الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


سكارليت جوهانسون: سفيرة أوكسفام اللا إنسانية

أحلام طرايرة

2014 / 1 / 29
القضية الفلسطينية


بعد آخر مرةِ خضعتُ فيها لإجراءات وتفاصيل التفتيش المُهينة على أحد المعابر الإسرائيلية التي تفصل الضفة الغربية عن أراضي الداخل الفلسطيني – ما يُعرف بإسرائيل- قررت قراراً أظنه قاطعاً بعدم زيارة القدس أو مدن فلسطين التاريخية ثانية ً بهذا الشكل حتى لو كان على سبيل المسؤولية الوطنية. قد يجادل البعض أن في ذلك تخاذلاً ورضوخاً لإرادة الاحتلال بثنينا جميعاً عن الحج إلى القدس (مسلمين ومسيحيين) من خلال سياسة الإذلال الممنهج التي يمارسها على تلك المعابر من أقفاص حديدية ضخمة تقول لك أنك لست أكثر من حيوانِ مروّض تمشي مسافة طويلة في قفص كبير حتى تصل إلى أول بوابة تفتيش آلي عليكَ أن تخلع قبل اجتيازها ما تيسّر من ملابسك وكرامتك، وقد ينالك بعضٌ من نّهرِ من الجندي المختبئ وراء غرفة مصفّحة وزجاج سميك إذا بقي المجسّ الآلي يصدر أزيزا كلما عبرت بوابة التفتيش فتعود أدراجك مرة أخرى وتخلع قطعة أخرى من ملابسك. ناهيك عن صراخ بني قومك وراء قفص بوابة الحديد خلفك يرشدونك بنفاذ صبر كيف تعرف ما يسبب الأزيز فتمُرّ ويمرّون، فيما يراقب جنديّ آخر المشهد من علٍ بوجه بشوش. هذا لو تناسينا ما يسبق ذلك من إجراءات التقدّم لطلب تصريح من سلطات الاحتلال ، تماما كما نتقدّم لطلب تأشيرة لزيارة بلدِ آخر.

المحظوظ هو من يحصل على تصريح لدخول القدس وفلسطين الداخل، فالكثيرون محرومون من هذه المكرمة الإسرائيلية بدعوى القرابة لشهيد أو أسير أو لشبهة الانتماء لفصيل سياسي، أو ربما للا شيء. ولهذا ربما يظنّ "المحظوظون" أن عنايةً ما اختارتهم وأن عليهم أن لا يعترضوا أو حتى أن يخطر لهم خاطر بالاحتجاج على أي مشقّة تلحق ذلك سواء على المعبر اللعين أو بعد ذلك تحديدا لأولئك الذين يدخلون بتصاريح عمل. لكني قد أجادل أن في هذا كله من الإمعان في سحقي كفلسطينية وقتل ما لدي أو ما بقي بداخلي من إنسان حرّ، أكثر منه ثنياً لي عن زيارة جزء مغتصب من وطني. فإسرائيل تصدر تصاريحها بسخاء في شهر رمضان والأعياد الدينية لأنها تعرف أن الفلسطيني ينفق الكثيرمن المال في هذه المناسبات فلينفقه لديها وليكن اقتصادها هو المستفيد. لكن عليها دائما أن تذكّر الفلسطيني أنه تحت السيطرة الكاملة فتخضعه لعملية كفيلة ان ترهق روحه وتمسخ وجدانه تدريجيا دون ن يدرك ذلك، بل أن المفارقة هي أن الفلسطيني يصبح ممتنّا لمجرد أنه سُمح له أن يدخل هناك.

هذه المقدمة الطويلة كانت لتعطي فكرة صغيرة لمن يتساءل فيما إذا كانت سكارليت جوهانسون - نجمة هوليوود والسفيرة الإنسانية لمؤسسة أوكسفام الخيرية العالمية منذ عام 2007- على بعضِ حقّ حين قالت أن شركة إسرائيلية تعامل عمّالها من الفلسطينيين بعدالة ومساواة وتدفع لهم أجورا مساوية لما تدفعه لعمالها من الإسرائيليين هذا بالإضافة لكونها شركة صديقة للبيئة كما تروّج لها جوهانسون. جاءت تصريحات جوهانسون هذه بعد موجه احتجاجات من نشطاء مناصرين لحقوق الشعب الفلسطيني ومن حملة المقاطعة الدولية لإسرائيل طالت الممثلة على خلفية تعاقدها كسفيرة –تجارية هذه المرة- لشركة اسرائيلية تقيم مصنعها الرئيسي في مستوطنة إسرائيلية على أراضي الضفة الغربية المحتلة والتي تعتبر غير شرعية وفق القانون الدولي الإنساني. وتتنبّه أوكسفام لهذه الحملة فتتوجه لسفيرتها الإنسانية بخطاب ودّي تقول فيه أنها تحترم القرارات المستقلة لسفرائها لكنها تنبّه جوهانسون إلى حقيقة الشركة التي تروّج لها الأخيرة. فتخرج الممثلة عن صمتها لتقول ما قالته من ترّهات لا نسمعها إلا من المتحدثين الإعلاميين والسياسيين الإسرائيليين أو من جماعات الضغط والتأثير الصهيونية أو من غبي لا يفقه شيئا عن الوضع السياسي والإنساني في المنطقة وليس لديه أدنى فكرة عما يعنيه أن يكون وجها إعلاميا لشركة قائمة على أراضي منهوبة.

أنا أرجّح أن تكون السيدة جوهانسون من النوع الأخير، الغبية التي اجتمع لديها الجشع أيضا. فتصريحاتها تنم عن أنها تلقتها حرفيا من شركائها الإسرائيليين. فسفيرة أوكسفام الإنسانية لم تكلّف نفسها أن ترى صور الأقفاص الكبيرة التي يمرّ بها العمال الفلسطينيون كل صباح ومساء ليدخلوا المستوطنة والمعاملة المهينة التي تمارس بحقهم لتعرف أنه ما من أقفاص شبيهة يمر بها العمال الإسرائيليين. والسفيرة لم تفكّر ما الذي يدفع فلسطينيا للعمل في مستوطنة اسرائيلية قائمة على أرض سرقت منه أو من أخ له. والسفيرة لم تحاول أن تسأل أين ذهب السكان الفلسطينيون الذين قامت المستوطنة الإسرائيلية مكانهم. السفيرة حتى لم تحاول أن تشاهد صورا للمستوطنة التي كأنها مدينة أوروبية فيما يعيش الفلسطينيون في المناطق الفلسطينية المحيطة في ظروف إنسانية بائسة حيث تحرمهم إسرائيل من كل سبل الحياة وتضيّق عليهم الخناق وتمارس عليهم وعلى كل فلسطينيي الضفة الغربية حكما عسكريا يجعلهم في مرمى الرصاص والاعتقال والتنكيل في أي وقت ولأي سبب، فيما يتمتع المستوطنون الإسرائيليون في الضفة بحكم مدني، فعن أي عدالة ومساواة تتحدث جوهانسون؟

كما لا تعرف جوهانسون- ولن تحاول- أن مجلس المستوطنة قام بمصادرة مساحات شاسعة حولها وعيّنها كمناطق تابعة رسميا للمستوطنة فيما تمارس قوات الاحتلال هواياتها بتهجير من تستطيع تهجيرهممن الفلسطينيين المحيطين وسدّ منافذ الحياة على من يصرّ على البقاء منهم. لا تعرف السيدة السفيرة الإنسانية أن الأطفال الفلسطينيين- الإناث منهم تحديدا- في تلك المناطق يتركون مدارسهم لبعد المسافة وخطورة الطريق ومضايقات المستوطنين لأن إسرائيل لا تسمح لهم ببناء مدارس. ولا تعرف السفيرة الإنسانية أن الفلسطينيين هناك يعيشون في خيام وفي بيوت من الصفيح لأن إسرائيل لا تسمح لهم ببناء بيوت. ولا تعرف السفيرة أنه وفي عام 2014 يعيش أناس فلسطينيون بجانب أصدقائها المستوطنين الإسرائيليين بدون ماء ولا كهرباء وأنه قد يموت طفل قرصه عقرب أو امرأة في المخاض أثناء نقلهم عبر الطرق الضيقة الوعرة التي تمنعهم إسرائيل من شقها وتعبيدها. لا تعرف السيدة جوهانسون أن هؤلاء الفلسطينيين الذين يعتمدون على الثروة الحيوانية والزراعة الآن كمصدر أساسي للمعيشة محرومون الآن من استخدام المراعي على بعد 20 مترا من بيوتهم، ومحرومون من فلاحة أرضهم أو حتى من الوصول إليها حتى يتسنى لها مصادتها لاحقا بالاستفادة من قانون عثماني قديم يقول أن من حق الدولة وضع يدها على الأرض إذا هجرها أهلها لعدد من السنوات.

فإذا كانت السفيرة الإنسانية جوهانسون لا تكلف نفسها عناء البحث ولو قليلا في مفهوم "المستوطنة الإسرائيلية" فعلى أوكسفام أن تجبرها على ذلك، وإلا فلتتخلّى عن خدماتها. فلا يمكن لإنسان أن يكون سفيرا لمؤسسة إنسانية فيما يروّج لمحتلّ مغتصب في ذات الوقت. وحتى لو كان وجود جوهانسون كواجهة تجلب تبرعات أكثر لأي حملة أوكسفامية، فعلى أوكسفام أن تعرف أنها ستخسر بذلك تبرعات ودعم ملايين آخرين هذا إلى جانب أنها ستخسر مصداقيتها كمؤسسة إنسانية خيرية أمام الداعمين والمستفيدين وكل من لا يزال لديه قليلٌ من إنسانية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - الاستاذه احلام طرايره المحترمه
جان نصار ( 2014 / 1 / 29 - 12:52 )
مقال جدا رائع ووصف دقيق بالفعل لكل ما يحدث لكني اجد انه لو ارسل هذا المقال بالعربيه وترجمته الانكليزيه الى الاوكسفام سيكون وقعه افضل وحتى الى الممثله نفسها ررغم شكوكي بانها ستغير موقفها .لان الدعايه الصهيونيه والدعايه لاسرائيل في هوليود وصناعة الافلام منحازه كليا لطرف الاسرائيلي.
كل هذا سيتجلى الان في الدعايه الصهيونيه للجنة الاوسكار قريبا في ترشيح الفلم الفلسطيني عمر للاوسكار في الايام القريبه.
تحياتي لقلمك وكتاباتك


2 - تحياتي سيد جان نصار
أحلام طرايرة ( 2014 / 1 / 30 - 07:41 )
المشكلة أن اوكسفام تعرف ذلك كله بل وتصدر فيه تقارير ودراسات. القضية هي في جماعات الضغط الصهيونية داخل المؤسسة نفسها (الفرع الاميركي منها تحديدا). يمكن لجوهانسون كممثلة ان ترفض ان تثقف نفسها وان لا تتعب قلبها بصراعات الاخرين السياسية والتاريخية ويمكنها كذلك ان تتحالف مع الشيطان ان شاءت فهذا شأن شخصي ولكنها كسفيرة لمؤسسة انسانية يكون لزاما عليها ان تلتزم بأدنى درجات المسؤولية التي يعنيها هذا -المنصب- وعليها ان تختار بين المستوطنة الاسرائيلية غير الشرعية وفق المواثيق الدولية التي تؤمن بها اوكسفام وتروّج لها في كل برامجها وبين رسالتها كسفيرة انسانية تناصر الضعفاء وتروّج لاحترام المواثيق الدولية، لكنه يبدو عصيّا عليها فهم هذا التناقض والفصام التي تعانيه!!

اخر الافلام

.. صورة مفجعة لفلسطينية في غزة تفوز بجائزة -أفضل صورة صحافية عا


.. وسط تفاؤل مصري.. هل تبصر هدنة غزة النور؟




.. خطوط رفح -الحمراء- تضع بايدن والديمقراطيين على صفيح ساخن


.. تفاؤل في إسرائيل بـ-محادثات الفرصة الأخيرة- للوصول إلى هدنة




.. أكاديمي يمني يتحدث عن وجود السوريين في أوروبا.. إليك ما قاله