عن ثلث الانتاج العالمي برمته. كما انها لا تعيش على الاموال المتراكمة او الاراضي الزراعية الضخمة، وإنما يبقى اقتصادها هو الاضخم والاكثر انتاجية وديناميكية في العالم.
ان هيمنة روما وبريطانيا كانت تعتمد على الافكار بقدر اعتمادها على القوة والموارد: القوة الامبراطورية تكمن في العلوم والآداب والتعليم. الغوليون كانوا يتعلمون اللاتينية والهنود تعلموا الانجليزية. لكن الولايات المتحدة ايضا بمقدورها ان تزعم نفوذاً اكبر في مجال الافكار. في الزمن الغابر، كانت اليونانية لغة الفلسفة، وفي القرنين التاسع عشر والعشرين كانت الالمانية لغة العلوم.
اليوم، الانجليزية هي اللغة العالمية للعالم في كل شيء، من التحكم بالحركة الجوية للطائرات وحتى الترفيه. الجامعات الاميركية هي المهيمنة على التعليم العالمي فيما الثقافة الاميركية الدنيا والمتوسطة هي المهيمنة على العالم ايضا.
ان التاريخ «لا يعطي الراحة للكثير من العقول المقتدرة والهادئة والمخلصة التي تعمل على استخلاص النتائج النهائية والحتمية،» كما كتب جاك بارزون. غير انه يوفر التدريب لتلك العقول الشديدة القادرة على قبول اللاحتميات والعمل ضمنها.
في النهاية ليس هناك فرق كبير بين اعتبار الولايات المتحدة امبراطورية او قوة عظمى او نظاماً جديداً من الكيان السياسي او اي شيء آخر. الا ان الكثير من المشكلات التي تواجهها تشبه تلك التي واجهتها امبراطوريات سابقة، وهذا وحده هو الامر الذي يستحق التفكير. غير ان النتائج التي يعطيها هذا التفكير مخيفة لانه سريعاً سيأتي الوقت الذي لا تبدو فيه الامبراطورية جذابة كما سبق لها ان كانت في ذروة نجاحها ونفوذها.
ثيوسيديوس وضع يده على هذه الفكرة بعرضه لخطابين ألقاهما زعيم اثينا بيريكلس. ففي الجنازة المهيبة لأوائل قتلى اثينا في حربها مع اسبارطة مجد قومه بالقول انهم «قدوة للآخرين» وليسوا «مقلدين». كانت كلمات شبيهة بما قاله كيندي اوائل رئاسته حين وعى جيله للعظمة. لكن الزعيم الاثيني بعد نكسات الحرب وبلاء الاوبئة حذر ابناء قومه قائلا: «ان التراجع لم يعد ممكناً الآن، اذا ما كان احدكم في رعب اللحظة الراهنة قد اغواه صدق هذه المرحلة. ذلك ان ما تقبضون عليه الآن، ولنتكلم بصراحة، هو طغيان، اعتناقه كان خطأ وتركه غير آمن».
وهنا تكمن واحدة من لعنات الامبراطورية: التخلي عنها ليس شيئاً آمناً، وبالفعل نادراً ما كان كذلك. لقد انسحبت بريطانيا من الشئون الدولية بدون كثير ضرر على نفسها (رغم الثمن الدموي الباهظ الذي دفعته في أماكن مثل الهند واليمن)، لكن ذلك يعود في الوجه الأكبر منه لكون الولايات المتحدة كانت مستعدة للحلول بدلاً منها في هذا الانسحاب لتملأ الفراغ الذي تركته القوة الامبراطورية البريطانية والقيام بالدور البريطاني في الكثير من أنحاء العالم.
كما لم يكن البريطانيون مختارين في انسحابهم من امبراطوريتهم بأكثر مما أسماه ماكيافيللي «توقع الاضطرار» للانسحاب قبل أن تأتي قوات أقوى بكثير لتطردهم رغماً عنهم.الولايات المتحدة اليوم ربما ليس لديها خيارات كثيرة بشأن دورها في الشئون الدولية, بالرغم مما يعتقده قادتها القلقون ونقادهم وحلفاؤها المرتبكون وأعداؤها الكثر.إن منطق الامبراطورية هو منطق التوسع، والمبدأ الاستراتيجي لها هو الالتزام والتوسع المفرطان.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. على خطى حماس وحزب الله.. الحوثيون يطورون شبكة أنفاق وقواعد ع


.. قوة روسية تنتشر في قاعدة عسكرية في النيجر




.. أردوغان: حجم تجارتنا مع إسرائيل بلغ 9.5 مليارات دولار لكننا


.. تركيا تقطع العلاقات التجارية.. وإسرائيل تهدد |#غرفة_الأخبار




.. حماس تؤكد أن وفدها سيتوجه السبت إلى القاهرة